المغسلة الأيديولوجية لليمين الصهيوني

هآرتس

زئيف شتيرنهيل

بسبب وجودي خارج البلاد، ضاع مني مقال البروفيسور روت غابيزون: "الاحتلال: موضوع سياسي وليس قانوني". والآن فقط عثرت عليه ("هآرتس" 30/6). هذا مقال مهم لأنه يعبر عن التفكير المتساذج، وليس المستخف الذي يميز اليمين المرن والعقلاني: أقول مرنا لا ليبراليا، لأن من لديه موقف مثل موقف غابيزون بالنسبة لحقوق الأنسان، بعيد سنوات ضوئية عن الليبرالية. إن هدف هذه المقاربة هو تحرير السياسة من المعايير الأخلاقية الملزمة، التي تقيد الحكم، وتنظيف إسرائيل من التشويه الذي لحق بها – خرق ممنهج لحقوق الإنسان في اوساط سكان المناطق المحتلة.اضافة اعلان
بسبب ذلك نحن سنضطر إلى التذكير مرة أخرى بعدد من المفاهيم الاساسية. حقوق الانسان التي سميت في الاصل "حقوقا طبيعية"، خلافا لـ"الحقوق التاريخية" مثل الحقوق المحلية والوطنية أو الحقوق الطبقية بجميع أنواعها. مثلا، حقوق النبلاء، الكنيسة أو طبقة التجار وأصحاب المهن المختلفة. إن استخدام مفهوم "حقوق طبيعية" عبر عن الارتفاع التدريجي للفرد المستقل، وقد هدف إلى التعليم بأن هذه الحقوق تعود للانسان لكونه انسان، كل بني البشر مهما كانوا في كل مكان وكل زمان.
وهذه حقوق عالمية، أو إذا أردنا هي قيم لها سريان عالمي، وليست قيما عالمية، كما كتبت غابيزون، من أجل تقليصها ونسبها بصورة حصرية للقانون الدولي. الوطنيون بأنواعهم يرون في حقوق الانسان خطرا كبيرا، لأنها تؤسس المساواة الاساسية بين جميع البشر، ولهذا فهي تسعى بشكل عام إلى تقويض الحقوق التاريخية. منذ نهاية القرن السابع عشر، تضمنت الحقوق العالمية – التي سميت في البداية حقوقا طبيعية، ومنذ الثورة الفرنسية عرفت على أنها حقوق انسان – الحق في الحياة والحرية، وفيما بعد اتسعت وشملت الحق بالمساواة السياسية أيضا، والحق بالمساواة أمام القانون والحق في تقرير المصير والحكم الذاتي.
هذه الحقوق الإساسية المتفق عليها من قبل الجميع. هناك اختلافات في الرأي حول مسألة اذا كان حق التحرر من الفقر أو حق الحياة الكريمة وحق التعلم والصحة، وبشكل عام حق الرفاهية – مثل حق المعاق في أن لا يعاني من الفقر – لها نفس السريان الملزم مثل الحقوق المذكورة أعلاه. وأنا لا أعتقد أن طلب المساواة الاجتماعية أقل من طلب المساواة السياسية، لكن لا خلاف في الغرب على سريان حق الحرية الشخصية، حق الاستقلال والحكم الذاتي. وهذه الحقوق يتم النظر اليها كتعريفات لليبرالية. بكلمات اخرى، يتم النظر اليها كحقوق لكل البشر، وكحقوق اساسية لا توجد ديمقراطية بدونها.
غابيزون في المقابل تحاول دفع المبادئ العالمية إلى مجال القانون الدولي. وبهذا فهي تشوش عن قصد مضمونها وقدرتها على تغيير المجتمع. ليس القانون الدولي هو الذي يخلق المبادئ العالمية: حقوق الانسان تسبق كل تشريع ايجابي، بما في ذلك التشريع الدولي. اضافة إلى ذلك، هناك ساسة وحكومات ورجال قانون في اماكن مختلفة ينظرون إلى التشريع الدولي على أنه غير ملزم أبدا، أو أنه ملزم أقل من التشريع الوطني.
