حماس والحرب الداخلية

قوات عز الدين القسام الجناح العسكري لحماس خلال مشاركتها في أحد الاحتفالات بغزة - (اف ب)
قوات عز الدين القسام الجناح العسكري لحماس خلال مشاركتها في أحد الاحتفالات بغزة - (اف ب)


هآرتس

عاموس هارئيل  5/8/2016

اعتقال محمد حلبي، من سكان جباليا في قطاع غزة، الذي ترأس الفرع المحلي لمنظمة انسانية كبيرة باسم "وورلد فيجن"، أدى إلى اغلاق عملية استخبارية طموحة تابعتها حماس في السنوات الـ12 الاخيرة. لائحة الاتهام التي تم تقديمها أمس ضد حلبي في المحكمة المركزية في بئر السبع، تُبين أن الذراع العسكرية لحماس زرعت حلبي عن قصد، وهو مهندس، في صفوف المنظمة الدولية من اجل استغلال الاموال والبضائع التي دخلت إلى القطاع، وسرقتها من اجل احتياجات حماس.اضافة اعلان
"الشاباك" الذي اعتقل حلبي في معبر إيرز في 15 حزيران الماضي، اعتقد أنه في السنوات الستة الاخيرة، ومنذ تعيينه لفرع غزة، سرق حلبي عشرات ملايين الدولارات التي أعطيت للذراع العسكرية ونشطائها.
الكشف عن هذه القضية قد يضر بحماس في عدة مجالات. أولا، الامر سيثير الاشتباه المبرر لدى منظمات المساعدة الدولية التي تعمل في غزة تجاه الموظفين المحليين، الأمر الذي سيؤدي إلى تشديد الرقابة على اجراءات نقل الأموال، مما سيجعل استمرار سرقة الاموال امرا صعبا. ثانيا، حماس تبنت على مدى السنين صورة المنظمة نظيفة اليدين، وأنها خلافا للسلطة الفلسطينية لا تقوم بخداع السكان وأن المسؤولين فيها لا يأخذون الأموال لجيوبهم. في هذه الحالة صحيح أن حلبي اعترف في التحقيق معه بالسرقة لصالح الذراع العسكرية للمنظمة، لكن "الشاباك" يقول إن لديه اعترافا وأدلة حول تحويل الأموال وعلى حساب السكان من أجل مساعدة عائلات نشطاء الذراع العسكرية.
تقديم لائحة الاتهام ينضم إلى الادعاءات التي تسمع في غزة منذ سنوات حول جباية الضرائب من الجمهور لتمويل نشاطات حماس. كانت هذه مسألة محرجة للحركة. وتستطيع إسرائيل أيضا استغلال الأمر أمام المنظمات الدولية مثل وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة "الاونروا" والمطالبة بتشديد الرقابة على حماس. ومع ذلك عليها أن تسير بحذر من أجل عدم إحداث أزمة شاملة مع المنظمات، حيث أن مئات آلاف السكان في غزة يعتاشون منها، الأمر الذي قد يؤثر على التهدئة الأمنية النسبية.
رغم الكشف الأخير، فإن التقديرات لدى الأجهزة الأمنية تقول إن توجه حماس ليس الحرب في الصيف الحالي. إعادة اعمار القطاع في اعقاب عملية الجرف الصامد تتم بشكل بطيء جدا. منذ انقلاب الجنرالات في القاهرة قبل ثلاث سنوات، لم تعد حماس تجد التأييد الاستراتيجي المصري، وهي تجد صعوبة في إقامة علاقات بديلة مع دول أخرى (تركيا، ايران، السعودية وقطر)، رغم أن هناك محاولات في جميع الاتجاهات. أيضا القدرات العسكرية ماتزال محدودة، لا سيما في مجال الصواريخ قصيرة المدى. منذ دمر المصريون معظم الانفاق بين سيناء ورفح توقف تهريب السلاح الذي كان يصل من ايران، واضطرت حماس إلى الاعتماد على صناعة الصواريخ المحلية التي تعتبر قوتها ودقتها محدودة نسبيا. لذلك يحتمل أنه اذا اندلعت مواجهة عسكرية اخرى مع إسرائيل في الاشهر القريبة، سيكون ذلك بسبب تدهور موضعي وليس مواجهة مخطط لها من أحد الأطراف.
