استئناف المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية

INSS

جلعاد شير
24/7/2013
الدبلوماسية المكثفة التي أدارها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في الاشهر الاخيرة أنتجت أخيرا بيانا حذرا عن العودة الى طاولة المفاوضات. على خلفية العقوبات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، ينبغي الترحيب باستئناف الحوار بعد سنوات من الجمود السياسي. ينبغي الافتراض بأنه ستكون على طاولة المداولات في اثناء السنة القريبة المقبلة الصيغ الرسمية القائمة ايضا: صيغة كلينتون من العام 2000، خريطة الطريق للرباعية في العام 2003، اقتراح اولمرت لابو مازن في 2008، ومبادرة السلام العربية في 2002، مع الايضاحات التي اعطيت لها مؤخرا. واضافة الى ذلك، طفيف جدا اليوم احتمال الوصول الى حل كامل وبعيد المدى للقضايا الجوهرية – القدس، اللاجئين، الحدود، الامن – وانهاء النزاع في تسوية دائمة. اضافة اعلان
الى جانب ذلك، في الساحة الدولية يتثبت فهم نزع الشرعية عن اسرائيل ويترسخ الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية بغير نتيجة الاتفاق؛ استمرار البناء في المستوطنات يجعل تقسيم الارض عمليا بين دولتين قوميتين امكانية اقل فاقل؛ الشريك الفلسطيني المعتدل في المفاوضات، حركة فتح، توجد في سياق داخلي من الضعف، حيث بالتوازي تتعزز الاصوات المتشددة في قيادة حماس؛ وكذا مقلق تعاظم صوت الجمهور في الدول العربية، والذي يتميز بالتماثل مع الاسلام السياسي.
من اجل ضمان المصلحة القومية بعيدة المدى – دولة يهودية ديمقراطية – على اسرائيل أن تسعى الى الانفصال عن الفلسطينيين وتصميم حدود الدولة، سواء بالمفاوضات ام بشكل مستقل، وكل ذلك بالتنسيق مع الاسرة الدولية. ولكن بالتوازي، مطلوب من الداخل استعداد وحوار اسرائيلي داخلي، يعد الجمهور والاساس الوطني الضروري لعملية الانفصال التدريجي عن الفلسطينيين.
من اجل التقدم الى تسوية سياسية بعيدة المدى، وتصميم واقع سياسي مرغوب فيه من دولتين لشعبين، سيتطلب الامر إذن اتفاقات جزئية، اتفاقات انتقالية، واعمال مستقلة منسقة في الطرفين. وهكذا يتاح تحسين العلاقات الشكاكة بين القيادتين، وليس أقل اهمية – هذه الخطوات كفيلة بان تساعد في بناء الثقة بين المجتمعين وفي نهاية المطاف تعظيم التأييد الجماهيري الحيوي للقيادتين لغرض التقدم نحو اتفاق بعيد المدى.
على المستوى الاقليمي، على اسرائيل أن تتحدث مع قادة دول رائدة في الجامعة العربية حول استعدادها المبدئي لاستئناف صيغة متعددة الاطراف، في ظل امكانية الاعتراف بمبادرة السلام العربية كاساس لبدء الحوار، بهدف الدفع الى الامام باتفاق على اطار متعدد الاطراف شامل دائم كمنصة اقليمية للحوار، واتفاق على خطوات مصممة للواقع من جانب اسرائيل والفلسطينيين. الميزة المركزية لهذا النهج تكمن في احتمالاته لتحقيق ادارة محسنة للنزاع في المرحلة الاولى، بالتوازي مع المحادثات الثنائية، وفي المرحلة الثانية، خلق أساس للمفاوضات مع الفلسطينيين على تسوية دائمة وحوار اقليمي مع لاعبين شرق اوسطيين آخرين.
يستدعي التقدم الحذر والتدريجي للانفصال عن الفلسطينيين وتصميم حدود الدولة الابقاء على المبادرة السياسية بيد اسرائيل. من ناحية اسرائيل لا مجال بعد اليوم للسلبية وانتظار خطوات الطرف الثاني أو اطراف ثالثة، مثلما حصل الاسبوع الماضي مع الاوروبيين. مرغوب لاسرائيل أن تعمل بالتوازي في عدة محاور عمل مركزية: الاول اتفاقي، وهو الخطوة المتبعة هذه الايام من قبل وزير الخارجية جون كيري وفيه يجب أن تكون 1. مفاوضات هدفها النهائي – تسوية سياسية بعيدة المدى، 2. تسويات انتقالية نحو تطبيق تسوية بعيدة المدى متفق عليها، 3. حوار اقليمي متعدد الاطرف. المحور الثاني هو مبادرة اسرائيلية مستقلة لرسم الحدود المؤقتة، مرغوب فيه في ظل التعاون والتنسيق مع السلطة الفلسطينية.