في واقع إسرائيل، من يحاول دفع حقوق الانسان إلى الهامش بذريعة أنها تنتمي لمجال القانون، في حين أن الاحتلال هو موضوع سياسي، يذر الرماد في العيون، بهدف تحويل حقوق الانسان إلى موضوع مفتوح للمفاوضات بين الطرفين، مثل موضوع الحدود. بدل أن ينظر اليه على انه موضوع يتعلق بشخصيتنا الإنسانية. هكذا يمكن القول للفلسطيني الذي يخضع لنظام كولونيالي قاس، والذي يتم سحق حقوقه بقوة الذراع في كل يوم، إن كل شيء مرتبط بالمفاوضات. حقيقة أن هذه المفاوضات تستمر منذ عشرات السنين، وطالما أن الامر مرتبط بإسرائيل، وأنها ستستمر إلى الأبد – هذه الحقيقة لا تزعج القانونية غابيزون.
يجب علينا التذكر دائما أنه ليس للقانونيين أفضلية خاصة في النقاش حول حقوق الانسان. في هذا المجال ليس لهم افضلية على أي خبير في الابحاث أو عالم اديان أو أي مفكر. نحن لسنا بحاجة إلى أي ثقافة قانونية كي نفهم أنه اذا كان لشعب ما حق في تقرير المصير، فإن هذا الحق محفوظ لكل شعب آخر. اذا كان لنا، نحن الإسرائيليون، حقوق انسان فليس من حقنا أن نسلبها من الفلسطينيين الذين لنا معهم صراع قومي، أو نحن معهم في حرب على تقسيم الارض. إن التفوق في القوة لا ينتج اطلاقا حقوق افضل، ويمكنه خلق حقائق لكنه لا يخلق القيم.
غابيزون تقوم بالدفاع بحق عن حقوق اليهود في "حق تقرير المصير في وطنهم التاريخي". ولكنها تقوم بادخال عامل اضافي مهم جدا: "بصورة متهكمة تقوم بربط تجسيد حقوق الانسان العالمية باحتياجات إسرائيل الأمنية والعسكرية والشخصية". وهي لا تفسر ما هي هذه الاحتياجات ولماذا يحتاج اليهود إلى التمتع بحق تقرير المصير، في حين أن حقوق الفلسطينيين ترتبط باحتياجات المحتل ومصالحه.
إن مطالبة الفلسطينيين بالاستقلال وإنهاء الاحتلال ترتكز على نفس الحق في الحكم الذاتي، الذي يرتبط به استقلال إسرائيل. هذه هي القاعدة في مطالبة الحركة الصهيونية، إضافة إلى الحاجة إلى ايجاد حل لـ"ضائقة اليهود"، أي الخطر الوجودي الذي يهدد الشعب اليهودي في أوروبا. لهذا ليس لإسرائيل الحق في سلب طلب الفلسطينيين بذريعة أن لديها "احتياجات امنية وعسكرية وامور تتعلق بالهوية"، التي تلغي حقوقهم. وقد ردت غابيزون على ذلك بأنه "من ناحية القانون الدولي، ليس للفلسطينيين أي حق" – حق، بين قوسين، لأنه ليس حقا حقيقيا – "في إنهاء الاحتلال، الذي كان نتيجة حرب دفاعية، وليس من واجب إسرائيل أنهائه بدون اتفاق". ولم يخطر ببالها أبدا أن هناك قواعد وقيما تسبق القانون الدولي.
إن مفهوم "حقوق الهوية" هو مفهوم مسل تماما، لأنه يبين كيف استوعب اليمين العلماني على مدى سنوات، الذي يضع غطاء تقدميا، أسس تفكير اليمين الكاريكالي، وكيف أن القومية العلمانية تبنت "هميكراه" كمصدر للسلطة (كتاب فتاوى وشروحات دينية)، من اجل بناء نظرية الاحتلال والسلب الشرعي لحقوق الانسان من الآخر. حسب هذه النظرية التي يتبناها المستوطنون وممثلوهم في السلطة بتفاخر، فإن قاعدة الهوية الوطنية لنا قائمة في مناطق الضفة الغربية، بلاد الأنبياء، القضاة والملوك. مستوطنات الخليل وكريات اربع وبيت أيل وكدوميم هي قلب الوطن، واليهود الذين استوطنوا هناك قاموا بتجديد الحياة في وطنهم التاريخي: أما تل ابيب وبيتح تكفاه وحولون وأسدود، فهي قائمة في الهامش. الهوية الإسرائيلية هي هوية تعود لهميكراه، وهي تشكل القاعدة لحقنا في أن نكون "الدولة القومية للشعب اليهودي في وطنه التاريخي". حسب غابيزون فإن تجسيد الحاجة إلى هذه الهوية هو أيضا القاعدة لأمن إسرائيل. وهكذا فإن القانونية تعيد تشكيل مكانة الضفة الغربية، ليس كذخر تاريخي فقط "يتعلق بالهوية"، بل كذخر أمني أيضا.
