خضرعدنان ناضل وحده وكشف صعوبة خروج الفلسطينيين لكفاح مشترك

هآرتس

بقلم: عميره هاس

اضافة اعلان

خضر عدنان لم يكن ذا طبيعة انتحارية، بل العكس. فهو شخص متفائل وبصورة متطرفة: في كل واحد من الاضرابات عن الطعام التي قام بها في الـ18 سنة الأخيرة افترض أنه سيكون هناك شخصا مسؤولا في جهاز الحكم الإسرائيلي يريد منع موته، لذلك سيسعى إلى إجراء اتفاق مهذب.
خمس مرات أثبت فيها التفاؤل نفسه، لكن عدنان كان متفائلا جدا. فجميع الجهات الرسمية في إسرائيل التي عرفته، مركزيو الشاباك الذين يتابعون أي حركة له ويأمرون باعتقاله والقادة في الجيش والضباط في مصلحة السجون والأطباء، جميعهم عرفوا إلى أي درجة هو مصمم وقوي في قراره مواصلة الإضراب عن الطعام.
كل واحد منهم عرف أن وضعه الصحي سيء، ولا سيما لشخص عمره 44 سنة. فهو كان يعاني من الانيميا بسبب مرض وراثي، والإضرابات السابقة عن الطعام التي قام بها سببت له تعقيدات اقتضت إجراء عمليات عدة.
حقيقة أنه وصل إلى 86 يوما بدون طعام وبدون دواء، وهذه الفترة الأطول التي أضرب فيها، تدل سواء على تصميمه أو على قرار معروف للسلطات الإسرائيلية بعدم تقديم أي تنازلات له حتى لو انتهى الأمر بوفاته.
تصميم عدنان الاستثنائي كانت السلطات تعرفه أيضا. فمن بين نحو ألف فلسطينيا يوجدون الآن في الاعتقال الإداري في إسرائيل، هناك عدد منهم أطلق سراحهم في السابق من الاعتقال الإداري في أعقاب الإضراب عن الطعام. إطلاق سراحهم عرض واحتفل به الفلسطينيون كانتصار.
ولكن بعد فترة قصيرة أمر الشاباك مرة أخرى باعتقالهم، ومرة أخرى دخلوا إلى دائرة عدم اليقين من الاعتقال بدون موعد لإطلاق سراح معروف ومؤكد. معظمهم لم يعودوا إلى الإضراب عن الطعام.
هم جربوا على جلودهم ليس فقط صعوبة التدهور في الصحة بعد ذلك، بل أيضا ضعف كل المنظومة الفلسطينية، التي لا يمكنها فعل أي شيء إزاء السهولة التي ترمي بها إسرائيل الناس في الاعتقال حتى بدون أي مظاهر قانونية (أي لائحة اتهام تقدمها النيابة العامة العسكرية).
منذ العام 1967 كانت إضرابات جماعية للسجناء الفلسطينيين، جميعها ضد ظروف الاعتقال الصعبة.
في نهاية العام 2011 كان عدنان أول من بدأ بالإضراب الشخصي الفردي عن الطعام ضد الاعتقال الإداري. وبسبب أنه الأول الذي فعل ذلك فقد حظي بالاهتمام الكبير.
وقد أطلق سراحه وبعد ذلك اعتقل إداريا لمدة ثلاث سنوات (ومرة أخرى في العام 2018 ومرة أخرى في العام 2021). إضرابه عن الطعام اعتبر دائما انتصارا لأنه أطلق سراحه لفترة قصيرة بعد انتهاء الإضراب وحصل على تعاطف كبير من الجمهور.
آخرون ساروا في أعقابه وبدأوا بإضراب فردي عن الطعام، وبالتدريج امتدت فترة التجويع الذاتي لكل واحد منهم حتى إلى أكثر من مائة يوم، إلى أن وافق الشاباك على إعطاء وعد بأن أمر الاعتقال الإداري لن يتم تمديده.
لكن في هذه المرة عدنان لم يتم اعتقاله إداريا. يبدو أن المنظومة العسكرية استنتجت العبرة.
فهي لن تتنازل عن قدرتها في حرمانه مرة تلو الأخرى من حريته وفصله عن عائلته وتشويش حياته. هي فقط كتبت لائحة اتهام أخرى، التي ليس من الصعب إصدارها في نظام احتلال يقوم بطبيعته على المحظورات.
لائحة الاتهام ضد عدنان قدمت بسبب العضوية في منظمة غير قانونية وبسبب التحريض.
ليس بسبب تنفيذ عمليات تخريبية أو استخدام السلاح أو حتى حيازته. ولو أنه اعترف لكان ربما سيحكم عليه مدة سنة أو أكثر بقليل، لكنه قرر تحدي النمط المعياري المزيف لمنظومة القضاء العسكري في إسرائيل، التي لها قوة غير محدودة لحرمان آلاف الفلسطينيين من الحرية حتى بسبب التحدث أو إبداء الرأي أو المشاركة في لقاء أو استقبال أسير محرر أو مكالمة هاتفية أو تبرع تم نقله للتعليم أو العلاج لأبناء السجناء أو نشيط في منظمة مسلحة تم قتله.
