الردع الإسرائيلي لم يتآكل ولم ينهر

قوات الاحتلال تقمع مسيرة بيت دجن الأسبوعية المناهضة للاستيطان شرق نابلس-(وكالات)
قوات الاحتلال تقمع مسيرة بيت دجن الأسبوعية المناهضة للاستيطان شرق نابلس-(وكالات)

هآرتس

شاي فيلدمان

مقولة واحدة تكررت مرة تلو الاخرى بسيل الكلمات الذي لا ينتهي، والتي تم صبها في قنوات التلفاز وفي الصحف: الردع الإسرائيلي تآكل، وربما حتى انهار. كتب وليس أقل من ذلك.اضافة اعلان
إن التباكي على تآكل الردع الاسرائيلي لا يعتبر ظاهرة جديدة. خيبة الامل الذي شعر بها كثيرون بعد انتهاء حرب لبنان الثانية أدت في حينه الى اتفاق واسع بأن النشاط المتلعثم للجيش الاسرائيلي على الحدود الشمالية عمل على تآكل الردع بشكل كبير. ولكن الغريب هو أنه مع مرور الوقت تبين أنه حدث العكس بالضبط. فالردع الاسرائيلي بقي على حاله، وحتى الآن، بعد مرور 17 سنة على تلك الحرب، فان حزب الله امتنع بشكل كامل تقريبا عن القيام بعمليات يمكن أن تعرض لبنان لضربة من اسرائيل.
خطأ المحللين ينبع من عدم الفهم الاساسي حول مكونات الردع والطريقة التي يتم فيها وابقائها فاعلة. مؤخرا عدم الفهم هذا أدى الى ادعاء مدحوض وهو أن الردع الاسرائيلي ضعف بشكل كبير نتيجة اجتياز مخرب منفرد (الذي ربما تمت مساعدته أو لم تتم مساعدته من أي أحد)، وصلية صواريخ واحدة، التي ما يزال حزب الله يصمم على أنه لم يطلقها. هكذا اختفى التأثير المتراكم لمئات عمليات سلاح الجو في سورية التي فيها تم قصف قواعد ومخازن لإيران في سورية، بما في ذلك المطار الدولي في دمشق، مع اظهار المهارة المدهشة التي مكنت من عدم التورط في ساحة عمليات ضيقة ومأهولة، التي تعمل فيها ايضا طائرات قتالية روسية.
اسرائيل هي دولة عظمى إقليمية مع صناعات امنية متقدمة، والوحيدة في الشرق الاوسط، حسب مصادر اجنبية، لديها قدرة نووية. الردع المتراكم الذي طورته خلال السنين لن ينهار بسبب قرار معين، عدم الرد على عملية ارهابية منفردة، أو بسبب أن حزب الله سمح لحماس باطلاق صلية صواريخ واحدة من جنوب لبنان.
مع ذلك فإن الردع الذي تتمتع به دولة عظمى إقليمية مثل اسرائيل، لن يمنع في أي وقت اعداءها من العمل ضدها. الردع امام تحديات معينة يتشكل من عاملين رئيسيين. الاول هو ميزان القدرة الذي فيه منذ انتهاء الهدنة الاولى في حرب الاستقلال تحظى اسرائيل بافضلية واضحة امام جميع جاراتها. الثاني هو ميزان التصميم في ترجمته لاستعدادها النسبي لدفع الثمن، الذي فيه احيانا توجد لاسرائيل افضلية واحيانا توجد لاعدائها افضلية واضحة لا تقل عنها.
