العملاق الأطلسي يستيقظ وعلى إسرائيل أن تحذر

Untitled-1-641
Untitled-1-641
اضافة اعلان

عوديد عيران وشمعون شتاين

منذ بدأ انهيار الكتلة السوفياتية قبل ثلاثة عقود، بدأت مسيرة تباعد بين الولايات المتحدة واوروبا وبدأ وهن بالشراكة بينهما. وتسارع هذا الميل في عهد رئاسة ترامب. في الخلفية: غياب تهديد استراتيجي على دول اوروبا وعلى الولايات المتحدة وبالتوازي امكانية اتخاذ سياسة في أطر ومنظمات دولية مختلفة كبديل عن الحوار الثنائي وكذا الاستعداد الاميركي لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف ومصالح، بخلاف النفور الاوروبي من عمل ذلك، مثلما هي ايضا الانعطافة الجغرافية – الاستراتيجية والاقتصادية الاميركية نحو آسيا في ضوء صعود الصين. ومن تحت الغلاف الرقيق لـ"الاعمال كالمعتاد" نشبت بين الدول على جانبي المحيط الاطلسي خلافات جوهرية. بينما واصلت اوروبا ترى في منظومة القانون، في المؤسسات وفي الدبلوماسية الدولية حجارة أساس في إدارة السياسة في الساحة الدولية، فضلت الولايات المتحدة طريق العمل المنفرد، الذي يرى في القنوات وفي الادوات الدولية عائقا امام تنفيذ السياسة وبالشركاء التقليديين اعداء أكثر من شركاء لتحديد وتنفيذ السياسة التي في مركزها المصلحة الاميركية اولا. استياء زعماء اوروبا من سلوك الولايات المتحدة، ورئيسها ترامب رافقه استخفاف به والابقاء على مسافة عنه حتى قبل ان ينخرط مفهوم "اميركا اولا" في الخطاب الدولي.
ولكن انتخاب جو بايدن للرئاسة يزيد احتمال استئناف الحوار الاستراتيجي بين اوروبا والولايات المتحدة والذي هو حيوي جدا للتصدي الناجح للتحديات والمخاطر المحدقة بالقيم والمصالح، كما يحددها الاتحاد الاوروبي والادارة الاميركية الوافدة. ووجد الحزب الديمقراطي الاميركي تعبيرا عن ذلك في برنامجه السياسي الرسمي وعبر عنه الرئيس المنتخب في اثناء حملته الانتخابية وبعدها. كما أن الاتحاد الاوروبي نشر مشروعا لجدول أعمال اطلسي وتعاون عالمي يأخذ بالحسبان موازين القوى والواقع الجغرافي السياسي والتكنولوجي المتغير في الساحة الدولية. ونشر المخطط الذي وضعته مفوضية الاتحاد تحت عنوان "جدول اعمال الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة لتغيير عالمي" وكذا توصيات مجموعة تفكير في إطار "ناتو 2030 موحدون نحو عصر جديد".
في خلفية الشراكة الاطلسية توجد منظومة قيم مشتركة تقوم على اساس احترام حقوق الانسان وحريته، المساواة بين الجنسين، حقوق الاقليات، سلطة القانون، الديمقراطية والتبادلية التي في الجانب الاقتصادي تعتمد على السوق الحرة والتجارية الدولية المرتبة والنزيهة. ويقترح الجانب الاوروبي ان يتضمن جدول الاعمال هذا نهجا مشتركا تجاه سلسلة مواضيع عالمية واقليمية. ووضع الاتحاد الاوروبي على رأس جدول الاولويات مكافحة وباء كورونا والخروج من الازمة الاقتصادية التي وقعت في اثنائها والاجندة الخضراء؛ مواضيع تكنولوجية، تجارة، معايير للنظام الديمقراطية وكذا تعزيزه وتوسيعه.
وتتحدى هذه المبادئ استراتيجيا وايديولوجيا دولا وحركات مختلفة وعلى رأسها الصين وروسيا. كلتاهما أظهرتا في السنوات الاخيرة تأكيدا وبروزا متزايدا في الساحة الدولية في ظل تهديد الاستقرار في مناطق مختلفة في ارجاء العالم. وبتقدير الدول الاعضاء في الناتو، فان للمنظمة حصانة وقوة اقتصادية وتكنولوجية تسمحان لها بمواجهة التحديات، ولكن لهذا الغرض ينبغي تعزيز التنسيق بينها والاتفاق على برنامج وجدول اعمال لعمل مشترك.
على اسرائيل ان تكرس تفكيرا لمواقفها في المواضيع التي من شأنها يلوح توافق مبدئي بين الولايات المتحدة واوروبا:
منظومة القيم – ان تمسك اوروبا والولايات المتحدة بقيم الديمقراطية، حرية الانسان، سلطة القانون ومنظومة القضاء والمؤسسات الدولية، كأساس لعمل اطلسي مشترك من شأنه أن يتحدى بضع دول ومنها اسرائيل. وذلك لأن اسرائيل تتخذ في اوساط جماعات مختلفة في الجناح الليبرالي من الجمهور الاميركي وكذا في اوروبا صورة كمن تعمل في حالات مختلفة بخلاف منظومة القيم هذه. منذ عدة سنوات، أدت هذه النظرة الى اسرائيل في اوساط بضع حكومات في الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي، اضافة الى سياسة حكومات اسرائيل في موضوع المستوطنات في الضفة الغربية، أدت الى تعطيل الحوار السياسي على المستوى العالي. واستئناف الحوار الاطلسي والتعاون الكفيل بان ينبع منه ما من شأنهما أن يعززا الصورة السلبية لاسرائيل حتى في واشنطن بالنسبة للحصانة الديمقراطية فيها وحفاظها على حقوق الفرد وسلطة القانون.
