هآرتس

إسرائيل تتسبب باشتعال الضفة الغربية

هآرتس
هآرتس
بقلم: عاموس هرئيل

جنديان إسرائيليان قتلا أول من أمس على المدخل الجنوبي لنابلس في عملية دهس من قبل سيارة فلسطينية. في الجيش يعتقدون أن الأمر يتعلق بعملية متعمدة، وفي المنطقة بدأت مطاردة لسائق السيارة التي نفذ عملية الدهس. مع ذلك، خلال ثمانية أشهر من الحرب في غزة تقريبا، بقيت الضفة الغربية ساحة ثانوية للقتال. الجيش الإسرائيلي نشر فيها قوات كبيرة وبدأ في عمليات هجومية واسعة في جنين ونابلس وطولكرم. ورغم أنه حدثت في المناطق عمليات إطلاق نار كثيرة والفلسطينيون تكبدوا مئات القتلى في الأحداث، إلا أنه يبدو أن الوضع في الضفة الغربية بقي على بعد خطوة من نقطة الاشتعال الشامل. سيطرة السلطة الفلسطينية في رام الله بقيت مستقرة نسبيا رغم التماهي الكبير للجمهور في الضفة مع حماس ومع المذبحة في غلاف غزة. ورغم الفساد الكبير والصراع على وراثة الرئيس العجوز محمود عباس، بقيت درجة من السيطرة على الوضع.اضافة اعلان
النتيجة حتى الآن، من ناحية إسرائيل، كانت أقل خطرا مما ظهر في 7 تشرين الأول (أكتوبر). وبمعان كثيرة فإن السلطة والأجهزة الأمنية الفلسطينية تواصل العمل كمقاول من الباطن لإسرائيل لصالح الأمن في الضفة. وخوف السلطة الفلسطينية وحركة فتح من حماس، ولا سيما الخوف من محاولتها احتلال السلطة بالقوة في الضفة، يفعل فعله. حتى الآن، فإن الأجهزة تواصل اعتقال أعضاء حماس والجهاد الإسلامي، وهناك درجة من التعاون الاستخباري الذي يؤدي إلى إحباط عمليات المقاومة ضد الإسرائيليين.
لكن حتى هذا الاستقرار المحدود يمكن أن يتضعضع في الأشهر القريبة المقبلة، بالتحديد إزاء خطوات تخطط لها إسرائيل. ومثل عدد كبير من الصعوبات الاستراتيجية التي تعرضنا لها في حرب الاستنزاف المستمرة مع حماس وحزب الله، فإن سبب ذلك ينبع من الوضع السياسي الداخلي في الائتلاف. هذا يتعلق بالخطط الطموحة لوزير المالية والوزير في وزارة الدفاع بتسلئيل سموتريتش، الذي منذ عشر سنوات على الأقل لا يخفي أن هدفه هو تقويض حكم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. في الفوضى الحالية هو يلاحظ فرصة ويحاول دفع رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إلى هذا الاتجاه، وأيضا يعمل ضد الإجماع الاستثنائي لكبار قادة الأجهزة الأمنية. هذا سيكون نجاحا مزدوجا لأنه بذلك يأمل بمنع سيناريو آخر يخشى منه اليمين، وهو تدخل السلطة الفلسطينية في ترتيبات اليوم التالي في قطاع غزة (التي تبدو الآن بعيدة لأن حماس لم تهزم بعد).
سموتريتش حاول تمرير قرارات تؤدي إلى انهيار السلطة قبل سنة تقريبا، في ذروة فترة الانقلاب النظامي. في حزيران (يونيو) 2023، تم عقد الكابنت الأمني ومنع اتخاذ قرار حول تغيير السياسة تجاه السلطة والسعي العلني لتقويضها. نتنياهو رغم ضغط اليمين لم يستسلم في حينه لشركائه. الظروف الآن مرة أخرى هي أكثر صعوبة على خلفية الوضع الأمني. المتغير الأكثر حسما هو قرار الحكومة منع دخول العمال الفلسطينيين للعمل داخل إسرائيل منذ المذبحة في الغلاف. من بين الـ150 ألف عامل الذين عملوا في البلاد حتى المذبحة، فإنه فقط 8 آلاف عامل فلسطيني في وظائف حيوية مثل، فرع الغذاء والدفن والنظافة، مسموح لهم الدخول الآن (في المقابل، في أعقاب ضغط المستوطنين، تمت المصادقة في مرحلة مبكرة على دخول 10 آلاف عامل من الضفة إلى المناطق الصناعية في المستوطنات رغم المخاطرة).
