جبهة يهودية عربية لمكافحة الضم

فلسطينيو 48 في واحدة من تظاهراتهم ضد سياسة إسرائيل العنصرية-(ا ف ب)
فلسطينيو 48 في واحدة من تظاهراتهم ضد سياسة إسرائيل العنصرية-(ا ف ب)

هآرتس

البروفيسور دانييل بالتمان*

12/5/2017

بدأ يوم الاستقلال باحتفال الازدواجية الاخلاقية لإحياء 50 سنة على الاحتلال الذي بدأ في 1967. والتتمة ستأتي في يوم القدس الذي يحيي عمليا اقامة الصيغة الإسرائيلية لبلدات السويتو المجاورة ليوهانسبورغ التي كانت الرمز الاكبر للابرتهايد. لقد أصبح الاحتلال الإسرائيلي في 50 سنة وجوده الاستيطان الاستعماري المنفلت العقال في مجال الوجود الضيق المتبقي للشعب الفلسطيني. فإلى جانب النتيجة الاكثر مأساوية للحرب اياها – الاحتلال المستمر والظلم الذي تحيقه إسرائيل بالفلسطينيين -  توجد قصة اخرى: 50 سنة من الكفاح ضد الاحتلال. لقد شهد هذا الكفاح فترات مختلفة، وغير مرة تعرض لمظاهر السخرية من جانب المشككين، بمن فيهم اولئك الذين لسبب ما يسمون انفسهم رجال اليسار. من جانب محافل اليمين اصطدم الكفاح بطوفان من الكراهية، التحريض والعنف.اضافة اعلان
بسبب الخوف العميق في اليمين من المعارضين القلائل للاحتلال – نشطاء من عدة منظمات شجاعة، مثل "نحطم الصمت"، "بتسيلم"، "يوجد حد"، "محسوم ووتش"، مقاتلون في سبيل السلام"، "تعايش" وغيرها – يتخذون الناطقون بلسانه ضدهم لغة منفلتة العقال وتحريضية ويعتبرونهم خونة وطابورا خامسا. ويذكرنا هذا التحريض احيانا باقوال انطلقت في المانيا في بداية عهد النظام النازي. وأبدعت في ذلك نائبة وزير الخارجية تسيبي حوتوبيلي، ووزير الدفاع افيغدور ليبرمان. اللذين بسبب جهلهما لن يعرفا، على ما يبدو، بانهما يكرران اقوالا قالها الناطقون بلسان الحكم في المانيا في 1933، ممن دعوا إلى القتال ضد الاعداء الخارجيين والاعداء الداخليين للدولة. في حينه كان هؤلاء هم اساس البلاشفة السوفييت واليهود الالمان. اما عندنا فيقصد محرضو اليمين، حماس، والمنظمات المكافحة ضد الاحتلال.
لا غرو أن هذا التداعي الفكري لم يثر صرخات النجدة من النوع الذي أثاره مقال يوسي كلاين في "هآرتس". فمسموح تشبيه "نحطم الصمت" بحماس، في ظل التلميح بانهما اعداء ابناء موت. ولكن تشبيه المسيحانية الدينية الفاشية والعنيفة بحزب الله – هذا محظور لا سمح الله.
إن وجه الشبه التاريخي لا ينبغي أن يكون مفاجئا. فالمكافحون ضد الاحتلال هم اقلية صغيرة وعديمة القوة السياسية الحقيقية، وكل وجودها يعتمد على تضامن دوائر في المجتمع لا تسير اسيرة خلف موجات التحريض، ومحافل دولية خارجية. ولكن في الحالتين في إسرائيل اليوم وفي المانيا في حينه فإن "الاعداء من الداخل" هم الرمز الذي يثبت على الملأ بان ما تفعله الدولة هو غير قانوني وغير اخلاقي على نحو ظاهر. هم صوت الضمير في المجتمع الذي فقد ضميره، وعملهم هو النقيض لنظام الاضطهاد. هذا ما يجعلهم خطرين ومهددين بهذا القدر.
رغم العداء العميق تجاه العرب، والذي يتغذى بنزاع دموي مع منظمات المقاومة الفلسطينية التي اتخذت اعمال" الإرهاب الاجرامي ضد الأبرياء"، فقد نجح النشطاء المتفانون في 50 سنة مقاومة للاحتلال في ان يغرسوا في الوعي الإسرائيلي الحاجة إلى تصفيته. في ذات الطريق كان هؤلاء قلة من الافراد، مثل غيورا نويمن، غادي الغازي، اوري افنيري، عاموس كينان، دان بن آموتس، حانوخ لفين، البروفيسور يشعياهو ليفوفيتش وآخرين، وكذا منظمات صغيرة مثل "مستبين"،"سيح"، "حركة السلام والامن"، "حداش" "وهعولام هزيه – قوة جديدة".
