تقرير البنك الدولي فصل في سيناريوهات لجنة دعم الاحتلال

هآرتس

عميرة هاس   28/9/2018

داخل حدود دولة من العالم الأول، مع بعض أوجه الشبه لدولة عظمى عسكرية عالمية، توجد جيوب كبيرة من العالم الثالث، التي تنزل بصورة ثابتة إلى مستويات متدنية حتى أكثر من ركود اقتصادي، بنى تحتية غير قائمة، بطالة، عدم استغلال الامكانيات الكامنة البشرية، فقر، جوع ويأس. هذا الوصف مناسب لدول كثيرة في العالم التي توجد فيها فجوات اقتصادية – اجتماعية لا يمكن فهمها، توجد على بعد شارع أو شارعين في نفس المدينة، لكن هنا القصد هو إسرائيل والجيوب الفلسطينية المتناثرة بين البحر والنهر. إذا اردنا الدقة أكثر، تلك التي يعيش فيها من ليسوا مواطنين إسرائيليين ولا يتم شملهم في حسابات مكتب الاحصاء المركزي الإسرائيلي.

اضافة اعلان

ثلاثة تقارير تصف وضع الجيوب الفلسطينية، تم نشرها في الأسبوع الأخير. تقرير البنك الدولي الذي حظي بإشارة في وسائل الإعلام المحلية، وتقرير صندوق النقد الدولي وتقرير الأمم المتحدة. إن أي ايجاز صحفي لها لا يمكنه أن يعكس العمل الكثير الذي استثمر فيها أو اهتمام وقلق واضعي التقارير ومساعديهم الكثيرين، التي تبرز بين السطور. 

تلك عشرات كثيرة من الصفحات المزينة برسوم بيانية ملونة، ومليئة بالإحصائيات، والمقسمة إلى بنود تسهل القراءة ومرفقة بملخص تنفيذي. هي مليئة بالمصطلحات الاقتصادية والبنكية التي نحن العلمانيون لا نفهمها. وأيضا بحقائق مفاجئة مثل أن النسبة المرتفعة نسبيا (23 في المئة) للنساء الشابات بين المبادرين إلى المشاريع الصغيرة التكنولوجية في قطاع غزة والضفة الغربية، أو النسبة الأعلى للأولاد الذين يتركون التعليم الثانوي مقابل البنات اللواتي يقمن بذلك.

توجد في هذه التقارير تحذيرات سياسية واضحة. مثلا، بدون رفع القيود الإسرائيلية عن المناطق ج وعن حرية الحركة من قطاع غزة، لا يمكن حدوث أي تحسن. كما توجد فيها توقعات. مثلا، قلة التوفيرات في القطاع، والخوف من عدم وفاء الناس بتسديد الديون ستؤثر على استقرار البنوك في الضفة، وأن تطبيق القانون الإسرائيلي بخصم مئات ملايين الدولارات من أموال الجمارك التي يجب على إسرائيل تحويلها للفلسطينيين، بسبب مخصصات السجناء، ستدهور الوضع أكثر فأكثر. 

وكل التقارير تحذر من كارثة من صنع الإنسان. جميعها تحلل الأحداث الأخيرة وسلوك الأطراف منذ أن نشرت التقارير السابقة في شهر آذار، التي هي أيضا حذرت من كارثة اقتصادية اجتماعية لها جذور سياسية. جميع التقارير تقترح حلولا للمدى القصير والمتوسط والتي هي معروفة للجميع.

اليوم ستوضع في نيويورك التقارير على طاولات المندوبين الإسرائيليين والفلسطينيين والوسطاء بينهم: مندوب النرويج كرئيس، ممثلو الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وخبراء من الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. على مدى اليوم سيبحث المشاركون في السيناريو المعروف مسبقا بشأن تخليد الفجوة بين العالمين المعروضين وتوسيعها، سيناريو كتب منذ فترة وممثلوه المحتملين وغير المحتملين يواصلون تمثيل ادوارهم فيه بإخلاص. 

النزاع المعقد والمتعقد المتعلق بصغائر الأمور احيانا بين الحكومتين الفلسطينيتين، يوجد في التقارير، رغم أن حماس لم تذكر باسمها الصريح. الحل المنطقي الذي تقترحه التقارير، توحيد الصلاحيات واعادة المسؤولية على ما يجري في القطاع إلى أيدي حكومة رام الله، يمكنه أن يكون بسيطا وسريعا وفي متناول اليد أكثر من رفع قيود الحركة الإسرائيلية. 

هذا سيكون لقاء لجنة الارتباط المخصصة للمساعدة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية، المعروفة أيضا باسم "ايه.اتش.ال.سي" وهي أحد الاسماء التي صيغت قبل ربع قرن في مفاوضات أوسلو. رسميا، هذا جهاز التنسيق الاساسي، على مستوى مقرري السياسات، الذي يناقش مساعدة التنمية الممنوحة للمناطق الفلسطينية المحتلة. 