النو­وي الايراني- هنأ الاتحاد الاوروبي الرئيس المنتخب بايدن على نيته العودة الى اطار الاتفاق النووي مع ايران وشدد على أن الاتفاق تبناه مجلس الامن في قرار 2231 بموافقة الولايات المتحدة. ورحبت المانيا، فرنسا وبريطانيا بنية بايدن العودة الى الاتفاق ورفع العقوبات التي فرضها الرئيس ترامب مقابل عودة ايران الى الالتزام الكامل بشروط الاتفاق. واعلن بايدن والشركاء الاوروبيون في الاتفاق النووي بان العودة الى الاتفاق ستكون المنطلق لمباحثات تواصل في مواضيع ترتبط بعضها به وبغيرها – الصواريخ والسلوك الايراني في الشرق الاوسط والتي لم تعالج في اطاره. ويذكر ان التزام الولايات المتحدة بالاتفاق وموقف اسرائيل من هذه المسألة الحقا ضررا مهما بعلاقات اسرائيل – الولايات المتحدة وتشديد الخلاف بينها وبين الاتحاد الاوروبي. وفي ضوء ذلك وبإثر نية بايدن العودة الى الاتفاق على اسرائيل أن تبلور موقفا واعيا يأخذ بالحسبان دروس المعركة ضد انضمام الولايات المتحدة الى الاتفاق (2015، فترة الرئيس باراك اوباما)، معاني انسحاب الولايات المتحدة منه في 2018، والذي جر سلسلة خروقات ايرانية لبنوده وكذا سياسة الضغط الاقصى الاميركية على ايران والتي يبدو أن بايدن يعارضها. ان استمرار السياسة الاسرائيلية الحالية ستخلق مواجهة مع الادارة الوافدة (او ستصطدم بالتجاهل من جانبها) وكذا مع الاتحاد الاوروبي.
المسيرة السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين – بينما يتشارك الحزب الديمقراطي الاميركي والاتحاد الاوروبي في الموافقة على الحاجة لحل متفق عليه على اساس الدولتين، لا يوجد بينهما تماثل كامل حول المسائل الجوهرية للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني. بخلاف موقف الاتحاد الاوروبي، لا يذكر البرنامج السياسي للديمقراطيين حدود 67. في البرنامج يوجد اعتراف بالقدس كعاصمة اسرائيل (دون تناول منفصل لشرقي المدينة) بينما الاتحاد يتعاطى مع كل القدس ككتلة واحدة وشرقي المدينة كجزء من الارض التي احتلتها اسرائيل في الـ1967. واضافة الى ذلك، رغم الاعتراف بالقدس عاصمة اسرائيل، يذكر برنامج الديمقراطيين بان وضع القدس هو موضوع للمفاوضات في إطار المباحثات على التسوية الدائمة. بينما الاتحاد الاوروبي يعارض المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية، فان برنامج الحزب الديمقراطي يعرب عن معارضته لتوسيعه.
الى جانب فوارق المواقف مع الولايات المتحدة والتي ستكون لها معا اذا ما وعندما تستأنف المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية، يوصي الاتحاد بالقيام مع الادارة بعمل مشترك لتحديد الشروط لتحقيق تقدم مهم في المسيرة السياسية ولا سيما من خلال عمل مشترك لبث روح الحياة في الرباعية الشرق اوسطية. وفي الحوار الذي سينشأ مع الادارة الاميركية بالنسبة للمسيرة السياسية سيتعين على حكومة اسرائيل أن تعرض مخططا شاملا للتقدم، يتضمن موقفا من مواضيع حساسة مثل استمرار البناء في المستوطنات القائمة وكذا طرح اقتراحات لتحسين الوضع الاقتصادي في الضفة وفي قطاع غزة بما في ذلك النشاط الاقتصادي الفلسطيني في المناطق ج. اما المعارضة الاسرائيلية الجارفة للاعمال الخاصة مثل استئناف التمويل الاميركي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا" او المداولات في اطار الرباعية فيمكن أن تحدث توترا مع الادارة.
منطقة شرق البحر المتوسط – على جانبي المحيط الاطلسي تأكد الاعتراف بان تركيا تصبح هما استراتيجيا. والحوار الاوروبي – الاميركي في مسألة التصدي لتركيا هو اطار سيكون مريحا لاسرائيل التي تفضل الا تجتذب خلافاتها الثنائية مع تركيا الاهتمام الدولي. ومع ذلك ليس لاسرائيل مصلحة في خلق انطباع بانها تدفع نحو اجراءات ردع وعقاب ضد تركيا.
الخلاصة .. دخول جو بايدن الى البيت الابيض يشكل فرصة لفتح صفحة جديدة في منظومة العلاقات الاطلسية. من السابق لأوانه التقدير لحجم التغيير في السياسة الاميركية، ولكن من المتوقع الى جانب الخلافات، ان تبذل الولايات المتحدة جهدا لتنسيق المواقف مع الاتحاد الاوروبي في سلسلة مواضيع تصمم الواقع الجغرافي الاستراتيجي في العقود التالية، بعضها ذات صلة كبيرة باسرائيل. خيرا تفعل اسرائيل اذا أخذت بالحسبان التغييرات المتوقعة وتبلور مواقف استنادا الى التقدير بان الادارة الاميركية والاتحاد الاوروبي سيتقدمان بمواقف منسقة في مسائل ذات اهمية لها.