الجامعات الاميركية.. والحرب في غزة

Untitled-1فلسطينيون يتفقدون منازلهم المدمرة جراء الغارات على القطاع-(وكالات)
فلسطينيون يتفقدون منازلهم المدمرة جراء الغارات على القطاع-(وكالات)

بقلم: ياعيل شترنهل   24/4/2024

بعد فترة هدوء نسبي وقبل النهاية المقتربة للسنة الدراسية، فإن الجامعات في الولايات المتحدة تعود للهياج حول الحرب في قطاع غزة. هكذا، ايضا في هذه المرة تقف في مركز الاحداث المعضلة الرئيسية التي لا تنجح جامعات النخبة في حلها وهي كيفية السماح بحرية التعبير للمتظاهرين من جهة؛ والحفاظ على الشعور بالأمان في الاحرام الجامعية من جهة أخرى. في هذه المرة تقف في مركز الاحداث جامعة كولومبيا في نيويورك التي قررت ادارتها تبني مقاربة حازمة جدا تجاه خيمة الاحتجاج ضد الحرب في قطاع غزة، التي وصفتها رئيسة الجامعة بأنها "خطر واضح وفوري".اضافة اعلان
 يبدو أن رئيسة الجامعة، الاقتصادية المصرية – الاميركية مينوش شفيق، قد استخلصت الدروس من الثمن الذي دفعته قبلها رئيسة جامعة هارفارد ورئيسة جامعة بنسلفانيا، اللتان اضطرتا الى تقديم استقالتهما في اعقاب اتهامهما بالفشل في التعامل مع مظاهر اللاسامية في الجامعات التي تولين ادارتها. ولكن اختيار شفيق لقمع الاحتجاج عن طريق الشرطة والاعتقال الجماعي للمتظاهرين وتجميد تعليمهم، ليس فقط لم يحل المشكلة، بل عظمها. الاعتقال العلني والموثق للطلاب أدى الى اقامة خيمة جديدة واستمرار المظاهرات وموجة انتقادات شديدة من قبل اعضاء الكادر الذين اتهموها بقمع حرية تعبير الطلاب والخضوع لضغط سياسيين في الحزب الجمهوري.
لقد حاولت شفيق تجنيب جامعة كولومبيا كارثة علاقات عامة مكلفة مثلما حدث في جامعة هارفارد في الجولة السابقة، ولكن بدون فائدة. فهي تتعرض للادانة والاحتجاج من قبل اعضاء الطاقم من كل الاطياف ومن قبل خريجين بارزين من الجامعة. في نفس الوقت اعلن أحد المتبرعين اليهود المحافظين بأنه فعليا سيجمد علاقته مع المؤسسة بسبب ما يعتبره عدم التزام كاف بمعالجة اللاسامية.
الفصل الحالي يظهر مرة اخرى حجم الضغط الكبير الذي تعمل من خلاله الادارات في المؤسسات الاكاديمية البارزة. فمن جهة هي تتعامل مع جيل للطلاب التقدميين الذين يريدون اسماع صوتهم في القضية الفلسطينية – الاسرائيلية، أو من خلال التعبير عن مواقف، التي حتى الحرب الحالية، اعتبرت مواقف غريبة على التيار العام في اميركا. ومن جهة اخرى، هي تقف أمام المتبرعين اليهود الكبار في السن، الذين في الواقع هم معروفون بمواقفهم الليبرالية حول المواضيع الاميركية الداخلية، ولكنهم يشعرون بالاخلاص لاسرائيل التي عرفوها في صباهم ويجدون صعوبة في انتقادها. هم يخشون من سماع بعض الشعارات في المظاهرات، ولا يترددون في استخدام المحفظة من اجل استخدام الضغط على المؤسسات كي توقف الاحتجاجات ضد الحرب.
اضافة الى ذلك يقف مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، والذي يستمر في استدعاء رؤساء الجامعات الى جلسات استماع علنية كجزء من الحرب الثقافية الاوسع التي تحدث في اميركا. شفيق نفسها شهدت في الكونغرس حول وضع اللاسامية في حرم الجامعة قبل بضعة ايام وتعرضت للتحذير والتوبيخ من قبل عضوات في الكونغرس، اللواتي أحرجن رؤساء الجامعات في جلسات الاستماع سيئة الصيت في شهر كانون الاول.
