الميزان الديمغرافي

آلاف فلسطينيي 48 في إحدى مسيرات العودة إلى قراهم المدمرة -  ( ا ف ب)
آلاف فلسطينيي 48 في إحدى مسيرات العودة إلى قراهم المدمرة - ( ا ف ب)

هآرتس

شاؤول اريئيلي

تقرير الإدارة المدنية حول الوضع الديمغرافي الذي عرض هذا الأسبوع على لجنة الخارجية والأمن فجر بمرة واحدة فقاعة الواقع المتخيل الذي بناه من يرفضون حل الدولتين. من يؤيدون الضم يطلقون منذ سنوات حقائق وهمية من اجل اخفاء الميزان الديمغرافي، الذي يحافظ على التوتر الاساسي الذي يرافق الحركة الصهيونية منذ بداية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني والحسم المطلوب له. الميزان الديمغرافي بين اليهود والعرب الذي تم عرضه يقتضي من القيادة الإسرائيلية إعادة الحسم في اختيار هدفين من الأهداف الثلاثة الاساسية للحركة الصهيونية وإسرائيل: أن تكون دولة ديمقراطية، أن تكون دولة يهودية بالمعنى الوطني وأن تكون على كل أرض إسرائيل الانتدابية.اضافة اعلان
إن وجود اغلبية غير يهودية في أرض إسرائيل على مدى المائة سنة من النزاع تقريبا، ليس نتيجة تحول ديمغرافي عربي، بل نتيجة حقيقة أنه في وقت اصدار تصريح بلفور في العام 1917 والمصادقة على صك الانتداب في العام 1922 كانت نسبة اليهود هي 10 في المائة فقط من اجمالي سكان البلاد. ومنذ ذلك الحين فشلت الحركة الصهيونية في تحقيق اغلبية يهودية بين البحر والنهر.
هذا الأمر كان تحديا مهما وغير مسبوق للحركة الصهيونية وبريطانيا والذي تمثل في تطبيق تصريح بلفور الذي يشمل مركبين: الأول، "وطن قومي لليهود"، والثاني، أن يقوم هذا الوطن "بشرط واضح، أن لا يتم فعل أي شيء من شأنه المس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في أرض إسرائيل". أي، دولة ديمقراطية للشعب اليهودي. لقد ركز زئيف جابوتنسكي على هذا التحدي في خطابه في المجلس الإسرائيلي في العام 1919. "في دولة اخرى، حيث كل شعب يقيم في بلاده، كل المواطنين يقيمون في أرضهم – من السهل والبسيط اقامة دولة كهذه، لكن ليس في بلادنا، التي تواجه ظروفا خاصة، والتي هي من هذه الناحية بلاد "غير عادية"، أي أن معظم مواطنيها "اليهود" يقيمون خارج حدود البلاد".
حول أهمية تحقيق أغلبية يهودية، تحدث ماكس نورداو في المؤتمر الصهيوني في لندن في العام 1920 وقال "من الضروري أن يتواجد على الاقل 500 ألف يهودي في أرض إسرائيل في الوقت الذي تتسلم فيه بريطانيا الانتداب على ارض إسرائيل. اذا كنا لا نريد الحكم على الصهيونية بالفشل". ولكن رغم حقيقة أنه في وقت تسلم الانتداب كان عدد اليهود هو 83 ألف شخص فقط، فإن هذا لم يحدث.
من اجل تطبيق صك الانتداب الذي تم فيه التحديد أنه يجب على بريطانيا "خلق شروط سياسية في إسرائيل وادارية واقتصادية، تضمن اقامة البيت الوطني اليهودي"، فقد امتنعت بريطانيا عن اقامة حكومة اصيلة (من السكان الأصليين)، التي بشكل طبيعي كانت ستكون مكونة من الأغلبية العربية، مثلما حدث في كل دول الانتداب الاخرى. في صك الانتداب حددت المواد 4، 6، 7 التي منحت افضلية واضحة للهجرة، التجنس والاستيطان اليهودي من اجل أن يكون بالامكان احداث الانقلاب الديمغرافي الواسع وانشاء دولة ديمقراطية ذات اغلبية يهودية.
في 1937 قدمت لجنة بيل اقتراحا لتقسيم البلاد بين اليهود والعرب. على الرغم من المساحة الصغيرة التي خصصت للدولة اليهودية (17 في المائة من مساحة البلاد)، إلا أن المؤتمر الصهيوني قام بتخويل بن غوريون، رئيس الوكالة اليهودية، وفايتسمان بادارة المفاوضات مع بريطانيا حول اقامة دولة يهودية على جزء من أرض إسرائيل. لقد كان هناك قرار واضح بتفضيل اغلبية يهودية ودولة ديمقراطية على أرض إسرائيل الكاملة، لأن اليهود شكلوا فقط 30 في المائة من عدد سكان البلاد.
هكذا شرح بن غوريون وهو يكتب لابنه عاموس: "ما نريده هو ليس أن تكون البلاد كاملة وموحدة، بل أن تصبح البلاد الكاملة والموحدة يهودية. أنا غير راض عن أرض إسرائيل الكاملة عندما تكون عربية". مردخاي نمير يضيف ويبرر الحاجة إلى تنازل جغرافي في مؤتمر مباي في العام 1937: "تقليص المساحة – هذا هو الثمن الذي يجب علينا دفعه من أجل التأخير الحاسم للشعب اليهودي في بناء البلاد وبسبب النمو السريع للحركة العربية".
