الرسام الأعمى

هآرتس

جدعون ليفي

30/9/2012

وصدق رئيس الوزراء مرة أخرى. فقد تنبأ بنيامين نتنياهو بأن يأتي إرهاب – وأتى إرهاب؛ وصدق إذ قال انه لا يوجد شريك فلسطيني – وبعد قليل لن يكون حقا. وصدق حينما تنبأ بأن الربيع العربي هو تهديد لإسرائيل – وبعد قليل سيتحقق هذا ايضا. وهو يصدق الآن ايضا بقوله إنه ستكون قنبلة ذرية إيرانية – فربما تُركب هذه حقا. هكذا هي حال نبوءات الغضب التي تحقق نفسها. فحينما نرى الخطر في كل شيء يصبح العالم خطيرا.اضافة اعلان
ان نتنياهو على حق، كما يعتقد أكثر الإسرائيليين، فمتنبئ الدولة الثاني، دولة المخاوف والتخويفات، يتنبأ بصورة صحيحة. لكن لو أنه سلك سلوكا مختلفا منذ يومه الأول لبدا العالم مختلفا ايضا. ولهذا كان يمكن ان يتم تصوير رسمه الصبياني بصورة مختلفة على أنه قنبلة ذات مراحل ثلاث لأيام ولايته. نحن نقترب من الخط الاحمر الذي ربما يتم اجتيازه في ربيع 2013 حينما يُنتخب للمرة الثالثة. أتعلمون ما كتبه روبرت مانكوف محرر الرسوم الكاريكاتورية في صحيفة "نيويوركر" في منافسة كتابات الاستهزاء برسم القنبلة التي نشرت أمس في موقع الصحيفة الأسبوعية على الإنترنت؟ "نتنياهو هو القنبلة". ونقول بالمناسبة ان الكتابة التي فازت في المنافسة هي: "لسنا نستطيع ان نُمكّن إيران من التسلح بزينة لشجرة عيد الميلاد".
يتبين ان ليس العالم كله أحمق حتى ولا كل اميركا – وهذا خبر أكثر دويا. ان رئيس الوزراء تحدث حقا (ورسم) كما يرسم طفل صغير (يحتاج إلى عناية خاصة). فهكذا يرى الجميع (ما عداه). وهكذا يسلك وكلاء تسويق يعاملون جمهور مستهلكيهم على أنهم مجموع من الحمقى. وفي إسرائيل أصبح كل ولد يعرف الحديث باللغة الذرية، لكن وكيل المبيعات على حق في معاملته. فالإسرائيليون يتأثرون بنبوءاته ويقول أكثرهم انهم سيصوتون له مرة اخرى، بل ان رئيس ديوانه غيل شيفر شوهد يصفق في حماسة ظاهرة وسخيفة في مقاعد الناس المهمين في الامم المتحدة إلى جانب حاشية معتمري القبعات الدينية ممن يقولون آمين. لكن تعالوا نترك السخرية وتعالوا نغفر إهانة الذكاء. ان لإسرائيل مشكلة وقنبلة متكتكة يسمونها نتنياهو.
إن نبوءاته تتحقق لأن هذا الشعور بالمطاردة سينتهي إلى تحقيق نفسه. طلبت الشعوب العربية ديمقراطية ونجح ذلك في عدد من الدول نجاحا جزئيا على الأقل، لكن نتنياهو وضع علامة على خطر آخر فورا وسينتهي ذلك إلى تحقيق نفسه، لو كان عندنا رئيس وزراء يستقبل الربيع العربي في أمل وخطوات ايجابية لتغيرت النظرة إلى إسرائيل. وحينما يُستبدل الاشتغال بالاحتلال زرع الخوف تُحصد قنبلة ذرية إيرانية، وعدم وجود شريك والقاعدة، وهذا هو نجاح نتنياهو الأكبر ألا وهو التخويف من كل تطور؛ وأن يُنسي ما لا يجوز ان يُنسى وأن يستبدل التخويف به؛ وأن يطمس على العلة ويتحدث عن السبب فقط؛ وأن يخفي الباعث ويعرض النتيجة فقط. وهكذا تكون الحال حينما يوجد رئيس وزراء يُجري مسيرات إلى اوشفيتس ولا يسأل نفسه لماذا أصبح العالم ضدنا مرة اخرى.
إيران خطيرة على إسرائيل ومثلها الأصولية الإسلامية وربما حتى الربيع العربي. فماذا نفعل؟ نهدد ونُخوف إلى ان يصبح التهديد خطرا أكبر كثيرا. وهذا بالضبط عكس ما كان يجب على إسرائيل ان تفعله. فقد كان يجب من اجل احباط الخطر ان نواجه بواعثه. ان المنطقة مشحونة بالغضب على إسرائيل وعلى مجرد وجودها ايضا، لكن يمكن ان نضائل ذلك مضاءلة شديدة بحل المشكلة الفلسطينية مثلا، فهي الفتيل وهي أخطر من كل آلة طرد مركزي خفية. ولا يُحتاج إلى خيال كثير لتصوير واقع مختلف ينتهي فيه الاحتلال ويحصل الفلسطينيون في أكثرهم على السلام ويقبل العالم العربي في أكثره إسرائيل. تذكروا ايام اوسلو الاولى حينما كان اسحق رابين ملك العالم ومنه العالم العربي إلى ان كفت إسرائيل عن الوفاء بنصيبها من الاتفاقات. ماذا سيقولون في طهران وما الذي سيبشرون به في شوارع غزة؟ كان التهديد الإيراني لإسرائيل سيفقد باعثه أو ذريعة وجوده على الأقل.
اجل سيبقى دائما مقاومة مريرة لإسرائيل، لكن إسرائيل لا تحرك ساكنا لمضاءلتها سوى تهديداتها، بل انها في واقع الامر تفعل كل شيء من اجل زيادتها. فعندها رئيس وزراء هو رسام أعمى يخط خطوطا بقلم احمر، قلم حرب أخرى – وهي تتأثر بصوره وبنبوءاته.