يبدو أنه في الخلفية جدل داخلي في قيادة حماس. قيادة الذراع العسكري، يحيى سنوار، أحد محرري صفقة شليط، هو الآن الشخصية الأكثر فعالية في صفوف الذراع العسكري، وهو على خلاف مع رئيس المكتب السياسي لحماس، خالد مشعل، الذي يعيش في قطر، في عدد من الامور. السنوار وزملاءه يريدون استئناف العلاقة مع ايران، التي ضعفت بسبب الحرب الاهلية في سوريا، وتخصيص أموال أكثر لقطاع غزة على حساب الضفة الغربية. ويخشى مشعل من أن التقرب من ايران سيصعب على حماس المناورة أمام الدول السنية. مشعل الذي أصله من قرية سلواد قرب رام الله، يريد إدخال المزيد من الاموال إلى الضفة على أمل زيادة العمليات ضد الإسرائيليين هناك واضعاف مكانة السلطة الفلسطينية. الكشف عن خطة شبيهة لحماس في أيار 2014 واعتقال عشرات الأشخاص من الحركة في الضفة الغربية من قبل إسرائيل، أدى إلى تقوية التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ودفع رئيس السلطة محمود عباس إلى اتخاذ خط معادي لحماس في ذروة الحرب في غزة، بعد شهرين.
في الشهر الماضي تم التوصل إلى اتفاق، ليست كل تفاصيله معروفة، حول نقل 30 مليون دولار من قطر لقطاع غزة من اجل دفع رواتب موظفي الدولة هناك. لن يتم إعطاء الأموال مباشرة لحكومة حماس، بل سيتم الدفع على كل عامل على حدة. يمكن أن هناك اتفاق حول تجنيد دول اخرى في الخليج لدفع الرواتب في الاشهر القادمة. هذه الخطوة أيضا من المفروض أن تساعد على تهدئة الوضع في غزة. وإسرائيل توافق على ذلك من خلال صمتها.
بالمقارنة مع سلوكها عشية اندلاع الحرب قبل سنتين، يبدو أن الحكومة والاجهزة الامنية في إسرائيل تهتمان اكثر بتأثير الازمة الاقتصادية في غزة على التطورات في الساحة العسكرية. في السنتين الاخيرتين وسعت إسرائيل عبور البضائع إلى القطاع. في كرم أبو سالم تمر يوميا 600 إلى 1000 شاحنة، لكن الحركة الكبيرة في المعبر، في الزاوية الجنوبية للقطاع، أكبر من أن تستوعبها البنية التحتية القديمة في شارع 232، التي تخدم معظم السكان في غلاف غزة. قوافل الشاحنات تشكل خطرا على المسافرين الآخرين، وتتسبب بأزمات مرورية وتعمل على تخريب الشارع نفسه. في الوقت الحالي يتضح وجود حل جزئي. مكتب منسق شؤون المناطق بدأ في استخدام معبر ايرز في شمال القطاع، من اجل نقل البضائع.
نشأ مؤخرا خلاف بين منسق شؤون المناطق والشاباك حول سياسة تصاريح الخروج من القطاع. منسق شؤون المناطق زاد عدد الخارجين من رجال الاعمال ومن اجل العلاج الطبي، في محاولة لتقليص اضرار الحصار على غزة. ويتم منح التصاريح بموافقة الشاباك من الناحية الأمنية إذ كان الشاباك يتعاون حتى الفترة الاخيرة إلى أن اكتشف أن بعض الخارجين، والذين ليس لهم ماض امني، تم استغلالهم من قبل حماس لنقل الرسائل واحيانا لنقل الاموال للنشطاء في شرقي القدس والضفة الغربية. لذلك شدد الشاباك من عملية الفحص عند الخروج من القطاع وسحب تصاريح خروج رجال اعمال واعتقل عدد من المشبوهين، الامر الذي دفع الفلسطينيين إلى الشكوى من التشديد الذي لا لزوم له والذي تحدثت عنه هنا عميرة هاس.
هذه القصة هي عبارة عن تلخيص للتورط الإسرائيلي الفلسطيني: إسرائيل لا تستطيع الفصل بين حماس في قطاع غزة وبين السلطة الفلسطينية في الضفة، رغم أنها ربحت مكاسب سياسية كبيرة من الانفصال المتواصل في المعسكر الفلسطيني. ولكن حينما تخفف إسرائيل الضائقة والضغط على القطاع فانها تعطي حماس ثغرة يتم استغلالها ليس فقط للاعمال الارهابية ضدها، بل السعي من أجل اضعاف السلطة الفلسطينية في الضفة.
