أهداف بلا سياسة

هآرتس تسفي برئيل 6/5/2019 الإطراء الذي تغدقه حماس والجهاد الإسلامي على جهود مصر من أجل التوصل الى وقف لإطلاق النار، يمكن أن يدل على الأقل على المناخ الذي تريد المنظمتان نشره. مع ذلك، الصعوبات ما تزال كبيرة لأن مصر مطلوب منها إدارة مفاوضات مزدوجة الأبعاد، عليها تحقيق توافقات بين القيادة السياسية لحماس والجهاد وبين أذرعها العسكرية وخلق قاعدة ثقة مشتركة بين حماس والجهاد، وبين هاتين المنظمتين وبين إسرائيل. حسب مصادر عربية، مصر دعت بشكل خاص قائد منطقة غزة وشمال القطاع، بهاء أبو العطا، للمشاركة في النقاشات في القاهرة في أعقاب إطلاق الصواريخ على إسرائيل، في الوقت الذي أوضح فيه سكرتير عام الجهاد الإسلامي، زياد نخالة، أن إطلاق النار الأول لم يتم بالتنسيق معه. في المقابل، استدعي الى القاهرة أيضا مروان عيسى، الذي يعد رئيس أركان كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكرية لحماس، من أجل تنسيق التفاهمات على الأرض بينه وبين أبو العطا -وبهذا إغلاق الفصل التكتيكي. إزاء استمرار إطلاق النار على إسرائيل، ليس واضحا تماما اذا كانت المفاوضات الداخلية التي تجريها مصر مع التنظيمات فيما بينها قد أثمرت عن اتفاق كامل. ولكن يبدو أنه بين الأذرع العسكرية للمنظمتين تبلور اتفاق على أنه لا يجب إعطاء إسرائيل ذريعة للقيام بعملية عسكرية أوسع، التي ربما تشمل هجوما بريا في غزة. معركة زائدة حماس والجهاد تطلبان من مصر أن تعمل مع إسرائيل من أجل منع التصفيات المركزة، من جهتهما، عملية كهذه تشكل كسرا للقواعد التي ستوسع حجم الرد. علنيا يعلن المتحدثون للمنظمتين بأنهما لا تخافان من التصفيات المركزة ويؤكدون أنه لكل شخصية كبيرة تقتلها إسرائيل يوجد بديل، وأنهم منذ زمن لا يعتمدون على طبقة رقيقة من القادة السياسيين والعسكريين. مصر تحاول إقناع التنظيمات وإسرائيل بأنه في المعركة الحالية لن تكون هناك صورة للنصر ولا للهزيمة. "هذه معركة زائدة للطرفين"، قال للصحيفة محلل مصري يكتب في صحيفة رسمية. "الاتفاقات الأساسية على شروط التهدئة صيغت في السابق قبل بضعة أشهر، الطلبات من إسرائيل ومن حماس لا تحتاج الى إعادة تعديل؛ حيث إن إسرائيل والتنظيمات وافقت عليها -وليس فقط بصورة مبدئية. ادعاء التنظيمات هو أن إسرائيل لم تنفذ دورها في التفاهمات، ومصر أوضحت بأنها تتفق مع ادعائهم. أقوال المحلل تتوافق أيضا مع المقابلات التي أجراها متحدثون بلسان هذه التنظيمات مع وسائل الإعلام العربية، التي أوضحوا فيها بأنه "لو كانت اسرائيل قد التزمت بتعهداتها لكان يمكن منع الجولة الحالية من المواجهة". حسب أقوال دبلوماسي أوروبي، فإن مصر من شأنها أن تطلب من ممثلين إسرائيليين كبار القدوم الى القاهرة قريبا من أجل صياغة الضمانات التي ستكون مستعدة لإعطائها لتنفيذ التفاهمات، في الوقت الذي ما يزال فيه رؤساء التنظيمات موجودين في القاهرة. صحيح أنه بين مصر وإسرائيل والتنظيمات يوجد توافق على خطة المساعدة وخطة إعادة إعمار القطاع، لكن حسب أقوال الدبلوماسي، فإن مصر فهمت أن اسرائيل وجدت صعوبة في تطبيق هذه