تسريع الحل السياسي في سورية يساهم بمغادرة الإيرانيين

سوريون موالون للرئيس بشار الاسد يرفعون علمي روسيا وايران اثناء احتفالهم بالنصر في حلب بداية نيسان (ابريل) الماضي.-(ا ف ب)
سوريون موالون للرئيس بشار الاسد يرفعون علمي روسيا وايران اثناء احتفالهم بالنصر في حلب بداية نيسان (ابريل) الماضي.-(ا ف ب)

هآرتس

تسفي بارئيل

في الوقت الذي يجد فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو صعوبة في إيجاد فراغ صغير في الجدول الزمني للرئيس الروسي، فإن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان التقى مع فلاديمير بوتين ثلاث مرات في هذا الشهر. اللقاء الاخير كان يوم الاثنين الماضي عندما دشن الرئيسان استكمال بناء المرحلة الاولى من الأنبوب تحت البحر للغاز الذي سيربط بين روسيا وتركيا وسيزيد من حجم الاستيراد التركي للغاز الروسي بأكثر من 50 في المائة.اضافة اعلان
هذه العلاقة الاستراتيجية لا تعتمد فقط على تصدير الغاز. الدولتان تريان من منظار واحد أيضا حل الأزمة السورية، وهما شريكتان معا مع إيران في ادارة الفضاء الأمني في الدولة، ولهما توجد خلافات عميقة مع الولايات المتحدة على مستقبلها وعلى الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران، وحول مكانة إيران في سورية. موقف روسيا تحدد علنا في شهر آب الماضي عندما أعلن وزير الخارجية الروسي، سرجيه لافروف، بأنه بعد الانتصار على داعش، يجب على كل القوات الاجنبية التي لم يتم استدعاؤها من قبل نظام الأسد الانسحاب من سورية.
إيران وروسيا دولتان "مدعوتان"، ولكن الولايات المتحدة وتركيا لا تحظيان بهذه المكانة. ولكن في حين أن روسيا تطالب بخروج القوات الأميركية فهي تظهر مرونة كبيرة بالنسبة لوجود القوات التركية رغم حقيقة أنهم احتلوا جزءا من الجيب الكردي في غرب سورية، وبهذا فقد اقتطعوا عضوا من الاعضاء السورية.
حيال الموقف الروسي ليس للولايات المتحدة استراتيجية بديلة يمكنها أن تقدم حلا مناسبا للحرب في سورية أو الوجود الإيراني فيها. حسب أقوال المبعوث الأميركي الجديد للشؤون السورية، جيمس جفري، فإن الولايات المتحدة "تتفهم مصالح روسيا في سورية" التي تشمل قواعد عسكرية وحكومة صديقة. ولكن في كل ما يتعلق بالقوات الإيرانية فإن الامر أكثر تعقيدا.
في شهر نيسان أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه يتطلع إلى اعادة القوات الأميركية العاملة في سورية بعد الانتصار على داعش. ترامب لم يعد يطالب بتنحية الأسد عن الحكم، لكنه يطلب منه أن يأمر القوات الإيرانية بالانسحاب من سورية. منذ تغيرت السياسة الأميركية عندما قال في شهر ايلول جون بولتون، مستشار الامن القومي الأميركي "نحن لا ننوي الانسحاب من سورية طالما أن القوات الإيرانية تعمل خارج إيران".
اذا كانت الادارة الأميركية حتى شهر نيسان قد استندت إلى محاربة الارهاب كذريعة اساسية لمشروعية التدخل العسكري الأميركي في سورية، الآن تتحدث الادارة عن ضرورة الاستقرار وضرورة الحل السياسي وعن انسحاب القوات الأميركية كشرط لإخراج القوات الأميركية.
ليس واضحا اذا كان الكونغرس الأميركي سيوافق على تفسيرات ترامب، التي بحسبها الاستقرار في سورية هو جزء لا يتجزأ من الحرب ضد الارهاب. ولكن في هذه الاثناء هو يحظى بدعم سياسي لمواصلة التدخل العسكري. هل هناك احتمال للمواجهة بين الجيش الأميركي والقوات الإيرانية من اجل انسحابهم من سورية.