الصيغة المقترحة للتقدم هي التطبيق بشكل منفصل كل خطوة تساهم في واقع الدولتين، او صيغة متفق عليها. وبالتوازي مع المحادثات يوجد مجال لاعادة التفكير ايضا بالسياسة الشاملة تجاه قطاع غزة والاستعانة باطراف ثالثة للتغلب على أزمات عنيفة وتعميق التفاهمات الامنية بين اسرائيل وحماس.
ولكن، اذا ما اشتدت الفوارق والعوائق على الطريق وتغلبت على الجهود لدفع التسوية السياسية بالمفاوضات الى الامام، او تصعد الوضع جدا، فسيتعين على اصحاب القرار في اسرائيل العمل على الدفع الى الامام بمبادرة انفصال ذاتية بهدف خلق واقع دولتين للشعبين على الارض، مرغوب فيه بالتعاون مع السلطة الفلسطينية (ولكن تنفيذها لن يكون متعلقا بذلك)، ومنسقة بشكل وثيق مع الادارة الاميركية.
في كل الاحوال ينبغي الاستعداد لليوم الذي يدعى فيه المستوطنون للعودة الى حدود دولة اسرائيل، كما ستتقرر – بالاتفاق او بقرار اسرائيلي مستقل. ومن أجل منع الاشتعال الداخلي، على الحكومة أن تفكر بعمق كيف تغير الحوار بينها وبين المستوطنين. وذلك، ضمن امور اخرى، من أجل توسيع التأييد الجماهيري لحل الدولتين، بلورة الاخلاء كخطوة مكتلة وليس كتنكر لجمهور اسرائيلي هام، ولتبرير الانفاذ والاخلاء بالقوة اذا ما تطلب الامر ذلك.
يستدعي التخطيط الوطني لوضع الانفصال الى دولتين قوميتين – باتفاق هو نتيجة المفاوضات او بقرار اسرائيلي مستقل – الاستعداد لتنازل اسرائيلي عن مناطق خارج الكتل الاستيطانية الكبرى، كما ستتحدد، والحفاظ على هذه الكتل المركزية كجزء لا يتجرأ من اسرائيل، مقابل تبادل الاراضي. ويمكن لمثل هذا الاستعداد ان يقوم على اساس اعداد خطة وطنية لاستيعاب المستوطنين، تشريع قانون الاخلاء الطوعي، تعويض واستيعاب المستوطنين الذين يسكنون في المستوطنات التي خارج الكتل، حوال داخلي لغرض منع الاشتعال الداخلي، والتخطيط لبقاء الجيش الاسرائيلي في مناطق ومواقع يحددها حسب الاحتياجات الامنية.
تبقي اسرائيل في ايديها السيطرة على الغلاف الامني والحدود الخارجية للمناطق التي يخليها الاسرائيليون الذين سيدخلون الى حدود الدولة كما ستتقرر. وفي كل الاحوال، فان اتخاذ الخطوات المستقلة بمبادرة اسرائيل وحدها سيتم في نقطة زمنية تقررها الحكومة، بعد أن تكون استعدت كما ينبغي، واستنفذت قدر الامكان المفاوضات للتسوية، التي توشك على البدء هذه الايام. وفي حالة فشل المحاولة الحالية للوصول الى تفاهم مع الفلسطينيين، يجب العودة للمحاولة المرة تلو الاخرى. ولكن على اسرائيل في حينه ان تبدأ بتطبيق الخطوات المستقلة بشكل تدريجي، مدروس وواعٍ في كل فحص تأثير كل خطوة قبل الانتقال الى الخطوة التالية.
منذ بداية مسيرة اوسلو التي تحيي هذه الايام عشرين سنة، أعلنت حكومات اسرائيل عن تأييدها لمبدأ "دولتين للشعبين"، وعملت، الى هذا الحد أو ذاك، على تطبيقه في المفاوضات او بشكل احادي الجانب. كما أن الحكومة الحالية برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أعلنت بان هذا هو هدفها السياسي. ويستهدف هذا المبدأ الاستراتيجي الحفاظ على أغلبية يهودية حقيقية تحت حكم ديمقراطي ناجع ويرمي الى منع الخطر الكامن على الرؤيا الصهيونية في شكل الدولة ثنائية القومية، في التهديد الديمغرافي وفي المطالب العربية بحق العودة. وتعتمد المفاوضات التي توشك على البدء على منطق كل الجولات السياسية السابقة: ضمان مستقبل اسرائيل بصفتها الدولة القومية الديمقراطية والامنة للشعب اليهودي. ويدور الحديث عن حل وسط تاريخي اساسه التقسيم الاقليمي للارض التي بين النهر والبحر المتوسط الى دولتين قوميتين. وعليه، ففي المفترق الحرج الذي توجد فيه اسرائيل، عليها أن تستعد لترسيم حدودها بحيث تعكس أسس وجودها كما وجدت تعبيرها في اعلان الاستقلال: دولة ديمقراطية وفيها أغلبية يهودية.