الامر الذي يعمل على تعقيد الوضع اكثر هو حقيقة أن المظاهرات نفسها هي احداث معقدة. فهي تسمع فيها شعارات تتراوح بين الدعوات الى انهاء الاحتلال في اراضي العام 1967 وبين دعوات الدعم لاحداث 7 اكتوبر. في الوسط تسمع شعارات مثل "من النهر حتى البحر، فلسطين ستكون حرة"، التي تخضع لعدة تفسيرات. في بعض المظاهرة التأكيد هو على دور الولايات المتحدة في الحرب وعلاقة المؤسسات مع الشركات التي تنتج السلاح أو الجهات التي توجد لها نشاطات في المناطق. في المظاهرات يشارك ايضا من يريدون تصفية دولة اسرائيل، الذين مواقفهم تشبه مواقف يساريين عاديين في اسرائيل. خلايا من الطلاب اليهود تشارك بشكل نشط في المظاهرات، الامر الذي يهز الادعاء السائد وهو أن مجرد وجودها هو تعبير عن اللاسامية. في الخيمة الجديدة في جامعة كولومبيا اقيم احتفال عشية عيد الفصح لطلاب يهود من حركة "صوت يهودي للسلام"، وهي حركة يسارية مناهضة للصهيونية.
 الى جانب ذلك ادارات الجامعات يجب عليها مواجهة مشاعر موضوعية للاضرار وعدم الأمن في اوساط الطلاب. احيانا يظهر وكأن جزء من المشكلة هو الطريقة التي تعتبر فيها الجامعة الآن ليست ساحة للفكر الحر المتنوع والمتحدي، بل كمكان الجميع فيه يجب عليهم الشعور بالراحة طوال الوقت.
ليس دائما هذا هو الوضع. ففي بداية الستينيات كانت الجامعات بؤرة للاحتجاجات العاصفة واحيانا العنيفة ضد الحرب في فيتنام، ولاهداف كثيرة اخرى مثل حقوق النساء والسود. المؤرخ المعروف توماس سيغرو، خريجي جامعة كولومبيا، وصف الحرم الجامعي في بداية الثمانينيات كساحة سياسية تضج بالحياة، حيث الطلاب اليساريين فيها تظاهروا ضد دعم الولايات المتحدة للديكتاتوريات في اميركا الجنوبية وضد نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا، في حين أن الطلاب من اليمين تظاهروا ضد اعطاء الحق في الاجهاض.
 في تلك السنوات كتب سيغرو بأنه لا يمكن تخيل أن ادارة الجامعة ستقوم باستدعاء الشرطة لاعتقال طلاب اقاموا الخيام ورفعوا الاعلام وتظاهروا بشكل غير عنيف. بالتالي، رئيس شرطة نيويورك اعلن بشكل صريح بأن الطلاب الذين تم اعتقالهم لم يكونوا عنيفين ولم يعارضوا عملية اعتقالهم. من جهة اخرى، ردود الطلاب واعضاء كادر يهود لم تترك أي مكان للشك بأنه بالنسبة لهم مشاهد واصوات المظاهرة الاخيرة اعتبرت تهديدا على مجرد قدرتهم في أن يكونوا جزءا من الجامعة.
في الفترة القريبة القادمة سيتم اجراء في الولايات المتحدة الاحتفالات بانتهاء السنة الدراسية، وهي اجواء احتفالية ستجذب الى كل جامعة الكثير من الآباء والخريجين، وفي الجامعات الغنية هذه الاحداث تعتبر محفز لجمع التبرعات، الامر الذي يعتمد عليه وجود الجامعات الخاصة والعامة. وسيتعين على ادارات الجامعات حتى ذلك الحين العثور على طريق وسط بين القوى التي تضغط عليها، رغم أنه يصعب في الوقت الحالي معرفة كيفية فعل ذلك.