المصالحة بين فتح وحماس


 مارك هيلر -INSS


يوم الأربعاء قبل اسبوعين تقريبا التقى ممثلو فتح وحماس في غزة وتوصلوا إلى اتفاق مصالحة جرت منذ زمن بعيد محاولة لتحقيقه. وفي ذات المساء ألغت حكومة إسرائيل لقاء كان تقرر بين المندوبين الإسرائيليين والفلسطينيين للمفاوضات، وفي الغداة صوتت بالاجماع على تعليق المحادثات. اضافة اعلان
وتدعي إسرائيل بان ابو مازن، رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية وفتح، رفض السلام في أنه تبنى حماس. عمليا، تسعة أشهر من المفاوضات التي سبقت المصالحة بين فتح وحماس (وهناك من سيدعون بان 20 سنة ايضا، في اثنائها تحركت المسيرة السلمية مع قيادات فتح وتوقفت على التوالي حتى دون اضطرارات الشراكة مع حماس) اثبتت بان فرص ان تتوصل إسرائيل وفتح إلى اتفاق يوقف الحد الادنى من مطالب التيار السياسي المركزي لكل طرف هي طفيفة، حتى لو عمل كل طرف بمفرده.
وعليه، ليس واضحا تماما لماذا بدلا من تعليق المحادثات، ولا سيما بعد اصرار إسرائيل المتكرر على أن يلتزم ابو مازن بمواصلتها، لم تحاول إسرائيل استغلال اعلان المصالحة كي تحسن موقفها في "اللعبة" الدولية لتبادل الاتهامات، والتي كانت المعنى الخفي المركزي للمفاوضات على مدى طول الطريق.
رغم ان التفاصيل الكاملة – التي كما هو معروف تعيش إلى جانب الشيطان – لم تنشر، فان الخطوط المركزية لاتفاق المصالحة معروفة: ابو مازن سيشكل حكومة وحدة من التكنوقراط في غضون خمسة أسابيع، تستعد لانتخابات جديدة للرئاسة وللبرلمان في غضون ستة اشهر.
قسم من التقارير اشار أيضا إلى أنه توجد خطط لاعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية – الشريك السابق لإسرائيل في المفاوضات. ويعد هذا الاتفاق نقطة الذروة بعد سنوات من الجهود الفاشلة لاحلال مصالحة بين الحركتين، بداية من خلال المداولات على اصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد ذلك من خلال محادثات مع جهات وسيطة.
وكان الهدف هو رص صفوف الحكم في السلطة الفلسطينية بعد الانقسام العنيف بين فتح وحماس في 2007. وقد أنتجت المحادثات في حينه اتفاقين (القاهرة 2011، الدولة 2012)، ولكن كل مساعي المصالحة هذه انهارت في نهاية المطاف بسبب الصراعات على القوة والسيطرة ولا سيما على اجهزة الامن، والتي اثارت خلاف حتى أكثر من مسألة الموقف من إسرائيل.
معقول الافتراض بان مصير هذا الاتفاق الاخير سيكون مختلفا، ولا سيما لانه يوفر تلبية فورية لاحتياجات الطرفين العاجلة. بالنسبة لحماس هذا هو السبيل لتحقيق تسهيل في القيود التي فرضها النظام العسكري المعادي في مصر، والذي يرى في حماس مثابة فرع للاخوان المسلمين الكريهين؛ وبالنسبة لفتح فان هذا سداد أمان لوقف الشرعية المتدهورة للرئيس، الذي مرت ثماني سنوات منذ انتخب ويتعرض لضغط سياسي شديد داخل فتح، بقيادة محمد دحلان؛ وبالنسبة للطرفين هذا هو السبيل لاستخدام العامل الشعبي – "الوحدة الوطنية" لتقديم جواب على الوعي المتزايد في أوساط الجمهور في الضفة الغربية وفي غزة، في ضوء الاداء المتدني والخصومة التافهة للحكمين المحليين. لهذه الاسباب، فان فرص المساعي الحالية للمصالحة في النجاة افضل من كل المساعي التي سبقتها.
ومع ذلك، فان تجربة الماضي غير مشجعة، والاثار العملية والاليمة لحكومة الوحدة (مثل مصير سجناء حماس في سجون فتح والسيطرة على أجهزة الامن، لا تزال غير واضحة. والاهم من كل شيء – على فرض أن الانتخابات المخطط لها ستخرج إلى حيز التنفيذ، فان كل حركة ستضطر إلى أن تقرر كيف ستتصرف في حالة الخسارة في الانتخابات – هل ستمنح طواعية الطرف المنتصر السيطرة على الارض التي توجد اليوم تحت سيطرتها؟ على هذه الخلفية، ينبغي الافتراض بان غسان الخطيب، المحلل السياسي الذي شغل في الماضي منصبا في السلطة الفلسطينية كان دقيقا للغاية حين قال لـ "نيويورك تايمز" ان "الطرفين قد يكونا بحاجة ماسة إلى المصالحة ولكن لا يمكن لاي طرف  منهما أن يحتمل ثمن النجاح".