التفاهمات -ليس فقط بسبب إطلاق الصواريخ من غزة، بل بسبب إجراء الانتخابات في اسرائيل. الآن يبدو أن نتنياهو يمكن أن يؤخر الخطة حتى تشكيل حكومة جديدة. "كل تأخير كهذا سيصعب على التوصل الى وقف لإطلاق النار، وكلما استمر إطلاق النار فإن الطرفين يمكن أن يصلا الى وضع اللاعودة. الى درجة أنه حتى مصر ستجد صعوبة في إقناعها بالعودة الى طاولة المفاوضات غير المباشرة بينهما"، حذر الدبلوماسي. هذه أيضا هي المخاوف التي عبر عنها مندوب الأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف الذي يعمل بلا كلل من أجل تثبيت وقف إطلاق النار. سياسة إطفاء الحرائق في هذه الأثناء، تحظى إسرائيل بصمت دولي وليس عليها ضغط لوقف النار بما أنها تتعرض للنار من غزة. ولكن الخوف هو دول في المنطقة، لا سيما تركيا، ستتوجه الى مجلس الأمن مطالبة بإجبار إسرائيل على وقف هجماتها على غزة. إن فتح ساحة سياسية ضد إسرائيل في الأمم المتحدة ستعد إنجازا آخر لحماس التي تعززت مكانتها السياسية أيضا إزاء انغلاق محمود عباس، وبسبب حقيقة أنها، وليس السلطة الفلسطينية، هي التي تنجح في إملاء الرد الفلسطيني ضد إسرائيل. وكذلك بالنسبة لخطة السلام التي يتوقع أن ينشرها الرئيس ترامب بعد انتهاء شهر رمضان. إسرائيل، من ناحيتها، لا توضح ما هي أهدافها بعيدة المدى في غزة. حتى الآن هي تمسكت بسياسة إطفاء الحرائق التي في إطارها سمحت بنقل الأموال القطرية الى القطاع، وسعت منطقة الصيد، وزادت حجم البضائع التي ستدخل الى غزة. هذه التسهيلات ألغيت أو قلصت مع اشتداد المواجهة الأخيرة، لكن أيضا اذا جددت لن يكون فيها ما يكفي لإرضاء حماس. وبالأساس، المليونا شخص الذين يعيشون تحت حصار خانق منذ 12 سنة، مصر من ناحيتها زادت مؤخرا كمية البضائع من سيناء الى القطاع وأوضحت لرؤساء التنظيمات أن معبر رفح سيبقى مفتوحا؛ أي أنها لا تنوي استخدامه كوسيلة ضغط مثلما فعلت في السابق. ولكن الحديث لا يدور فقط عن وجبات مساعدة ولا عن سياسة العصا والجزرة. الدولتان تتعاملان مع حماس على أنها جهة حاكمة مسؤولة وحصرية عما يحدث في غزة. وهما تجريات معها مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة وليس فقط حول وقف إطلاق النار. وهما تعملان على صياغة سياسة اقتصادية معها مشروطة بسلوكها العسكري. صحيح أن مصر سبق لها وأعطت حماس شرعية بمجرد إجراء مفاوضات مباشرة معها، في حين أن إسرائيل تمسكت علنيا بالمبدأ الذي يقول إنها لا تجري مفاوضات مع التنظيمات الإرهابية. ولكن في الوقت نفسه هي توافق، بل وتشجع مصر على أن تجري باسمها مفاوضات مع هذه المنظمة ومستعدة لتطبيق، حتى لو كانت لا تصرح بذلك علنا، كل اتفاق تحققه مصر بالتنسيق معها. في هذه الخدعة تشارك حماس، التي علنا لا تعترف بإسرائيل وترفض أي اقتراح لإجراء مفاوضات معها، لكن فعليا تتعامل مثل خصم براغماتي. هكذا يحدث أن الطرفين؛ إسرائيل وحماس، مضفوران معا في نظام من الردع والاعتماد المتبادل، الذي فقط يزداد ويتعزز طالما لم يتم عرض خطة سياسية قابلة للتنفيذ للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني.اضافة اعلان