التقسيم ومسألة ثنائية القومية

هآرتس -(الغد)
هآرتس -(الغد)

بقلم: شلومو زند  23/5/2023



"الناس كتبوا على ابواب بيوتهم – الدخول ممنوع للغرباء/ هم انفسهم غرباء فيه" (يهودا عميحاي، "القيامة الثالثة"، من "القيامات الاربعة").اضافة اعلان
في رد المؤرخ البروفيسور الكسندر يعقوبسون على مقال نشرته بعنوان "نكبة ثانية أو حل ثنائي القومية" ("هآرتس"، 4/5)، حرص يعقوبسون على تذكير القراء، في سياق مجرم جدا وحقير وحتى لاسامي، بـ "تقرير شلومو زند "اختراع الشعب اليهودي" ("هآرتس"، 16/5). نعم، أنا اعترف بأنني ما أزال افكر بأن، مثل الكثير من الشعوب الاخرى التي تشكلت في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، الشعب اليهودي كان يمكنه ايضا أن يخترع لنفسه بأثر رجعي ماض خالد تقريبا. لذلك فان يعقوبسون الذي يعتقد أنه كان له ولعائلته التي جاءت الى هنا من الاتحاد السوفييتي، حق طبيعي في العودة الى "وطنهم" في 1972، بعد آلاف السنين في الشتات. رغم أن الوطن القديم للشعب المختار في تلك السنة كان في ذروة قوته الجغرافية (شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة كانت ما تزال تحت سيطرتنا).
ربما أنا سأفاجئ يعقوبسون اذا أضفت، خلافا له، بأنني لا اعتقد أنه كان يوجد شعب يهودي أو أنه يوجد الآن.
الآن أنا اريد توضيح موقفي من قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة في 1947، حيث يبدو أن يعقوبسون، لسوء الحظ، لم يفهمه بشكل عميق. دائما عرفت أن النزاع بين الحركة الصهيونية والسكان العرب الاصليين لم يبدأ في تلك السنة، وبالتأكيد ليس في 1967.
إن معارضة السكان المحليين للاستيطان الصهيوني في فلسطين بدأت مع بدايته في نهاية القرن التاسع عشر. اثناء زيارته في البلاد في 1891 كتب احاد هعام في مقالته الرائدة بعنوان "الحقيقة من ارض اسرائيل"، "نحن تعودنا في الخارج على التصديق بأن اسرائيل كلها الآن تقريبا قفراء، صحراء قاحلة، وكل من يريد شراء الاراضي فيها يمكنه المجيء والشراء كما يشتهي. ولكن في الحقيقة الامر ليس هكذا. في كل البلاد يصعب العثور على اراضي للزراعة غير مفلوحة... اذا جاء وقت حيث حياة ابناء شعبنا في ارض اسرائيل ستتطور جدا الى أن يتم اقصاء بقدر معين شعب البلاد، فعندها لن يكون من السهل أن يحل هذا محله".
واضاف ايضا: "يجب علينا الحذر كي لا نثير علينا غضب شعب البلاد عن طريق اعمال مشينة. اذا الى أي درجة يجب علينا الحذر في التعامل مع شعب غريب جئنا لنعيش داخله من جديد، والتعامل معه بحب واحترام، ولا توجد أي حاجة للقول بصدق وعدالة، وما الذي يفعله اخوتنا في ارض اسرائيل؟، عكس ذلك بالضبط! لقد كانوا عبيدا في الشتات وفجأة وجدوا انفسهم في حرية بدون قيود، حرية منفلتة العقال، هذا التغير المفاجئ ولد لديهم الميل للاستبداد، الامر الذي يحدث دائما للعبد عندما يصبح سيدا".