على ذلك اجاب جفري بأن اخراج إيران سيتم بوسائل سياسية وضغط دبلوماسي، في حين أن نتنياهو قال في هذا الاسبوع بأن الولايات المتحدة وحدها لا يمكنها اخراج هذه القوات من سورية. ازاء الضغط الروسي على إسرائيل وتجميد التعاون العسكري، مشكوك فيه اذا كانت إسرائيل تستطيع العمل الآن من اجل التسريع بوسائل عسكرية خروج القوات الإيرانية.
بدلا من عملية عسكرية فإن الادارة الأميركية تأمل بأن تجبر العقوبات الاقتصادية إيران على تقليص نفقاتها العسكرية وربما تجعلها تسحب جزء من قواتها من سورية. ولكن اذا كان هناك هدف استراتيجي ملتزمة إيران بالدفاع عنه فهو تواجدها في سورية ونفوذها في لبنان عبر حزب الله.
الامكانية الكامنة للضغط الثاني توجد لدى الكرملين، الذي هو فقط يستطيع الطلب من الأسد الغاء استدعاء الإيرانيين، ولكن الكرملين في هذه الاثناء غير متسرع للضغط على إيران التي تخدم روسيا كورقة مساومة مع الولايات المتحدة. كما أنه لا يوجد أي يقين بأن إيران ستستجيب لطلب روسيا، هذا إذا جاء.
ما هو الوضع في إيران الآن
في إيران نفسها القيادة منشغلة بايجاد طرق التفافية على العقوبات وبالخلافات الداخلية، حيث أن الموضوع السوري أصبح أمرا هامشيا. تعهدات الاتحاد الأوروبي، خاصة المانيا وفرنسا وبريطانيا التي وزير خارجيتها جيرمي هانت زار في هذا الاسبوع طهران من اجل تفعيل نظام مالي يتجاوز العقوبات الأميركية، لم تتحقق. الخطة هي الاستناد إلى بدائل لا تقتضي استخدام الدولارات وعلى صفقات يتم دفع مقابلها باليورو أو يتم احتسابها بالعملة الإيرانية.
ولكن البنوك الأوروبية لا تسارع إلى الاستجابة لدعوات حكوماتها خوفا من العقوبات التي يمكن أن تفرضها عليها الادارة الأميركية. هذا الاسبوع اتهم نائب وزير الخارجية الإيراني، عباس ايراقتشي، أوروبا بأنها غير مستعدة لإنشاء هذا النظام الخاص، وأن الدول الأوروبية تتعاون مع ادارة ترامب رغم معارضتها لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران.
المخرج الرئيسي من عبء العقوبات الثقيلة يوجد الآن في روسيا وفي الصين. في هذه الاثناء أيضا في ثمانية دول منها تركيا والهند، التي حصلت على اعفاء مؤقت ومحدود من العقوبات لفترة 180 يوما. الهدف هو أنه خلال هذه الفترة ستجد هذه الدول بدائل لمصدر النفط لها، وأن السعودية ستزيد استخراج نفطها من اجل التغلب على الفجوة في الكمية التي ستحدث في العالم في اعقاب منع بيع النفط الإيراني، ولكن هذا المسار ليس فقط يقلل كمية النفط التي تستطيع إيران بيعها، حوالي مليون برميل يوميا، بل هو يزيد اعتمادها على روسيا والصين. يمكن أن يكون لاعتماد كهذا مغزى سياسي اذا قررت روسيا، على سبيل المثال، أن تحصل من إيران على تنازلات في سورية.
جهات إيرانية رفيعة المستوى، من بينها الزعيم الاعلى علي خامنئي، ورئيس مجلس الامن القومي علي شمخاني، والرئيس حسن روحاني يواصلون الاعلان بأن إيران يمكنها التغلب على العقوبات وأن النظام في إيران مستعد اقتصاديا من اجل مواجهة هذه الصعوبات. ولكن حتى الآن لم يتم على الارض تنفيذ خطة جدية واحدة تشير إلى استراتيجية مناسبة. منذ اسبوعين يتظاهر عمال مصنع السكر في مدينة شوش في جنوب غرب إيران مطالبين بأن يتم دفع رواتبهم التي تأخرت بضعة أشهر وتحسين ظروف العمل. هذه المظاهرات امتدت إلى عدة مصانع في مدن اخرى، وقوات الشرطة استخدمت القوة لتفريقها واعتقال النشطاء.