ترفع الشعلة اليوم فتيات شابات، رافضات الضمير، تئير كامينار، تمار زئيفي، تمار الون وعتاليا بن آفا. لرفضهن عنصرا جديدا لم يكن قائما تقريبا في اوساط المكافحين ضد الاحتلال قبل 20 أو 30 سنة. لقد كانت مسألة رفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي اشكالية، في اوساط مقاومي الاحتلال ايضا كاد الاعتقاد لان الحديث يدور عن وضع قابل للتراجع، وان الخدمة في الجيش الإسرائيلي هو واجب مبدئي يجب القيام به. اما اليوم فهذا ليس الوضع. بعد 50 سنة من الأيام الستة يصبح الاحتلال ضما استعماريا وحشيا، يخلق أبرتهايد في الضفة والغيتو مغلق في غزة. في هذا الواقع، فان طريق الفتيات الرافضات ليس شرعيا فقط، بل ومبررا اخلاقيا. ولكن هذا بعيد عن ان يبعث الامل في تطوير حركة كفاح حقيقية ضد الضم. بعد 50 سنة من الكفاح خارج البرلماني الشجاع يجب التفكير ايضا بالاستخدام العاقل للادوات البرلمانية. في الكنيست لا تعمل اليوم سوى قائمتين تواظبان على المعارضة التي لا هوادة لها للضم: ميرتس والقائمة المشتركة. هذان هما الحزبان الوحيدان اللذان يضعان على رأس جدول أعمالها الكفاح ضد التهديد الوجودي الاكبر الذي يربض على ابواب إسرائيل – تحولها إلى دولة أبرتهايد عنصرية وعنيفة.  وبالمناسبة، فان كل واحدة من هاتين القائمتين لا تحظى بالدعم الا من بين ابناء جماعة قومية ودينية واحدة من الشعبين اللذين يعيشان هنا. ولكن بدون شراكة بين ممثلي الشعبين، لن يكون ممكنا التقدم بنجاعة في حل يسعى إلى انهاء الاحتلال ويوقف الضم.
ترى ميرتس والقائمة المشتركة بانسجام معظم المواضيع التي على جدول اعمال المجتمع الإسرائيلي. ممثلوهما يتشاركون في معظم اوجه الكفاح في مجالات المجتمع والرفاه الاجتماعي والمساعي لحماية الديمقراطية المنهارة في إسرائيل. واقامة جبهة كفاح مشتركة لا تعني اننا ملزمون بأن نتفق على كل شيء. في الماضي عرفت منظمات تقاوم الاحتلال كيف تتعاون في حالات مختلفة رغم عدم الاتفاق في مواضيع معينة. ولكن منذ 1967 لم تكن حاجة اكثر من اليوم لاقامة اطار كهذا، قبل لحظة من ان يؤدي الضم، السلوك الاستعماري والمسيحانية القومية لإسرائيل إلى الانزلاق نحو ارتكاب جرائم حرب فظيعة اكثر بكثير.
إن التاريخ اليهودي بالذات يمكنه أن يعلم فصلا هاما معارضي الضم المترددين لاقامة جبهة كفاح مشتركة. ففي أواخر الثلاثينيات، طرح على البحث في الاحزاب اليهودية في بولندا مسألة التعاون في الكفاح ضد اللاسامية المتصاعدة في الدولة. وكان مثل هذا التعاون يعتبر رؤيا شبه طوباوية إذ كان هناك ارثوذكسيون من اعضاء اغودات يسرائيل، صهاينة، اشتراكيون ومناهضون للاشتراكيين، بونديون يعارضون الصهيونية بعناد، ومنظمات وجماعات اخرى ذات مصالح مختلفة. ورغم كل الخلافات عرف الجمهور اليهودي كيف يتعاون ويعمل ضد التهديد الوجودي على الجماعة اليهودية.
لشدة الأسف، فان ائتلافا يهوديا عربيا كهذا لمكافحة الضم لم يقم بعد في إسرائيل. شخصيات كزهافا غلئون، وايمن عودة، يمكنها أن تكون من يقيم هذه الجبهة ويقودها. وحسمهم الشجاع من شأنه ان يبعد عن التجمع الجديد الناشئ محافل غير مرغوب فيها توجد في الحزبين، ولكن لمثل هذه الجبهة طاقة كامنة هائلة لاجتذاب جماعات جديدة من الشعبين، ولادخال هبة ريح منعشة لصفوف الكفاح.
فضلا عن ذلك، فإن مثل هذا الائتلاف يمكنه أن يشكل بنية تحتية للتنظيم اللازم لمواجهة الخطر الاكبر الذي قد يكون يكمن من خلف الزاوية: محاولة اليمين جعل إسرائيل دولة مركزية تصفي الديمقراطية، تحل منظمات المقاومة وتدفع إلى الامام اجراءات اجرامية اكثر فأكثر في  المناطق. هذا وضع سيتطلب كل القوى المقاومة لاتخاذ قرار من النوع الذي اتخذه ابراهام لينكولن في 1861، حين قال لابناء شعبه بشجاعة بانه توجد لحظات في تاريخ الامة يكون فيها الشرخ والحرب الاهلية افضل من تخفيض الرأس والاستسلام لروح الوحدة المرفوضة، باسم قيم غير انسانية. ففي نهاية المطاف، هل الخطر الوجودي الكامن في الضم للشعبين اللذين يعيشان هنا اصغر من الخطر الذي حدق بيهود بولندا من اللاسامية المتصاعدة في الدولة في الثلاثينيات؟

*مؤرخ في الجامعة العبرية