أقول للطفلة الغزية الجائعة: أنا اشعر بالخجل

1709566750082299600
إحدى سيارات المساعدات التي تعرضت لقصف من قوات الاحتلال.-(وكالات)

هآرتس
عودة بشارات
4/3/2024


بنظرة ثاقبة وابتسامة معتذرة ودموعها تنزل من عيونها السوداء الجميلة، الطفلة الغزية ابنة الـ 9 أو 10 سنوات همست: "أنا جائعة". في هذا الفيلم القاسي يبدو أنها تخجل من هذا الاعتراف الصادم. فقط بالعبرية يرفقون كلمة الجوع بكلمة العار. "عار الجوع"، كما يقولون. أنا بحثت ولم أجد هذا المصطلح في أي لغة أخرى. في قاموس بن شوشان كتب "مجاعة تجبر الإنسان على إذلال نفسه من أجل رغيف خبز".اضافة اعلان
 لماذا يشعر من يريد قطعة خبز بالإهانة؟ في نهاية المطاف هذه هي سنة الحياة. يمكن فهم هذا المصطلح على الصعيد الشخصي للجائع. ولكن على الصعيد الموضوعي الأوسع يمكن القول بأن حق الإنسان الأساسي هو الحصول بأي طريقة ممكنة على قطعة خبز، والعار الحقيقي هو على من تسببوا بالجوع. يبدو أن اللغة العبرية حساسة جدا لمعاناة الإنسان، لكن بعض من يتحدثونها أقل حساسية بكثير.
حسب ما قرأت فإن المرحلة الأولى للجوع تتمثل قبل أي شيء آخر بالنفسية والسلوك، العصبية والتعب وغياب التركيز وأفكار استحواذية حول الطعام. في المرحلة الثانية تبدأ تظهر أعراض على الجسد مثل الضعف والوهن، النبض السريع، التنفس الضعيف والبطيء، العطش والإمساك وربما الإسهال. في حالات معينة تبدأ العيون في أن تغور للداخل، وتظهر وكأنها زجاجية. العضلات تبدأ بالضمور والجلد يصبح لونه باهت. الإنسان يعاني من الضعف الشديد والدوار. هناك علامة بارزة أخرى وهي البطن المنتفخ لدى الأطفال. من قال إن الرصاصة غير رحيمة؟. الوصف المذكور أعلاه كان يمكن توفيره برصاصة واحدة. ضربة سريعة وانتهى الأمر.
 في أوقات سابقة كان الجوع بشكل عام بفعل الطبيعة، قحط أو كارثة طبيعية أخرى، خاصة عندما لم يتمكن الأخيار من توفير الغذاء للجياع. لكن هناك نوعا آخر من الجوع مصدره في الشر. هذا النوع يسمى "التجويع"، الذي هو عمل متعمد وخبيث وكله شر خالص. هذا النوع الذي يفعله البشر يمكن تسميته "عار المُجوعين". غزة محاطة بالغذاء ولكن الحارس لا يسمح بإدخاله. من يقوم بمنع الغذاء فإنه يفتح باب الموت للغزيين. فقط الشخص المتوحش هو الذي يمكنه فعل ذلك.
العالم مصاب بالصدمة من "مذبحة الجوعى" في شمال قطاع غزة التي حدثت في يوم الخميس الماضي. سيما كدمون كتبت في "يديعوت احرونوت" عن صورة المسيرة: "مئات الأجسام الصغيرة، مثل النمل الصغير، تركض من جهة إلى أخرى، في لحظة يظهر الأمر وكأنهم يحاولون النجاة بحياتهم. وفي لحظة أخرى ينقضون مثل الطيور على قطعة خبز". هذا المشهد لا يعتبر عار على المُجوعين فقط، بل هو عار على كل البشرية.
 في إسرائيل مثلما هي الحال في إسرائيل ركزوا على التفاصيل الصغيرة والصغيرة جدا من أجل التغطية على المشهد العام – الحقيقة هي أن هذا الواقع تم خلقه بشكل متعمد من قبل قادة الدولة. "أنا أمرت بفرض الحصار المطلق على قطاع غزة، لن تكون كهرباء أو غذاء أو وقود، كل شيء مغلق. نحن نحارب حيوانات بشرية، ونحن نتصرف بحسب ذلك"، قال يوآف غالنت، وزير الدفاع في دولة إسرائيل. في الحقيقة أقواله هذه جاءت بعد بضعة أيام على 7 تشرين الأول. ومنذ ذلك الحين تم إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة بضغط من أميركا والعالم. ولكن روح هذه الأقوال تحوم فوق سلوك إسرائيل. ضمن أمور أخرى، "فشل" قوات الأمن في صد المتظاهرين في معبر كرم أبو سالم الذين حاولوا ونجحوا في منع إدخال المساعدات. أمر التجويع صدر عن الجانب الذي نعيش فيه أنا وأصدقائي؛ نحن اليهود والعرب، الذين نحب السلام، هل يمكننا القول "يدنا لم تسفك هذه الدماء"، لأننا قمنا بالإدانة والصراخ؟ هذا لا يكفي. نحن مطلوب منا فعل المزيد. يجب أن تمر بضع سنوات أو عقود من أجل أن تتلاشى "علامات العار" التي توجد في الأمر المذكور أعلاه.
 نعود إلى الطفلة في غزة، التي همست بأنها جائعة وهي خجلة بسبب الوضع الذي جعلها تقوم بهذا الاعتراف الصعب. أنا أريد التصريح لها ولجميع الأطفال في غزة بأنني أشعر بالخجل والعار من الوضع الذي وصلوا إليه. أنا اعتذر لهذه الطفلة، ليس فقط باسمي، بل باسم جميع الاشخاص الأخيار في العالم. كيف سمحوا لوردة مثلك أن تذبل دون أن يهبوا لمساعدتها.