من دبي، التي يعيش فيها حوالي 200 ألف إيراني، تصل بشائر صعبة على الدولة، حيث أن البنوك ترفض فتح حسابات تجارية وحسابات خاصة لمواطنين إيرانيين بدون شريك من دولة الامارات. الحوالات المالية تتأخر، اضافة إلى ذلك التجارة بين دولة الامارات وإيران تقلصت بحوالي 1.75 مليار دولار في الشهر مقابل 2.5 مليار دولار في شهر كانون الاول الماضي. ومئات اصحاب المصالح التجارية الإيرانيين اضطروا إلى اغلاق مصالحهم بسبب القيود على القروض. حوالي 29 في المئة من مجمل الاستيراد الإيراني الذي يقدر بـ 70 مليار دولار يمر عبر دولة الامارات، ويبدو أن هذا المستوى من شأنه أن يتقلص بصورة كبيرة في الاشهر القادمة.
الاعصاب المشدودة للنظام الإيراني تثير مواجهات سياسية داخلية بين حكومة روحاني والمحافظين في البرلمان. في هذا الاسبوع بادر أحدهم إلى جمع توقيعات على مطلب لتنحية وزير الخارجية جواد ظريف. حسب القانون في إيران يكفي توقيع عشرة اعضاء برلمان من اجل البدء بعملية التنحية. ظريف متهم بأنه أضر وأهان مؤسسات الدولة عندما أعلن "هؤلاء الذين يربحون المليارات من تبييض الاموال يستثمرون الملايين من اجل منع تمرير قوانين شفافية مثلما يطلب الرئيس روحاني".
ظريف لم يقم بالإشارة إلى هوية تلك الجهات أو الاشخاص، لكن لا حاجة للتخمين بأن هذه الاقوال وجهت بالأساس لحرس الثورة الإيراني ومؤسسات خيرية تحظى بعدم الرقابة الحكومية على ميزانياتها. اتهام مباشر كهذا غير جديد في الحقيقة. روحاني نفسه اثار غضب قادة حرس الثورة عندما صرح في الماضي بأقوال ضد السيطرة الاقتصادية لحرس الثورة على خزينة الدولة وعلى مشاريع هامة والتي لا تسمح بالمنافسة الحرة أو طرح مناقصات معقولة، التي يمكن أن تخفض حجم نفقات الحكومة.
ولكن عندما يحارب النظام مظاهرات العمال ويعلن بأنه ينوي القيام بتقليصات اقتصادية، فإن تصريحات علنية تظهر النظام كفاسد والمقربون منه كمبيضي اموال فإن هذا يحظى برد استثنائي. بعد بضعة ايام كشف سفير إيران في لندن، حمود بايجنجياد، أن التهريبات من إيران واليها للبضائع والنفط تبلغ حوالي 12 مليار دولار في السنة. وحوالي 40 مليون لتر من النفط يوميا. اضافة إلى تهريب المخدرات بمبلغ 3 مليارات دولار. نائب ظريف موترازا سرمادي قال إن 10 مليارات 15 مليار دولار يتم تبييضها كل سنة.
من المشكوك فيه أن المطالبة بإقالة ظريف ستتحقق، حيث أنه الشخص الاساسي في ادارة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. ولكن من الواضح أن قيادة المحافظين تنوي أن تلقي على روحاني وحكومته ذنب الازمة الاقتصادية التي نشأت في اعقاب العقوبات. في المقابل، الحكومة ما زالت تحظى بدعم خامنئي، وضمن امور اخرى، بسبب أن اقالة روحاني أو حل حكومته يمكن أن تظهر كخطوة ضعف امام الضغط الأميركي وستفسر وكأن النظام دخل إلى حالة من الذعر. ضرورة اظهار قدرة صمود امام العقوبات والضغط الأميركي تجبر إيران على الحفاظ على مكانتها في سورية وفي اليمن، حتى لو كان ذلك سينهك خزينة الدولة.
من اجل التحرر من هذه القيود تأمل إيران بأن تنجح روسيا في تسريع العملية السياسية في سورية بصورة تمكن إيران من سحب قواتها من خلال موقف الشريك في الحل، وليس نتيجة للضغط الاقتصادي. في هذا الاسبوع سيجتمع للمرة الـ 11 زعماء إيران وروسيا وتركيا في الاسيتانا عاصمة كازاخستان لمناقشة مواصلة العملية السياسية. ربما في هذا الاجتماع الذي سيعقد في الظروف الدولية الجديدة سيكون بالامكان رؤية بوادر حل سياسي متفق عليه لحرب الثماني سنوات.