في ميزان الردع بين اسرائيل وحزب الله كان للمنظمة الشيعية افضلية واضحة من العام 1983 وحتى انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان في أيار 2000، رغم تفوق اسرائيل العسكري. وبسبب أن تصميم حزب الله على انهاء الاحتلال الاسرائيلي واستعداده لدفع الثمن الذي يترتب على هذا النضال كان اكبر من تصميم اسرائيل على مواصلة الاحتفاظ بجنوب لبنان. في هذه الاعوام تمتع حزب الله ايضا بالشرعية وبالدعم السياسي في لبنان وفي العالم العربي بشكل عام، الذي منحه الاعفاء من واجب نزع سلاحه، وهو الامر الذي فرض على جميع المليشيات في لبنان في اتفاق الطوائف من اجل انهاء الحرب الاهلية هناك.
منذ ذلك الحين تحول الردع لصالح اسرائيل منذ أن وقفت وراء الحدود الدولية مع لبنان في العام 2000، ومنذ اللحظة التي قرر فيها مجلس الامن بأنه من خلال انسحابها فان اسرائيل نفذت ما يجب عليها حسب قرار مجلس الامن 425. ورغم أنه بفضل المساعدة الكثيفة من قبل ايران ونصر الله منذ ذلك الحين عزز قدرته بشكل كبير، لا سيما في مجال القذائف والصواريخ، إلا أن حزب الله تقريبا فقد الشرعية في النضال ضد اسرائيل.
بسبب تعليماته في تموز 2006 لتنفيذ الهجوم الذي أدى الى نشوب حرب لبنان الثانية، فقد جلب نصر الله على نفسه الغضب في داخل لبنان وخارجه. وهذا ما حدث مؤخرا عندما نفى الرئيس اللبناني، نجيب ميقاتي، بشكل علني حق نصر الله في جر لبنان، المنقسم والمتعب والمفلس، الى حرب اخرى مع اسرائيل.
القدرة المشتركة لحماس والجهاد الاسلامي في قطاع غزة أقل بكثير من قدرة حزب الله. ولكن في ميزان الردع امام اسرائيل لها افضلية بارزة وهو التصميم على انهاء الحصار الذي تفرضه اسرائيل ومصر بصورة مشتركة على القطاع. في هذا الواقع الذي فيه السكان الذين عددهم 2 مليون فلسطيني يصممون على التحرر من ظروف الحياة غير المحتملة، فان الردع الاسرائيلي يفشل رغم أنه يستند الى افضلية كبيرة من حيث ميزان القدرة. هكذا، في حين انه منذ 2006 اثبت الردع الاسرائيلي قدرة على الصمود امام حزب الله، فقد انجرت اسرائيل في تلك الفترة الى اربع جولات قتال امام حماس والجهاد الاسلامي في غزة، وسكان جنوب البلاد، لا سيما في غلاف غزة، بقوا رهائن حتى الآن.
خلال كل جولة من جولات القتال هذه يتم تجنيد خبراء عسكريين ووزراء واعضاء كنيست من اجل القدوم الى الاستوديوهات والحداد سبعة ايام على موت الردع الاسرائيلي. ما ينقص فقط هو أن يأتي شخص مثل الجنرال (احتياط)، عضو الكنيست مئير غولان، ويذكر كلمة "احتلال" المحظورة، وعلى الفور سينقضوا عليه ويقولون "مرة اخرى الاحتلال؟"، حيث أنه محظور ذكر"الفيل الذي يوجد في الغرفة".
لكن الاحتلال ليس فقط صفة تصمم على تذكيرنا بأن الديمقراطية في اسرائيل منذ 1967 هي في اساسها أثينية – أي ديمقراطية لمواطنيها وليس لرعاياها. في حالتنا لا يقل أهمية أن الاحتلال هو ايضا بعد استراتيجي يقرر نتائج صراعات الردع التي جربتها اسرائيل في العقود الاخيرة. يتعين على الردع المتراكم لاسرائيل أن يفشل احيانا ايضا، لا سيما عندما في معادلة الردع نستمر في أن نجد انفسنا امام اعداء، الذين وضعهم البائس يجعلهم يفعلون أي شيء من اجل تغيير مصيرهم. وبذلك فانهم يسعون الى تقويض قدرة اسرائيل العظيمة.