عمليا، هذا هو الاطار الثابت الذي يعقد مرتين في السنة منذ 25 سنة، ويصادق على استمرار الطريقة: إسرائيل تقيد الجيوب الفلسطينية وتملي مسار من الجمود الاقتصادي في أحسن الحالات، وتدهور اقتصادي بشكل عام. الوسطاء يبحثون في الدعم المالي من الخارج وفي وسائل تقنية، مالية مختلفة للسلطة الفلسطينية، بحيث تخفف التداعيات الاقتصادية، الاجتماعية الشديدة للتقييد السياسي، الموجه للاقتصاد. باختصار، منتدى الـ "ايه.اتش.ال.سي" يبحث في تدعيم الاحتلال الإسرائيلي، اعفاء إسرائيل من واجب الاهتمام بالسكان الواقعين تحت الاحتلال، والتغطية عليها.

قبل ربع قرن تقريبا صاغت الاقتصادية الأميركية اليهودية سارة روي مفهوم "منع التنمية" لوصف كيف وإلى أين تدهور الاقتصاد في القطاع. وقد بدأت البحث في بداية الانتفاضة الاولى، أي أنها ناقشت السياسات في عهد الاحتلال الإسرائيلي المباشر، قبل وقت طويل من اقامة السلطة الفلسطينية. 

روي عاشت في حينه سنة في غزة مع زوجها الطبيب، الذي هو يهودي أيضا. يهوديتها وخلفيتها أيضا كابنة ناجين من الكارثة هي أمر هام بالنسبة لشهادتها. هذه توضح الصدمة التي شعرت بها ازاء الواقع الذي اكتشفته، والتي تمثلت بجرأتها في أن ترى قبل الآخرين، النية المقصودة، السياسة الإسرائيلية التي تقف خلف التدهور الاقتصادي. في التسعينيات كان وضع قطاع غزة فاخر مقارنة مع الآن.

هكذا لخصت روي معنى المفهوم الذي صاغته، في محاضرة القتها في جامعة بير زيت: "هذه عملية تمس بقدرة الاقتصاد على النمو والتوسع، بواسطة منع الوصول ومنع استخدام الموارد الحيوية لتطوير النمو الداخلي، بما يتجاوز مستوى هيكلي معين. خلافا لتقليل التطور الذي من شأنه أن يزعج التطور، لكنه لا يمنعه تماما، فإن المفهوم منذ البداية يستبعد، على المدى البعيد، امكانية كل عملية تطوير حتى جزئية ومجزأة. 

هي تدمر القدرة الاقتصادية على الانتاج. في قطاع غزة فإن منع التطور للقطاع الاقتصادي خلال العقدين الاولين من الحكم الإسرائيلي حول الاقتصاد إلى قوة مساعدة لدولة إسرائيل. الآن مع وجود التدمير الكثيف للقاعدة الاقتصادية في السنوات الخمس الاخيرة بشكل خاص، فإن التداعيات الكاملة، الاقتصادية – الاجتماعية، لمنع التطور تبرز بدرجة مؤلمة". هذا قيل قبل ثماني سنوات في تشرين الاول 2010. والوضع في الجيوب الفلسطينية في الضفة الغربية لا يختلف عن ذلك بصورة اساسية.

في جلسة الـ "ايه.اتش.ال.سي" غدا سيعود المندوبون ويناقشون وسائل لإبطاء الكارثة. منذ العام 1993 في ظل غياب الاستعداد الدولي لاستخدام ضغط سياسي على إسرائيل من اجل احترام القرارات الدولية، فإن تكتيك تدعيم الاحتلال يعتبر الوسيلة السياسية المناسبة والمضمونة لإقناع إسرائيل بالانسحاب من المناطق التي احتلتها في 1967 وتمكين الفلسطينيين من اقامة دولة فيها. المساعدات، حتى لو تقلصت وتضاءلت، كانت تعتبر جائزة دولية لإسرائيل، عن طريق اعطاء عجلة انقاذ اقتصادية وانسانية للفلسطينيين.

هذه المرة سيضاف إلى النقاشات متغير جديد، سيتحول إلى عنصر دائم: تحطيم الادوات من قبل الولايات المتحدة. في ظل ادارة ترامب ترفض واشنطن المشاركة في لعبة اعطاء التنفس الصناعي للاقتصاد الفلسطيني، وقد الغت مساعداتها للأغراض المدنية. أي أن الولايات المتحدة انتقلت من وضع اعطاء جائزة لإسرائيل بواسطة التخفيف عن الفلسطينيين إلى مرحلة الاستمرار في منح جوائز لإسرائيل عن طريق معاقبة الفلسطينيين. 

ترامب لا يخفي الهدف السياسي: الضغط على الفلسطينيين كي يوافقوا. على ماذا يوافقون؟ هذا ليس معروفا رسميا حتى الآن، لكن أن يوافقوا على كل ما يطلبه هو ونتنياهو منهم.