الاحتجاج على بوتفليقة يهدد بالانزلاق إلى الفوضى

365165-01-08
365165-01-08

هآرتس

تسفي برئيل 2019/3/4

اضافة اعلان

عشرات آلاف المتظاهرين الذين غصت بهم شوارع الجزائر العاصمة في الاسابيع الثلاثة الاخيرة، ومدن اخرى في الدولة، يثيرون بشكل طبيعي السؤال هل الدولة التي نجحت في التملص من ثورة "الربيع العربي" في 2011، تقف على عتبة ثورة. السبب المباشر للمظاهرة هذه المرة هو اعلان الحزب الحاكم "جبهة التحرير الوطني" أن الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة سيترشح لولاية خامسة في الانتخابات التي ستجري في 18 نيسان. في مساء يوم الاحد الماضي رشح بوتفليقة نفسه للرئاسة، قبل ساعات من انتهاء موعد تقديم الترشح أو الانسحاب من المنافسة.
في الشهر الماضي، استيقظت الشبكات الاجتماعية في اعقاب الاعلان عن ترشحه، عندما طلب عشرات آلاف المتصفحين منه الانسحاب من الترشح. من الشبكات انزلق المحتجون إلى الشوارع وهم يرفعون لافتات تذكر بالتي رفعها المتظاهرون في مصر وتونس وليبيا. كما يبدو، يمكن لـ41 مليون مواطن جزائري الانتظار حتى الانتخابات من اجل تحديد من سيكون الرئيس، مثلما فعلوا في الحملات الانتخابية الاربعة السابقة، منذ انتخاب بوتفليقة في العام 1999.
ولكن الانتخابات في الجزائر بعيدة عن أن تكون انتخابات حرة. بوتفليقة (82 سنة) والمريض، ما يزال مؤيدا من قبل الجيش والاجهزة الامنية القوية، وينضم اليهم اصحاب رؤوس الاموال في الدولة، ما يسمى كارتل المال، وهكذا يمكنه الفوز في الانتخابات والاستمرار بولاية اخرى. الادعاء العلني لمعارضين هو أن سن الرئيس وصحته، الذي اصيب بجلطة في 2013، ولا يظهر علنا، لن تسمح له بإدارة الدولة وتطبيق الاصلاح الاقتصادي المطلوب.
وهم يطالبون من الآن البرلمان بتطبيق البند 102 في الدستور الذي ينظم انتقال السلطة بصورة مؤقتة إلى رئيس البرلمان في حالة عجز الرئيس، لأسباب صحية أو غيرها. باختصار، هم يريدون انتخابات بدون بوتفليقة.
ولكن مراكز القوة في الجيش التي تدرك، وعدد منها حتى تتماهى مع حركة الاحتجاج، يخافون مما سيكون في اليوم التالي. الذاكرة الجماعية المخيفة منذ بداية التسعينيات تطفو وتظهر من جديد. حينها اندلعت احتجاجات ومظاهرات كبيرة بسبب الوضع الاقتصادي الصعب، سياسة التقشف الاقتصادي اشعلت الشوارع والحركات الاسلامية ركبت على موجة الاحتجاج وفازت في الانتخابات المحلية. الجيش الذي خاف من امكانية سقوط الدولة في أيدي المتطرفين الاسلاميين ألغى الانتخابات في 1991 وقام بتعيين حكومة من قبله. في نفس السنة بدأ "العقد الاسود" الذي حدثت فيه الحرب الاهلية التي قتل فيها 200 ألف شخص تقريبا.
بعد ثماني سنوات من ذلك، بوتفليقة، الذي كان منذ 16 سنة موجودا في المنفى في سويسرا، التي هرب اليها من اجل عدم تقديمه للمحاكمة بسبب سرقات ضخمة، تمت اعادته إلى وطنه وكأنه بطلا قوميا واختير بأغلبية ساحقة، 74 في المائة، كرئيس. الانجاز الكبير له هو اجراء حوار وطني فيه اقترح على كل الاطراف "نسيان الماضي وبناء المستقبل معا". زعماء الحركة الاسلامية حصلوا على العفو، عدد منهم عادوا إلى نشاطهم السياسي، الاقتصاد عاد إلى سابق عهده مستندا إلى سعر النفط المرتفع. الحكومة استثمرت في البنى التحتية وأحيت التصدير إلى اوروبا التي تشتري من الجزائر ثلث انتاجها من الغاز، والنظام عاد إلى سابق عهده.