هذان الشخصان لم يريا في اقامة الدولة اليهودية الصغيرة نهاية للقصة، وطورا "نظرية المراحل". بن غوريون واصل وكتب لابنه "دولة يهودية جزئية ليست النهاية بل البداية... اقامة دولة، لو جزئية، هي تعزيز للقوة بالحد الأدنى في هذه المرحلة، وستستخدم كرافعة قوية في جهودنا التاريخية من اجل انقاذ البلاد كلها". نمير يتمم هذا ويقول "الاجيال القادمة، سواء قبل الثورة الاجتماعية أو بعدها، ستجد طريقة لاصلاح التشويه".
الكارثة، التراجيديا الأكبر للشعب اليهودي، تحرك بن غوريون للطلب من الحكومة البريطانية تقسيم البلاد، التي فقط ثلث سكانها من اليهود. في شباط 1947 كتب لوزير الخارجية بيفين "التسوية الحالية الوحيدة المحتملة التي فيها اساس انهاء المشكلة، هي اقامة دولتين، يهودية وعربية".
قرار التقسيم في تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 جعل الميزان الديمغرافي المتوقع في الدولة اليهودية يقف عند 55 في المائة يهود فقط. بن غوريون كان يدرك هذه الصعوبة التي نشأت. وفي اقواله في مركز مباي في كانون الاول (ديسمبر) 1947، حدد أمر، حتى من يريدون الآن ضم الضفة الغربية فقط، يجدر بهم استيعابه: "بهذه التركيبة ليس هناك ضمانة كاملة في أن تظل السلطة في أيدي الاغلبية اليهودية. لن تكون دولة يهودية مستقرة طالما فيها اغلبية من 62 في المائة فقط".
حرب الاستقلال ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين أحدثت انقلاب في الميزان الديمغرافي وجعلت نسبة اليهود في الدولة (داخل الخط الاخضر) أكثر من 80 في المائة. بن غوريون عاد وحسم بشأن انهاء الحرب لصالح دولة ديمقراطية للشعب اليهودي على حساب ارض إسرائيل الكاملة. وفي رده على الانتقاد بأنه لم يستكمل احتلال البلاد اجاب في الكنيست في نيسان (ابريل) 1949: "دولة يهودية في كل البلاد بدون استخدام طرق العمل التي تم اتباعها في دير ياسين يمكن أن يكون فقط عن طريق ديكتاتورية الاقلية... دولة يهودية، حسب الوضع القائم، غير محتملة اذا كانت ديمقراطية، لأن عدد العرب في غرب أرض إسرائيل أكثر من عدد اليهود".
حرب الأيام الستة واحتلال غزة والضفة اثارت مجددا الهدف الجغرافي لارض إسرائيل الكاملة، لكن أكثر من مليون عربي كانوا يعيشون فيها صدوا حكومة إسرائيل عن كل خطوات الضم، باستثناء شرقي القدس، كما صرح ليفي اشكول: "كيف سنعيش مع هذا العدد الكبير من العرب؟". وفيما بعد اكتفت حكومات الليكود بضم هضبة الجولان فقط التي يعيش فيها فقط الدروز في اربع قرى صغيرة.
اختيار إسرائيل الاستراتيجي للمساحة مقابل الحفاظ على الهوية اليهودية والنظام الديمقراطي ظهر مجددا في التسعينيات، عندما اعلن اسحق شمير أنه "يرى في موضوع الانفصال موضوع مركزي"، واختار الطريق السياسية لاتفاقات اوسلو. ولاحقا كان هذا هو اهود باراك الذي احسن في تعريف الفصل
كـ"ضرورة قومية عليا للديمغرافيا والهوية والديمقراطية الإسرائيلية". أيضا من لم يؤمن باتفاقات دائمة، اريئيل شارون، صرح بصورة مشابهة "الاعتبار الديمغرافي لعب دور هام في تحديد مسار جدار الفصل بسبب الخوف من ضم مئات آلاف الفلسطينيين الذين سينضمون إلى عرب إسرائيل". ولخص إيهود اولمرت بقوله "إما دولتان أو أن إسرائيل ستنتهي".
الميزان الديمغرافي الحالي هو حقيقة قائمة. من المحزن الاكتشاف أنه بعد مئة سنة على النزاع وعشرات السنين من المفاوضات للفصل السياسي المتفق عليه، فإن الخطاب في إسرائيل ما زال يجري فقط في الداخل. ليس هناك تاريخ، ليس هناك قرارات دولية، ليس هناك شعب فلسطيني له طموحات وطنية وليس هناك اتفاقات واعترافات موقعة من قبل حكومات إسرائيل. والمحزن أكثر هو حقيقة أن الكثيرين في الحكومة الإسرائيلية يعودون ويحاولون اخفاء الحقيقة الديمغرافية بسبب طموحات الضم والرؤى المسيحانية.
الحكومة الحالية، خلافا لسابقاتها، اختارت حسما استراتيجيا آخر بالنسبة لاهداف الصهيونية: أرض إسرائيل مقابل نظام ديمقراطي واغلبية يهودية. هذا الحسم سيزيل الالتزام الدولي بسبب عدم التزام إسرائيل بالشرط الديمقراطي، وسيدفعها إلى الموقف المجنون الذي وقف فيه لسنوات طويلة جنوب افريقيا. هذا الحسم عديم المسؤولية سيحرك عملية ستؤدي إلى حرب اهلية وإلى الانهيار الداخلي لإسرائيل وولادة دولة عربية واختفاء الحلم الصهيوني؟.