الحقيقة الغائبة في التاريخ

الرئيس الاميركي باراك اوباما ورئيس الوزراء الاسرائيلي  بنيامين نتنياهو أثناء تشييع جنازة الرئيس الاسرائيلي شيمون بيرز.-( ا ف ب )
الرئيس الاميركي باراك اوباما ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء تشييع جنازة الرئيس الاسرائيلي شيمون بيرز.-( ا ف ب )

هآرتس

باراك ربيد  2/10/2016

قبل بضع دقائق من بداية مراسيم جنازة رئيس الدولة السابق شمعون بيرس، حيث تجمع الملوك، الرؤساء ورؤساء الحكومات من أرجاء العالم في ساحة جبل هيرتسل، التقى بنيامين نتنياهو مع أبو مازن. وقد كان ذلك لقاءً خاطفا. 50 ثانية فقط. تصافح بالأيدي وتبادل المجاملات وايضا الاحراج الكبير لدى القائدين اللذين وجدا صعوبة في النظر في عيون بعضهما البعض، الامر الذي لاحظه كل من شاهد هذا المشهد السريالي.اضافة اعلان
جميع السياسيين الإسرائيليين الذين ألقوا الخطابات في الجنازة تجاهلوا عباس تماما، وكان الأبرز من بينهم تجاهل نتنياهو. كانت هذه وقاحة. ففي بداية خطابه الذي كان باللغة الانجليزية شدد نتنياهو على ذكر ضوء لوكسمبورغ، لكنه لم يجد مكانا لقول كلمة واحدة جيدة عن الرئيس الفلسطيني الذي أظهر الانسانية والجرأة وحضر الجنازة رغم الانتقادات الشديدة التي وجهت اليه من جميع اطياف الساحة السياسية الفلسطينية. جميع المتحدثين الإسرائيليين تجاهلوا تقريبا الارث المركزي لبيرس في السنوات الـ 25 الأخيرة  - اتفاقات اوسلو. وكان الوحيد الذي ذكر ذلك هو عاموس عوز.
أول من تحدث في المراسيم كان رئيس الدولة رؤوفين رفلين. فقد تحدث عن بيرس واليه. وكان أبرز ما في كلامه هو الاعتذار من بيرس بسبب التحريض الخطير ضده من قبل اليمين حين كانت العملية السلمية في ذروتها في منتصف التسعينيات. وفي كلمته تحدث رفلين عن أنه رغم حب بيرس للتاريخ، إلا أنه "لم يغرق في الماضي ولم يتشبث بشعور الصدق الذاتي"، بل هو ركز على الفرص التي يحملها المستقبل. وبعد ذلك بفترة قصيرة عندما صعد بنيامين نتنياهو الى المنصة للتحدث، ألقى خطابا مليئا بالتمسك بالصدق الذاتي.
خلافا لرفلين، نتنياهو لم يعتذر عن أي شيء. لا عن المنصة في ميدان رابين، ولا عن الاهانات والهجوم الشخصي قبل انتخابات 1996 ولا عن التحرشات والاهانة الصغيرة التي تعرض لها بيرس على مدى سنوات الاخيرة كرئيس للدولة. وبدل ذلك حصلنا على كتابة للتاريخ وقصص كاذبة حول التقارب، الصداقة والحب اللانهائي بينهما.
رئيس الولايات المتحدة السابق بيل كلينتون الذي استمع لم يكن في استطاعته الامتناع عن التطرق الى نتنياهو في خطابه وتذكيره بأن تلك الصداقة، اذا كانت موجودة أصلا، جاءت بعد حملة فظة وصعبة ضد بيرس. وقال نتنياهو إنه هو وبيرس لم تتشوش الخلافات بينهما، لكن كل خطابه كان محاولة للتشويش على الخلاف الرئيس بينهما حول السلام مع الفلسطينيين، هذا الخلاف الذي ازداد في السنوات الاخيرة. ومثلما فعل في الماضي في خطاباته عن رابين تحدث عن المزيد والمزيد من الاقتباسات لبيرس من اجل تأكيد موقفه هو. فقد زعم أنه في أحد اللقاءات بينهما حدث جدل مع بيرس حول ما هو أكثر أهمية لإسرائيل، السلام أم الأمن. وقال نتنياهو إنه في ذلك الجدل زعم بيرس أن السلام سيوفر الأمن، أما هو فقد صمم على أن الأمن هو الذي سيؤدي الى السلام. "كان كلانا على حق"، لخص نتنياهو.
