جان دارك الفلسطينية

الطفلة الفلسطينية عهد التميمي تتوسط شرطيتين من قوات الاحتلال أثناء محاكمتها في الأسبوع الماضي.-(ا ف ب)
الطفلة الفلسطينية عهد التميمي تتوسط شرطيتين من قوات الاحتلال أثناء محاكمتها في الأسبوع الماضي.-(ا ف ب)

هآرتس

اوري افنيري   31/12/2017


هي في سن 16 عاما، إبنة لعائلة فلاحين من قرية نائية، الاحتلال الاجنبي اثارها، خرجت للنضال ضده. أعمالها ادهشت ابناء شعبها المقموع، الذي ارتفعت روحه من اسفل اليأس إلى الأمل الجديد. لقد تم اعتقالها من قبل المحتلين الذين حاكموها.اضافة اعلان
أنتم بالتأكيد تعتقدون أنني أتحدث عن عهد التميمي التي قامت بصفع جندي من الجيش الإسرائيلي.
لكن لا، أنا أتحدث عن جان دارك، المعروفة بوصف "العذراء من اورليان".
هذا حدث قبل 600 سنة. جرت بين البريطانيين والفرنسيين في حينه حرب المائة عام. كان الغزاة البريطانيون هم المتفوقون. الفرنسيون كانوا يعتقدون أنه لا فإن أمل للانتصار – عندما حدث أمر عجيب.
في قرية نائية في شمال فرنسا قامت فتاة لعائلة فلاحين عمرها 16 سنة، وهي أمية، وأعلنت بأنها تلقت رسالة من السماء. لقد ألقى عليها الله مهمة انقاذ فرنسا. بطريقة ما نجحت في الوصول إلى بلاط الملك (الذي لم يتوج بعد)، وبطريقة ما اقنعته بإرسالها إلى جيشه الذي كان يقاتل على مدينة اورليان.
وهي تلبس الدرع وتحمل علم، وضعت نفسها على رأس المقاتلين المهزومين، وحمستهم إلى درجة أنهم نجحوا في المعركة الحاسمة على المدينة. لقد غيرت مصير المعركة وتسببت بانعطافة حاسمة. لقد بدأ الفرنسيون في الانتصار، و"العذراء من اورليان" وقفت إلى جانب الملك عندما توج.
لكن الحظ لم يحالفها. ففي زمن المعارك أسرت من قبل البريطانيين وحكموا عليها وقاموا بوضعها على المحك.
إذا كان البريطانيون اعتقدوا بأنهم تخلصوا من الفتاة المزعجة فقد اخطأوا خطأ تاريخيا، جان دارك أعلن عنها في الكنيسة الكاثوليكية كقديسة، لقد تحولت إلى الرمز الوطني لفرنسا، والنموذج الذي قدمته ألهب اجيالا من المقاتلين، تحت رايتها تحولت فرنسا إلى دولة عظمى عالمية. كبار الكتاب والفنانين كتبوا عنها أعمالا عظيمة.
الآن تعرف قضية "العذراء من اورليان" كواحدة من الاعمال الخرقاء الكبرى في تاريخ بريطانيا.
ولكن هل كان جميع قضاتها اغبياء؟ بالتأكيد لا، ربما كان بينهم مثقفون، سياسيون، قادة عسكريون ورجال دين. إذا كان الأمر هكذا فلماذا تصرفوا بغباء كبير جدا؟.
لم يكن لهم خيار. بعد مئات السنين قال احد النبلاء البريطانيين، اللورد اكتون: "السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة تفسد بصورة مطلقة". سأصحح ذلك وأقول "السلطة تتسبب بالغباء، والسلطة المطلقة تتسبب بغباء مطلق"، وليس هناك سلطة تتسبب بالغباء أكثر من سلطة الاحتلال.
من هنا عودة إلى الفتاة عهد التميمي ابنة الـ 16 من قرية النبي صالح.