ولكن حتى لو نجحت المصالحة بالفعل، فلن يكون لذلك تأثير هام على الفرص لاتفاق شامل بين إسرائيل والفلسطينيين.
وبالفعل، يحتمل أن تكون حماس داخل الحكومة ستعرب عن أراء مختلفة عن أراء حماس خارج الحكومة (وان كانت التجربة القصيرة لسنة التعاون بين 2006 و 2007 بعيدة عن أن تثير توقعات بذلك)، ولكن ابو مازن نفسه – في حديثه إلى جمهور ناخبيه – هو الذي لا يبدي الاستعداد أو غير قادر على ان يوافق على الشروط التي يراها الكثير من الإسرائيليين شروطا لازبة لسلام حقيقي: الاعتراف بإسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي، بمعنى مبدأ "دولتين للشعبين"، مثلما تضمن الاعلان التأسيسي للامم المتحدة في موضوع النزاع الإسرائيلي – العربي، قرار رقم 181 للجمعية العمومية للامم  المتحدة من العام 1947. ويمكن للوحدة الفلسطينية بالفعل أن تساعد في اتفاق السلام، ولكن فقط اذا ما كانت النتيجة ان تدفع حماس ابو مازن عمليا لان يهجر موقفه في هذه المسألة – النتيجة التي هي غير منطقية على الاطلاق بل وهاذية.
ومع ذلك، من ناحية إسرائيل فان النقطة الحاسمة ليست هل كل الفصائل الفلسطينية ستتبنى اتفاقا مقبولا (فثمة احزاب إسرائيلية في الائتلاف تعارض "الدولتين للشعبين") بل هل المضمون الجوهري للاتفاق سيلبي مطالب إسرائيل، وهل سيشترط تطبيقه بعملية اقرار معقدة، وعلى رأس ذلك استفتاء شعبي فلسطيني برقابة دولية يكون "حرا ونزيها".
والى أن تنضج الظروف لاتفاق شامل يكون ممكنا طرحه على هذا الاختبار، فلا يوجد اي سبب لان يجبر حكومة فلسطينية، تضم حماس على الامتناع عن السعي الدائم نحو تسويات لادارة النزاع (تسعى إسرائيل نفسها إلى تحقيقها مع حماس في سياق غزة)، وعلى رأس ذلك تسويات مثل الالية الدولية المؤقتة التي سمحت باستمرار التمويل والاداء للسلطة الفلسطينية في عام 2006 – 2007.
ولما كانت لا توجد لتطورات عملية المصالحة بين فتح وحماس آثار مباشرة على مسيرة المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، فالمنطق في أساس قرار حكومة إسرائيل المبادرة إلى التعليق الرسمي للمحادثات ليس مفهوما من تلقاء نفسه.
وبدلا من المخاطر بالاشتباه بانها تتعلق فقط بأول فرصة كي ترأب الصدع في صفوف الائتلاف، كان يمكن للحكومة أن تعمل على أن تلقي بالمسؤولية على الطرف الاخر، مثلا، في أن تجبر حماس على أن تعيد تعريف موقفها تجاه إسرائيل، وتصيغ بوضوح اكبر نهجها من المفاوضات.
وفي نهاية المطاف، وان كان واضحا بان التطلع هو للوصول إلى اتفاق سلام في أعقاب المفاوضات، الا ان هذا ليس هدفا واقعيا للمدى القريب، وبالتأكيد ليس الهدف الوحيد. في الوضع الحالي من الحيوي بقدر لا يقل عن ذلك، النجاح في ادارة نزاع غير قابل للحل، وبالتوازي تثبيت المكانة السياسية الدولية لإسرائيل. ان وضع السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، بما في ذلك عناصر حماس التي ستندرج فيها في أعقاب الاصلاح، امام تحدي قبول الشرعية الدولة المندرجة في مبادىء الرباعية، اي، الاعتراف بإسرائيل، وقف العنف وتبني الاتفاقات القائمة بين إسرائيل والفلسطينيين – كفيل بان يدفع إلى الامام بنجاعة لا تقل عن ذلك الاهداف الثانوية لإسرائيل، بل وربما اهدافها الاساسية.