نسبة البطالة في الضفة تبلغ الآن 30 %. وفي إسرائيل الحكومة تناقش خطة لإحضار عشرات آلاف العمال من الخارج، بالأساس لفرع البناء، كبديل دائم للعمال الفلسطينيين. أيضا الحركة بالاتجاه المعاكس محظورة. فقط مؤخرا تقرر السماح بدخول عرب إسرائيل إلى الضفة الغربية للتسوق، وهذا عامل حاسم للاقتصاد الفلسطيني، بالتأكيد عندما يكون العمل داخل حدود الخط الأخضر محظورا.
في الفترة القريبة المقبلة، ستتم مناقشة الدخول إلى حيز التنفيذ  خطوات عدة، يمكن أن تزيد الأضرار بالسلطة الفلسطينية. في مركز هذا الموضوع يوجد دعم من السلطة للسجناء الفلسطينيين الأمنيين في السجون الإسرائيلية. هذا طلب قديم لإسرائيل، وقف هذا الدعم، الذي يرتكز إلى الادعاء بأن السلطة الفلسطينية تستخدم بهذه الطريقة طريق التفافية لمساعدة المقاومة والتشجيع عليها. الآن هي تحصل على التعزيز على خلفية المذبحة في بلدات الغلاف – لكن تطبيقها سيفاقم الأزمة الاقتصادية في مناطق السلطة الفلسطينية. إسرائيل سبق لها أن اتخذت خطوات عدة، لتجميد أموال الضرائب (خصم اموال الضرائب للعمال الفلسطينيين ردا على دعم السجناء وتحويل الأموال إلى القطاع). مؤخرا تم العثور على مسار التفافي، تحويل الأموال عبر النرويج، لكن إسرائيل ترفض مواصلة ذلك بذريعة أن النرويج اعترفت هي ودول أوروبية أخرى بالدولة الفلسطينية.
في نهاية السنة يمكن أن تصل السلطة إلى عجز يبلغ 30 مليار شيكل (الميزانية السنوية لها هي 19 مليارا). السلطة ستجد نفسها غير قادرة على تسديد الديون ولن تتمكن من دفع الرواتب. هكذا تعود الموظفون العامون، بدءا برجال الأمن وانتهاء بالمعلمين، على التسلم في السنة الأخيرة فقط نصف الراتب في الشهر. في المؤتمرات الأخيرة للدول المانحة لم يتم التوصل إلى تفاهمات، وفي هذه الأثناء لا يلوح في الأفق أي انعطافة في الوضع الاقتصادي للسلطة الفلسطينية.
في بداية الشهر الحالي، يمكن أن يدخل إلى حيز التنفيذ قانون تعويض جديد للمصابين في العمليات العدائية، الذي سيمكن كل مصاب في عملية مقاومة من الحصول بشكل تلقائي تقريبا على تعويض من أموال السلطة (10 ملايين شيكل لعائلة القتيل و5 ملايين شيكل لعائلة المصاب). عبء الإثبات بأن الأمر لا يتعلق بعملية مقاومة سيكون على السلطة. في موازاة ذلك إسرائيل تقوم بخطوات تصعب على السلطة مواصلة علاقاتها مع البنوك الإسرائيلية. لكل هذه الأسباب التي جزء كبير منها اقتصادي، فإن السلطة الفلسطينية تقف على شفا الهاوية. في هذه الأثناء يبدو أن الحكومة الإسرائيلية مترددة بين دفعها بخطوات عدة، الى الأمام رغم تحذير جهاز الأمن.
في غضون ذلك، تثور عاصفة عامة صغيرة على خلفية إطلاق نار ممنهج لمقاومي حماس في طولكرم على مستوطنة بيت حيفر، التي توجد وراء جدار الفصل غرب خط التماس. هذه المستوطنة تعاني من محاولات متكررة لإطلاق النار، وسكانها يشتكون من ضعضعة الشعور بالأمن، على خلفية الخوف من أن المذبحة في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، ستتكرر أيضا في مستوطنات عيمق حيفر. الجيش الإسرائيلي الذي عمل في الأشهر الأخيرة بشكل عنيف في مخيمات اللاجئين القريبة، طولكرم ونور شمس، يجد صعوبة في هذه الأثناء في مواجهة ما يظهر كتهديد غير معقد بشكل خاص. سموتريتش بالمناسبة، يتعهد بحل بسيط. فقد هدد أول من أمس، بتحويل طولكرم إلى غزة إذا لم يسد الهدوء.