كل العالم يعرف الآن اسمها. كل العالم شاهد صورتها. وهذه فقط البداية. التميمي تحولت أمام ناظرينا إلى جان دارك الشعب الفلسطيني. الإنترنت ينشر في ارجاء العالم صورتها البطولية، التي تحمل فيها علما فلسطينيا يرفرف.
جنود الجيش الإسرائيلي، الرائد والشاويش، تموضعا في ساحة بيتها. توجهت اليهما برفقة أمها وأختها وقاموا بشتمهما. هما لم يتحركا، قامت بضرب الضابط، وهو لم يتحرك. عندما صفعته على وجهه. وهو بدوره قام بحماية وجهه لكنه لم يتحرك.
هذا الضابط هو الشخص العاقل الوحيد في كل القضية. هو وزميله الشاويش تراجعا، احتلال عاقل كان سيتعامل مع كل القضية بسخرية. وهكذا كان يمكن أن تنتهي القضية. ولكن نظام الاحتلال غير مستعد لترك الامور بهذه الصورة، كما أن أبناء العائلة وثقوا الحادثة. الاحتلال لا يعرف السخرية. تم أخذ عهد من الفراش ليلا، وأمها وأختها أيضا. لقد تم عرضهن على قاض عسكري، قام بتمديد اعتقالهن. تم اعتقالها في ظروف مهينة، نقلت من سجن إلى آخر، ولم يسمح لها باستبدال ملابسها، في قاعة المحكمة وضع ثلاثة جنود أمام مقعد الأب كي لا يستطيع رؤية ابنته.
إن سلوك الجيش واضح. اراد معاقبة الفتاة "حتى تكون عبرة لغيرها". فتاة ضربت ضابطا في الجيش الإسرائيلي يجب أن تعاقب من اجل أن يأخذ عشرات آلاف الشباب والفتيات العبرة منها. في بلادنا لا يمكن احراق الفتيات، مثلما تم احراق جان دارك الاصلية. نحن اكثر انسانية، لكننا لسنا أكثر عقلانية، يمكننا فقط أن نسجن.
هذا العمل غبي بصورة مطلقة. آلاف وعشرات الآلاف من الشباب والفتيات الفلسطينيين يرون الصور وقلوبهم تمتلئ بالفخر. هذه واحدة منا تجرأت على الوقوف ضد الاحتلال، أنا أريد أن اكون مثلها.
هذا هو، السلطة المطلقة تتسبب بالغباء المطلق. وليس هناك ما نفعله.
عندما كنت في جيل عهد كنت اعمل في مكتب محامي خريج جامعة اكسفورد. كان بين الزبائن بعض رؤساء النظام البريطاني في البلاد، تقريبا كلهم كانوا أشخاصا مهذبين، تعاملوا معي، أنا الموظف الصغير، بأدب ولطف. وأنا الذي كنت في حينه عضوا في الايتسل، سألت نفسي مرات كثيرة: كيف يكون ذلك؟ أن اشخاصا لطيفين ومثقفين مثل هؤلاء يخدمون نظام احتلال غبي. الاجابة الوحيدة التي كان يمكن أن اقدمها لنفسي هي الصيغة التي عرضتها أعلاه حول مقولة اللورد اكتون.
الحكم البريطاني كان غبيا. كل خدمه، حكام، ضباط وقضاة، تصرفوا بغباء. معظمهم كانوا مثقفين ولطفاء، حكم عليهم التصرف بغباء، لأن هذه هي طبيعة من يحكم شعبا آخر. ليس امامهم خيارا.
عهد التميمي وكأنها اختيرت من قبل قوة عليا للمهمة التي تقوم بها، هي شقراء مثل كثيرات من أبناء  قريتها، زرقاء العينين وشجاعة، ان التنكيل بها في السجن فقط يزيد التأثير على ابناء جيلها الموجودين تحت الاحتلال.
أنا على يقين أنه في اوساط من يديرون الاحتلال في المناطق الفلسطينية، المدنيين والضباط،  فإن  اذكياء كثيرون، لكن لا  فإن  لهم خيارا، الاحتلال يتسبب بالغباء. في النهاية الغباء سيتسبب لنا بالانهيار.