أضرار الصيف

مستوطنان يسيران بجانب محلات تعود لفلسطينيين اضطروا إلى إغلاقها بسبب الإرهاب الإسرائيلي -(ا ف ب)
مستوطنان يسيران بجانب محلات تعود لفلسطينيين اضطروا إلى إغلاقها بسبب الإرهاب الإسرائيلي -(ا ف ب)

معاريف

ألون بن دافيد

14/8/2015

لا رحمة لدى صيف الشرق الأوسط. حر لا يطاق، رطوبة مزعجة. صحيح أنه هذه المرة أعفانا من الحرب، ولكنه جلب معه جنون التطرف، الذي يبدو في هذه اللحظة عديم التحكم. اضافة اعلان
كان محزنا ومخيفا قراءة ردود الفعل على المقابلات التي أجريت مع رئيس الدولة في نهاية الاسبوع الماضي. فما فهم منها هو أن في إسرائيل 2015 جمهورا غفيرا في نظره من يؤيد الديمقراطية والرسمية هو يساري منبطح، ان لم نقل خائن. وتحرص وسائل الإعلام في معظمها على الاعراب عن التحفظ والصدمة، ولكن في ذات الوقت تواصل منح منصة للتحريض ونشر الكراهية على المعقبين ممن ينشرون إلى جانب المضمون الصحفي.
أجهزة الإعلام، التي في معظمها تكافح في سبيل بقائها الاقتصادي، لا تتجرأ حاليا على المساهمة بنصيبها في مكافحة التحريض وهي ستواصل ارضاء المعقبين الاكثر نذالة بالدعوى العليلة "لحرية التعبير"، بل ولن تكلف نفسها حتى عناء فرز وترشيح ردود الفعل. تعابير الكراهية والتحريض العنصري، الخوف من المثلية والتشهير بالشخصيات العامة ستواصل النشر في المواقع الإلكترونية المؤطرة مستغلة المنصة الصحفية لبث السم. ولعل هذا يتوقف بعد الاغتيال السياسي التالي، التي باتت اسسه قائمة هنا منذ الآن.
المأساة هي أن كل هذا يحصل بالذات في فترة تتمتع فيها إسرائيل برفاه استراتيجي. صحيح اننا تلقينا هذا الاسبوع تأكيدا لما اشتبهنا به منذ زمن بعيد: حماس تحفر انفاقا إلى اراضينا وانهت حتى الآن حفر عدد كبير من الانفاق إلى داخل إسرائيل. هذا مقلق ويشغل بال سكان غلاف غزة أكثر من الآخرين، ولكن قبل لحظة من دخولنا منافسة "من يقترح القضاء على حماس بنجاعة أكبر" – يجدر بنا التوقف والتعالي لدقيقة عن خنق الصيف، والنظر إلى هذا التهديد بشكل واع.
في الجنوب يدور في هذه اللحظة سباق تسلح: حماس تحفر الأنفاق تمهيدا للمواجهة التالية وإسرائيل تبدأ بنصب منظومات تكنولوجية للعثور على الأنفاق، والتي ستكون حتى السنة القادمة ذات قدرة عملياتية. حماس تحفر هذه الأنفاق ليوم الامر. وجهتها ليست نحو المواجهة مع إسرائيل في هذه اللحظة بل العكس: تبحث عن تسوية مع إسرائيل.
في ضوء هذا الفهم تفضل إسرائيل انتظار استكمال منظومات العثور على الانفاق والا تعمل في هذه اللحظة ضدها. والتقدير هو ان لإسرائيل معلومات استخبارية جيدة عن مكان الانفاق والطريقة التي يستعد فيها الجيش الإسرائيلي في  غلاف غزة يمكنها أن تحتوي هجوما مفاجئا، إذا ما جاء مثل هذا الهجوم، عبر الانفاق. والبديل هو الدخول في مواجهة اخرى في غزة، بتنا نعرف ثمنه وفي نهايتها سيبدأون مرة أخرى بحفر الأنفاق من غزة إلى إسرائيل.
كيف يمكن النوم في الليل مع تهديد الإنفاق التي تخرج إلى بواباتنا؟ بالضبط مثلما ننام مع مئة ألف صاروخ ومقذوفة صاروخية موجهة الينا من لبنان. إسرائيل لم تخرج ابدا إلى الحرب كي تمنع العدو من التعاظم. العكس هو الصحيح، فقد بحثت دوما عن السبيل لابعاد الحرب التالية، انطلقا من الفهم بان في نهاية كل حرب يبدأ التعاظم المتجدد.
في حالة غزة، ما تزال هناك فرصة لابعاد الحرب التالية كثيرا. فحماس تلمح أنها معنية بتسوية وأنها ستوافق على التعهد بوقف نار طويل المدى اذا ما سمحت لها إسرائيل بمخرج نحو العالم. ومع أن الجنوب يتمتع بهدوء غير مسبوق في هذه اللحظة، فإن إسرائيل تواصل تجاهل تلميحات حماس. نافذة الفرص أمامهم ما تزال مفتوحة ولكنها لن تبقى كذلك دوما.
نافذة فرص أطول فتحت الآن مع إيران. فمع أن حامل المسدس نتنياهو يستعد إلى نزاله البطولي مع النذل الأميركي، في الجيش الإسرائيلي باتوا ينظرون إلى الاتفاق مع إيران كحقيقة منتهية وبدأوا يفحصون مزاياه، إلى جانب نواقصه المعروفة.