منذ عشرات السنين كان هذا هو التبرير الساذج، ولكن هكذا كان بالامكان تسويقه. ولكن في الوقت الحالي، حيث أن إسرائيل هي دولة نووية (حسب مصادر اجنبية) ومسلحة بالصواريخ والغواصات ولها سلاح جو من الأقوى في العالم، وفي الوقت الذي تواجه فيه التهديدات من ايران ولبنان، وربما أيضا من الوجود الروسي في سوريا، وليس من الفلسطينيين، الذين مقارنة مع الجيش الإسرائيلي سلاحهم هو الحجارة، فإن هذه الرواية تبدو مضحكة. كان يجدر بدلا من التلاعب بالصيغ المغسولة، أن تقول غابيزون ببساطة ما يقولونه في الليكود وفي البيت اليهودي وما يقوله يائير لبيد: الحقوق التاريخية لليهود تسبق حقوق الانسان للفلسطينيين. لهذا طالما أن الفلسطينيين لم يسلموا بانتصار اليهود، وطالما لم يقرر اليهود، لاعتباراتهم الخاصة، انهاء الاحتلال، فإن الصراع لن ينتهي. إن حقوق الانسان للفلسطينيين ستبقى في نظرهم اشارة ميتة، وقوة اليهود العسكرية هي التي ستحسم.
السؤال الحقيقي الآن هو هل الديمقراطية الإسرائيلية مستعدة للصمود في وجه النظام الكولونيالي الذي فرضته في المناطق المحتلة، وسلب حقوق الانسان للفلسطينيين. قبل عشرين – ثلاثين سنة كان هذا ما يزال نقاشا نظريا، لكن في الوقت الحالي تم الانتهاء من تجارب المختبر. الديمقراطية الإسرائيلية موجودة في مرحلة متقدمة من التلاشي والتفكك. الاستيطان يسلب بصورة صريحة حقوق الفلسطينيين، لكن تجاه الخارج ما زالت بحاجة إلى مساعدة "كبيرة" من اشخاص يعتبرون، على الأقل في نظر أنفسهم، ليبراليين. ومساعدة كهذه توفرها غابيزون عندما تؤيد العملية التي تقوم بها وزيرة القضاء ضد الديمقراطية الليبرالية باسم ائتلاف اليمين الاكثر ظلامية في تاريخ النظام.
إن أييليت شكيد تحارب الديمقراطية الليبرالية على جبهة المحكمة العليا. وهي تسعى إلى تصفية مبدأ تقسيم السلطات وإلى تحويل المحكمة العليا من سلطة ثالثة تشرف على السلطتين الأخريين، كما تقضي الديمقراطية – المسؤولة عن تطبيق حقوق الانسان للإسرائيليين، اليهود والعرب، وللفلسطينيين – إلى جسم خاضع لسلطة الحكومة والكنيست، في حين أن غابيزون أخذت على عاتقها مهمة تصفية الديمقراطية الليبرالية في جبهة حقوق الانسان، وهي الجبهة الاكثر حساسية لأنها تهم الاجانب، المثقفون في اوروبا والولايات المتحدة، وتُعرض أمام أعين العالم دون امكانية القيام باحتكار وتمويه مثلما حدث في الصراع ضد المحكمة العليا. بالنسبة لغابيزون فإن حقوق الانسان هي أمر مفتوح للنقاش القانوني. إنها ليست مطلقا مع قواعد نهائية وعالمية، حيث أنه منذ 1945 – اذا لم يكن منذ 1789 – وهي تضيء طريق الديمقراطية الغربية، وتشكلها وتشكل الإلهام للعالم كله.