بسبب أن احاد هعام لم يكن يعرف حتى ذلك الوقت مفهوم "طلائعيين" فانه يسمي اليهود الذين جاؤوا الى هنا "الكولونياليين"، ومثله ايضا يفعل فلادمير جابوتنسكي، المنظر الكبير الثاني للصهيونية. في "الحائط الحديدي"، مقاله اللامع من العام 1923، لم يتردد في أن يكتب "من غير الممكن على الاطلاق الحصول على موافقة طوعية للعرب على تحويل ارض اسرائيل من ارض عربية الى ارض مع أكثرية يهودية. كل قارئ توجد لديه فكرة عامة عن تاريخ الكولونيالية في بلاد اخرى. أنا اقترح عليه أن يتذكر جميع الامثلة المعروفة؛ وبعد فحص كل القائمة فليتفضل ويحاول العثور على الاقل على مثال واحد حدث فيه الاستعمار بموافقة السكان الاصليين للمكان. لا يوجد مثل هذا المثال. السكان الاصليون في المكان، سواء المتحضرين أو غير المتحضرين، دائما حاربوا بتصميم ضد المستعمر، المتحضر وغير المتحضر".
لأنني عرفت هذه المقالات وغيرها عن الاستيطان الصهيوني قبل العام 1947، لم اعتقد أن المؤسسات العربية المحلية يمكنها في أي يوم الموافقة طواعية على قرار التقسيم. دائما عرفت أنهم رفضوه على الفور وبشكل قطعي، ليس فقط بسبب شروط التقسيم (شاهدنا في حينه رد المؤسسات الاسرائيلية على قدوم "بني اسرائيل، العرب السود"، رغم أنهم لم يشكلوا أي تهديد ديموغرافي). ولكن خلال فترة طويلة وافقت على مبدأ التقسيم. من خلال الافتراض بأن ما تم فعله لا يمكن اعادته – العالم العربي كان يجب عليه أن يعترف في 1947 بالحق القومي للشعب العبري (هكذا سموا الاستيطان في حينه) الذي تشكل، بسبب اللاسامية، في هذه الزاوية من الشرق الاوسط.
ولكن الشيطان، كما هو معروف، يوجد في التفاصيل. حيث أن الاعتراف بحق الواحد لم يكن من شأنه أن يحرم ويسحق تماما الحقوق الاساسية للآخر، مواليد البلاد. وابقاء 50 ألف عربي تقريبا في دولة فيها 600 ألف يهودي، والتي تسمى يهودية، كما ارادت خطة التقسيم، يبدو لي الآن بأنه يعكس تقسيم عبثي وغير محتمل. لذلك، المعارضة الساحقة للممثلين المحليين للتقسيم ظهرت لي بأثر رجعي معقولة اكثر فأكثر.
يعقوبسون يجد صعوبة في فهم ذلك، وكما يرفض الاعتراف بحقيقة أنه تقريبا لا يمكن الآن تقسيم البلاد الى دولتين منفصلتين (خلافا له احاد هعام وجابوتنسكي فهما جدا بأن الشعبين المتشكلين قد حكم عليهما العيش معا في المستقبل وعلى نفس قطعة الارض). ولكن حتى لو كنت مشككا بقدرة الطرفين على التوصل قريبا الى فهم ومصالحة ثنائية القومية فأنا اعرف أننا نعيش بالفعل في واقع ثنائي القومية، واقع يشبه الآن اكثر فأكثر وضع الابرتهايد. ازاء التعصب الديني القومي الجديد، الذي قوته في اوساط المجموعتين السكانيتين آخذة في النمو، فأنا افترض بأنه عندما سنمر بالمزيد من الكوارث قبل أن يبدأ في النضوج وببطء الاعتراف بأنه لا يوجد للشعبين أي خيار، إما الحرب المستمرة وسفك أبدي للدماء أو جهود للبدء واقامة جسور سياسية وثقافية تكون نقطة انطلاقها المساواة السياسية – المدنية.
جميعنا نعرف، حتى الاكثر تشاؤما بيننا، أن رحلة الألف كيلومتر تبدأ في نهاية المطاف بخطوة واحدة صغيرة.