في الساحة الفلسطينية الداخلية، القصة الاكبر تتعلق بالانتخابات للبلديات والمجالس المحلية التي ستجرى في 18 تشرين الاول. من المفروض أن تتم الانتخابات بالتوازي في أكثر من 400 بلدية ومجلس في ارجاء الضفة والقطاع. يبدو أن عباس قد جر اليها دون تفكير كافٍ. الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لم تتم في المناطق منذ أكثر من عشر سنوات، إذ فاجأت حماس في حينه السلطة وفازت في انتخابات المجلس التشريعي في كانون الأول 2006.
وفي 2012 أجريت الانتخابات الوهمية للبلديات في الضفة. وقررت حماس عدم المشاركة فيها، وكانت فتح لا تحظى بالشعبية الكبيرة، حيث قيل إن فتح خسرت أمام نفسها في بعض المدن. ومنذ ذلك الحين مرّت أربع سنوات وعباس الذي اعتقد كما يبدو أن حماس لن تشارك هذه المرة أيضا، قرر المراهنة والاعلان عن انتخابات جديدة. لكن حماس فاجأت وأعلنت عن موافقتها. يبدو أن حماس في الضفة ستفضل الترشح في قوائم مشتركة مع سياسيين لا ينتمون لها بالضرورة، لكن يكفي أنها ستشكل تهديدا حقيقيا على مكانة السلطة الفلسطينية.
معظم قادة السلطة الفلسطينية يظهرون الثقة بأنهم سيفوزون في الانتخابات. إلا أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أقل ثقة من ذلك. في عدة لقاءات تمت مؤخرا حذر الإسرائيليون نظراءهم في السلطة الفلسطينية من أن معسكر عباس قد يهزم. تستطيع حماس استغلال الانتخابات لزيادة تأثيرها السياسي في الضفة وزعزعة مكانة السلطة وزعيمها المسن.
نظريا، استطاعت إسرائيل وضع عقبات بيروقراطية كبيرة على اجراء الانتخابات. ولكن هذه الخطوة أيضا تحمل المخاطر. التدخل الإسرائيلي في العملية الديمقراطية لدى الفلسطينيين لن يجد التشجيع في المجتمع الدولي.
يبدو أن دخول حماس إلى الانتخابات أثار التساؤل في اوساط قادة السلطة حول صحة الخطوة، لكن الامر لم يغير من اهتمام عباس نفسه. فالرئيس الفلسطيني لا يعلق الآمال على استئناف المحادثات السياسية مع حكومة نتنياهو. وعلى سلم اولوياته مقارعة إسرائيل في الساحة الدولية، المبادرة الفرنسية التي قد تتدحرج إلى مجلس الامن بعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة في تشرين الثاني القادم، قد تعطيه الورقة الاساسية. لكن حتى ذلك الحين يهتم أبو مازن بعدد من المبادرات الغريبة ضد إسرائيل ومنها تسميم الآبار في الضفة والاعلان المفاجئ حول نية السلطة تقديم دعوى ضد بريطانيا بسبب اضرار وعد بلفور. كل ذلك جعل إسرائيل تفكر في حملة مضادة، لكن في الوقت الحالي يبدو الزعيم الفلسطيني العدو الاكبر لنفسه. وفي الخلفية يستمر صراع الوراثة في السلطة، الذي كان حتى قبل سنة من وراء الكواليس بسبب الحظر الذي فرضه عباس. إن حقبة أبو مازن والجيل القديم قد انتهت. لكن الخبراء في الاستخبارات الإسرائيلية والفلسطينية لا يمكنهم معرفة من سينتصر من بين المتنافسين على الرئاسة.
تراجع منسوب الارهاب، رغم العمليات الدموية بين الفينة والاخرى، يسمح أيضا بالتعاطي مع هذه الامور. جميع هذه التطورات يشاهدها وزير الأمن الجديد، أفيغدور ليبرمان، الذي يبدو أمام الاجهزة الامنية والعسكرية كمن يبحث عن أجندة ملحة في المناطق مع رافعة للتأثير. غياب الاستقرار السياسي والحراك الذي لا يتوقف من مكتب نتنياهو يضع استمرار ولاية نتنياهو الحالية موضع الشك. على ليبرمان أن يترك بصمته، وهو يهتم بما يحدث في المناطق أكثر من اهتمامه بالمسائل الامنية الاخرى. والسؤال هو هل سيقرر بنفسه هز السفينة المتصدعة، وماذا ستكون نتيجة خطوة كهذه.