الاتفاق سيئ، وخلافا لمنشورات مختلفة لم أرَ حتى اليوم مؤيدين متحمسين له بين قيادة الجيش. ولكن كمهنيين، في الجيش يفهمون بان هذا الاتفاق يمنحهم الوقت، على الاقل في الموضوع النووي. فهو يؤجل التهديد الإيراني النووي بعقد على الاقل، ما يسمح للجيش بأن يوزع ويقلل استثماراته في اعداد الخيار العسكري حيال ايران. هذا الخيار ينبغي حفظه ورفع مستواه في هذا العقد، ولكن ليس بذات الحاح الاستثمار الذي رافقه في السنوات الأخيرة.
اضافة إلى ذلك، ففي هذه الفترة سيتعين على إسرائيل أن تنوع صندوق ادواتها امام إيران. فالجيش سيكون مطالبا بان يطور القدرة على توجيه ضربة سايبر للجمهورية الإسلامية، تأتي مع أو بدلا من ضربة جوية. وسيتعين على الموساد أن تشدد قدراتها العملياتية للاحباط السري للبرنامج النووي – بالتصفيات، بالتخريبات وبهجمات السايبر.
يرى الجيش نافذة الفرص هذه ويأمل في أن تسمح له بان يستغلها لبناء جيش ذي صلة أكثر بالمهام الجديدة. ولرئيس الاركان غادي آيزنكوت الشجاعة والفهم اللازمين ليكون اصلاحيا، وبالذات لهذا السبب خسارة ان تقرير لوكر انهزم على صخرة خلاف التقاعد.
في الأسبوع الماضي انجرفت خلال الكتابة عن التقرير وأسفت في نظرة إلى الوراء على الصيغة التي اصدرتها ولم تعكس نواياي. ليس عندي أي شك بأن ما حرك يوحنان لوكر وأعضاء اللجنة كانت الرغبة في تعزيز الجيش وتحسينه. وكان انتقادي عن الاستخدام الذي يقوم به بعض من الصحافة الاقتصادية للتقرير من اجل مناكفة الخادمين في الجيش والتشهير بهم.
الفجوة بين موقف الجيش وتقرير لوكر ليست كبيرة. فالأغلبية الساحقة من التقرير تتطابق والخطة متعددة السنوات التي اعدها رئيس  الاركان. في  الطرفين يريدون تصفية المسخرة التي ترافق كل سنة ميزانية الأمن ووقف طريقة العلاوات والغمزات. في الطرفين يريدون ميزانية دائمة للأمن (الفجوة بين لوكر والجيش هي نحو مليار شيكل)، مما يتيح تخطيطا بعيد المدى.
إذا ما وضعوا جانبا الموضوع المتفجر المتعلق بالتقاعدات، فإن هذا التقرير هو أساس جيد لبحث مشترك. لوكر بالذات كان مستعدا لان يترك مسألة التقاعد جانبا وإن يجري بحثا في الـ 52 توصية الاخرى له، وكذا رئيس الاركان ما كان ليعارض، ولكن وزير الأمن لم يأتِ إلى البحث.
يفسر موشيه يعلون توصيات لوكر بالشفافية في الميزانية كمحاولة لمنح المالية السيطرة على وزارة الأمن. قلقه مبرر. اغلبية الوزارات الحكومية يديرها الاصلاحيون الشباب في المالية. فعندما يريد وزير الأمن الداخلي أن يشتري سيارات دورية جديدة للشرطة يتعين عليه أن يبعث مديره العام كي يستجدي رجال المالية.
لكل الوزارات الحكومية، باستثناء الأمن، لا توجد حقا قدرة على ادارة المجالات التي يتولون المسؤولية عنها. رجال المالية هم الذين يقررون كم صحة تكون لنا، اي تعليم يتلقاه اطفالنا وكم رفاه. كما أن المالية تحرص على الا تنجح الوزارات الحكومية في تحقيق ميزانيتها وان تنهي كل سنة مع فائض ميزانية، يكون ممكنا استخدامه لتلبية مطالب سياسية او سد ثقوب في الميزانية.
يدعي لوكر أن توصياته تستهدف خلق شفافية ميزانية في وزارة الأمن حيال وزارة المالية، ولكنها تبقي السيطرة والادارة في يد الأمن. اما يعلون ورجاله فغير مستعدين حتى للبحث في هذا. والجيش يسير على خطاهم، وهو لا يمكنه لا يعترف بان وزارة الأمن، على المليار ونصف مليار شيكل اللذين تستهلكهما  في السنة، هي عبء آخر على ميزانية الجيش.
ولكن فضلا عن صراعات القوى والعلاقة الخالدة بين المالية والأمن، فتوجد فرصة لمعالجة مسائل ملحة وضرورية: هل مبنى القوة القائم للجيش الإسرائيلي مناسب لمهامه الحالية؟ هل فكرة استخدام الجيش ذات صلة بالمحيط الجديد الناشئ هنا؟ هل نموذج الخدمة الحالية، لجيش نظامي صغير يعتمد على جيش احتياط كبير، يستجيب لاحتياطات الامن الإسرائيلية؟
يفهمون في الجيش أن الرد على السؤالين الأولين هو لا. كما أن لجنة لوكر فهمت هذا. الجواب على السؤال الثالث ينطوي على معان اجتماعية عميقة، تتعلق بفكرة "جيش الشعب" ومكان الجيش في المجتمع الإسرائيلي. ليس الجيش هو ما ينبغي أن يجيب عليه.
يخلق محيط إسرائيل الإقليمي لها الآن لحظة مناسبة. هذه فرصة للبحث في هذه المسائل، وعدم الخوف حتى من تناول مسألة شروط الخدمة، ولكن أيضا جعلها الموضوع الأساس. الجيش الإسرائيلي تواق للتغيير، ولديه أيضا من يقود مثل هذا التغيير، وهو بحاجة الان إلى شراكة وإسناد المسؤولين عنه.