رغم اقوال نتنياهو الاورويلية (نسبة الى اورويل) عن الخلاف الاساسي الذي قسم المجتمع الإسرائيلي منذ خمسين سنة، منذ العام 1967، فانه لا يمكن أن يكون هو وبيرس على حق. في السنوات الثماني الاخيرة تحدث نتنياهو كثيرا عن السلام لكنه لم يفعل أي شيء. بيرس في حياته العامة لم يتحدث كثيرا عن الأمن، لكنه فعل في هذا الموضوع أكثر من أي إسرائيلي آخر منذ قيام الدولة.
الكاتب عاموس عوز الذي تحدث بعد ذلك ببضع دقائق، رفع القناع الذي حاول نتنياهو وضعه على وجهه ومزق ورق السلوفان الذي غطى الخطابات التي سبقته. فقد تحدث عوز عن السلام مع الفلسطينيين كموضوع اساسي في ارث بيرس دون أن يتشوش أو يحاول احداث البلبلة. السلام، وليس تطور الهاي تيك أو النظارات ثلاثية الابعاد، زعم عوز أن السلام ممكن، ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه" وأنه لا مناص من تقسيم البلاد. وأضاف وهو يرمز لنتنياهو "الجميع يعرفون ذلك في أعماق قلوبهم"، قال عوز، "أين القادة الشجعان الذين يمكنهم مواصلة طريق بيرس؟".
وكان آخر المتحدثين في الجنازة هو رئيس الولايات المتحدة براك أوباما. ومثل عاموس عوز، أوباما ايضا ذكر رئيس حكومة إسرائيل بأن عباس والفلسطينيين موجودون. "وجود الرئيس الفلسطيني هنا هو تذكير بأن هناك عملا لم نستكمله بعد بخصوص السلام"، قال أوباما في بداية خطابه.
أوباما من جهته حسم النقاش بين نتنياهو وبيرس. فهو لم يفكر أنهما على حق. وفي خطابه مدح بيرس الذي فهم بأن إسرائيل ستكون آمنة فقط نتيجة اتفاقات سلام مع جيرانها. وقد قارن تلميحا الى انهاء احتلال الفلسطينيين الذي سعى اليه بيرس وبين انهاء عبودية السود في الولايات المتحدة. مثل كلينتون من قبل، أوباما ايضا رفض كل الذين من اليمين الذين اعتبروا بيرس غريبا أو منقطعا عن الواقع. "من محادثاتي مع بيرس عرفت أن سعيه الى السلام لم يكن ساذجا أبدا"، قال الرئيس الأميركي، "إن مسؤولية تحقيق السلام ملقاة على ورثته".
وقد وصف أوباما بيرس أن له مكانة في المجتمع الدولي وقارن بينه وبين رئيس جنوب افريقيا السابق الذي ناضل ضد نظام الفصل العنصري، نلسون مانديلا. وأكد كيف أن بيرس صمم على الحديث بشكل عميق، ولم يتأثر من استطلاعات الرأي، بل كان على قناعة بصدق طريقه وسعى الى تحقيق اهدافه. تلميح أوباما لنتنياهو كان واضحا، فهو على قناعة من أعماق قلبه منذ بضع سنوات أن الامر الوحيد الذي يمنع نتنياهو من اتخاذ القرارات هو بقاؤه السياسي.
خطاب أوباما في جنازة بيرس كان بمعنى معين استمرارا للرسالة التي حاول ايصالها في خطابه الاخير في الامم المتحدة قبل اسبوع. فقد وصف أوباما نفسه هو وبيرس كتوأم بالنسبة لمواقفهما. وقد رأى بيرس العالم مثله كما يفترض أن يكون وحاول تغيير الواقع بناء على ذلك. ومثله فان بيرس في العقود الاخيرة على الأقل، كان شخصا تقدميا وليبراليا وامتنع عن بث الخوف وركز على الايمان بأن الغد سيكون أفضل.
أوباما صور بيرس في خطابه كجزء من إسرائيل التي تربى عليها. كجزء من إسرائيل كمجتمع نموذجي تعرف عليه من اصدقائه اليهود الليبراليين في شيكاغو. كجزء من صهيونية في قلبها العدالة والأمل والسلام. أوباما وكثيرون غيره في المعسكر الكبير الذي يمثله في الولايات المتحدة شعروا منذ وقت طويل أن إسرائيل هذه آخذة في التلاشي. وذهاب بيرس كان هو ايضا حدث رمزي فقط، الامر الذي قد يزيد من هذا الشعور لديهم.