وطالما أن الحرب في غزة وعلى الحدود مع لبنان ترتدي صورة حرب استنزاف، فإنه هكذا تتضح تأثيراتها الكبيرة على المجتمع والاقتصاد. مؤخرا النفوس هائجة بعد أن قام الجيش باستدعاء مئات الفتيات ومجندات احتياط خدمن نظاميا في الضفة الغربية وتقريبا، لم يتم استدعاءهن منذ ذلك الحين للخدمة في الاحتياط، لمهمة حراسة أسرى حماس في السجون الإسرائيلية. الجيش الإسرائيلي ألقى هذه المهمة مع مهلة قصيرة للفتيات اللواتي لم يجتزن الإعداد المناسب لهذه المهمة.
الأقل غضبا من ذلك هو النظرة لجنود الوية الاحتياط الذين تم استدعاؤهم مع مهلة لمدة أسبوع أو أسبوعين للخدمة في قطاع غزة. في هيئة الأركان، يبدو أنه تم ارتكاب خطأ في التخطيط، وفي أعقاب ذلك، تبين أنه للواء المشاة "كرميلي"، الموجود على ممر نتساريم في وسط القطاع، لم يتم إعداد أي بديل له عندما سيتم تسريحه المخطط له، وقد ثارت ضجة كبيرة في أعقابها تسلم آلاف الجنود في ألوية مختلفة الأمر 8، للمثول السريع للخدمة. أيضا بعد أن تم إلغاء جزء من هذه الأوامر نشأ وضع فيه كتائب خدمت في السابق لأشهر كثيرة في غزة وفي منطقة الشمال، التي ينتظرها تشغيل عملي آخر في الصيف، حصلت الآن على أمر الامتثال للخدمة.
هناك وحدات تتأرجح من دون تخطيط من مكان إلى آخر. مؤخرا ظهرت ظاهرة غريبة أخرى، التي فيها الضابطات في السكرتاريا يبحثن في "فيسبوك" عن متطوعين لوظائف معينة تنقص الوحدات، منها سائقون وموظفو تكنولوجيا معلومات.
الجيش الإسرائيلي يستخدم الآن في القطاع تقريبا ربع القوات التي عملت هناك في ذروة الحرب. أيضا القوات على الحدود مع لبنان تم تقليصها. هذا العبء تتحمله الآن وحدات قليلة نسبيا، وضغوط كثيرة وتخطيط سيء يصعب على توزيع متساو ويضر بدافعية الجنود للخدمة. وتضاف إلى ذلك، الشكاوى المتجددة والمتزايدة، على نقص المعدات المناسبة لجنود الاحتياط. متطوعون يعملون في الدعم اللوجستي في الوحدات، الوسائل القتالية والمعدات منذ اليوم الأول للقتال، قاموا بجمع طلبات  عدة، للوحدات التي تم دمجها مؤخرا لخدمة أخرى في القطاع وفي منطقة الشمال والضفة الغربية. من بين هذه الطلبات، فإن القادة يبحثون لوحداتهم عن مئات الخوذات التكتيكية والستر الواقية والزي المضاد للحريق لطواقم الدبابات والحوامات.
في الأشهر الأولى للقتال، قال الجيش الإسرائيلي دفاعا عن نفسه بأنه تفاجأ من سيناريو فيه مئات آلاف الجنود تم استدعاؤهم للخدمة دفعة واحدة، وكان يتوقع أن يكون نقصا محليا، الذي تم حله بعد فترة معينة. الآن عندما أصبح من الواضح أنه ما تزال تنتظرنا حرب استنزاف طويلة، فإنه يجب الأمل بأن الجيش سينزل إلى عمق هذه الادعاءات ويعرض حلولا على الأرض. هذه ليست مشكلات لا يمكن للمواطنين المتطوعين وجنود الاحتياط حلها بأنفسهم.