ولكن إلى جانب النمو الاقتصادي تم تقييد الدولة بقيود قمع ومنع حرية التعبير. في هذه الفترة فرضت رقابة شديدة وسيطرت الاستخبارات كانت شاملة. بوتفليقة منح الدولة نافذة أمل على العالم. لقد طوّر العلاقات مع الدول الغربية، وجرف استثمارات خارجية ومنح النخبة يد حرة للعمل كأصحاب بيت. الاستقرار عاد إلى الدولة وكذلك ادارة الاقتصاد ظهرت ناجحة. ولكن الاعتماد المطلق على النفط والغاز جبى خلال سنوات قليلة ثمنا اقتصادية وسياسيا عاليا.
الصندوق المليء واحتياطي العملة الصعبة الكبير مكن الحكومة من شراء الهدوء، ودفع مقابل الدعم للسلع وخفض اسعار السلع الاساسية، وهكذا اجتازت الدولة بسلام عاصفة الربيع العربي في 2011. المواطنون حصلوا على القروض بدون فوائد. عشرات آلاف الموظفين والجنود ورجال الشرطة تم استيعابهم في الاجهزة الحكومية، وخطة لإسكان الازواج الشابة نجحت في وقف كثبان الثورات التي هددت بالدخول إلى الدولة.
بعد ثلاث سنوات، في العام 2014، جاءت ضربة انخفاض اسعار النفط. اذا كانت بلغت في العام 2007 مداخيل الدولة من النفط 74 مليار دولار، ففي العام 2017 انخفضت إلى 24 مليار دولار. في العام 2014 كان احتياطي الدولة من العملة الصعبة 178 مليار دولار مقابل 97 مليار دولار في بداية العام 2018. الامكانيات التي كانت في متناول يد الحكومة في بداية سنوات الألفين أخذت تتلاشى.
البطالة ارتفعت في هذه السنة إلى 12 في المائة، وفي اوساط الشباب الذين يشكلون نصف عدد السكان بلغت 29 في المئة. النمو الذي كان حتى قبل سنتين 3.5 إلى 4 في المائة انخفض إلى 0.8 في المائة، العجز في الميزانية سيبلغ حسب التوقعات 10 في المائة من الناتج الاجمالي الخام، والعجز في الميزان التجاري سيبلغ 12.5 في المائة. هذا اقتصاد في ازمة يحتاج إلى اصلاح عميق وسيطرة سياسية قوية تمكن من تنفيذه.
النخبة العسكرية، السياسية والاقتصادية، التي تسمى "اصحاب السلطة"، وتتعاون من اجل أن تقتطع معا الكوبونات السمينة، لن تسمح بصعود قادة اقوياء يمكنهم أخذ دور الرئيس على عاتقهم. من برز اكثر من اللازم وجد نفسه خارج دائرة متخذي القرارات. ذات يوم كان هذا هو رئيس المخابرات محمد توفيق مدين الذي أقيل من منصبه. ومرة اخرى كان سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، الذي كان يطمح لأن يكون رئيسا، إلى أن تم تقزيمه إلى درجة مستشار. نتيجة لذلك لم يتطور في الجزائر بديل مناسب للحكم ولم يظهر زعيم قوي يمكنه استبدال بوتفليقة.
إن التوق لإبقاء بوتفليقة لولاية اخرى هو مشترك للجيش ودول اوروبية، بالاساس فرنسا وايطاليا واسبانيا، التي تعتمد على النفط والغاز من الجزائر، وكونها الدرع الحيوية التي تمنع تيار اللاجئين من افريقيا إلى اوروبا. الجزائر التي تحارب منظمات الارهاب تشكل أيضا الكابح امام اختراق تنظيمات مثل القاعدة إلى ما وراء البحار.
ولكن ليس لهذه الدولة تأثير كبير على توجيه السياسة الداخلية في الجزائر. وبحسبها فإن استبدال النظام الحالي هو الضمانة الاكبر لاستمرار السياسة الحالية. وسواء قرر الرئيس التنافس واغضاب معظم الجمهور أو أعلن عن انسحابه، وهي الخطوة التي ستضع الدولة في صراع سياسي مهدد، من المتوقع أن تقف الجزائر امام موجة عاصفة من المظاهرات والاضطرابات التي ستجبر الجيش والشرطة على العمل بكامل القوة، وربما حتى فرض حالة الطوارئ في الدولة.