أي فلسطيني اعتقل ذات مرة بسبب هذه المخالفات الخطيرة، مثل التعبير عن الموقف أو المشاركة في مظاهرة أو في لقاء أو كتابة منشور عدائي في الفيسبوك (الذي يغطي بشكل عام على الكثير من العجز) أو استنادا لتجريم كاذب – فهم بسرعة قواعد اللعب. فكلما سارع إلى الاعتراف بالتهمة فإنه ستكون فترة سجنه قصيرة، لأنه حتى "إطلاق السراح حتى انتهاء الإجراءات" هو سلعة نادرة جدا في جهاز القضاء العسكري.
الشاباك والشرطة والنيابة العسكرية استغلوا ويستغلون بشكل جيد القوة المحددة لهم لسلب الحرية حتى من الفلسطينيين غير المشتبه بهم أبدا باستخدام السلاح أو حتى رشق حجر. الهدف هو سياسي واضح من أجل شل وإسكات أي محاولة للاحتجاج والانتظام، التي تنحرف عما تسمح به إسرائيل لحركة فتح والسلطة الفلسطينية بفعله (بشكل عام إطلاق الكثير من الشعارات الفارغة والمظاهرات قليلة الحضور ضد البؤر الاستيطانية العنيفة، التي في أفضل الحالات تنتهي بمصابين بسبب إطلاق الرصاص المطاطي).
هكذا فإن الكثير من المبادرات والافكار لنشاطات سياسية ضد الحكم العسكري الإسرائيلي القسري على الفلسطينيين تسقط بسرعة أو لا تنضج بسبب الخوف من اعتقال مؤكد أو تنكيلات أخرى.
عشرات آلاف المتظاهرين الإسرائيليين ضد الانقلاب النظامي يحذرون في كل أسبوع من أن تسييس سلطات القانون وجهاز القضاء وعدم الحفاظ على فصل السلطات ستمكن، ضمن أمور أخرى، من المضايقات السياسية.
ولكن الفلسطينيين في المناطق التي احتلت في العام 1967 يعيشون مثل هذا التسييس، عدم فصل السلطات في أي لحظة خلال 56 سنة. النظام العسكري الإسرائيلي الذي فرض عليهم هو ايضا السلطة التنفيذية التي يسمح لها بمصادرة ممتلكاتهم وأراضيهم واقتحام بيوتهم وتقييد حرية حركتهم.
ايضا السلطة التشريعية (القائد العسكري يقوم بإصدار الأوامر ويصوغ فيها نوعية الجرائم)، أيضا السلطة القضائية (النيابة العسكرية والقضاة العسكريين).
لذلك فإن مبادرة المتوفى عدنان إلى الكشف (بواسطة جسده الجائع) عن الظلم الأساسي الذي يوجد في جهاز القضاء العسكري والسهولة التي يحرم فيها حرية الإنسان – هذه المبادرة منطقية وفي مكانها، بدرجة لا تقل عن أنها شجاعة. المشكلة هي أن عدنان قد اختار مرة اخرى طريقة النضال الخاصة والفردية. هذه كانت ايضا رسالة بخصوص غياب المجموع. نعم، في أعقاب إضرابه عن الطعام من 2011 الى 2012 تم الإعلان عن إضراب عام عن الطعام للسجناء الفلسطينيين للمطالبة بوقف الاعتقال الإداري وتحسين ظروف الاعتقال التي ساءت مع مرور الوقت.
هذا الإضراب كان له نجاحا معينا. فمن بين 310 معتقل إداري في كانون الثاني (يناير) العام 2012 انخفض عددهم في تشرين الثاني (نوفمبر) من السنة نفسها إلى 160 معتقلا.
ولكن بعد ذلك عاد الرقم وارتفع. الإضراب عن الطعام يعتبر تحديا صعبا، الذي فقط قلائل يمكنهم الصمود فيه، وبالتأكيد إذا كان الأمر يتعلق بشباب حكم عليهم ببضعة أشهر.
إضافة إلى ذلك فإن الضعف السياسي الفلسطيني، سواء في التنظيمات نفسها بسبب الشرخ بين نظامين فلسطينيين متعاديين أو إزاء إسرائيل، يؤثر بشكل سيء أيضا على قدرة السجناء على العمل بشكل جماعي.
عدنان اختار مرة أخرى الإضراب عن الطعام، بشكل فردي وذلك لأنه لم يوافق على تشويش حياته وسلب حريته، ولأنه يبدو أن الاجهزة السياسية والمدنية الفلسطينية تأقلمت مع عدم وجود خيار آخر لهذا الواقع. هل كان يأمل في أن يشكل الإلهام للآخرين الذين سيحذون حذوه؟. نحن لا نعرف.
أرملته عبرت عن خيبة الأمل من أن إضرابه لم يحصل على التضامن الجماهيري الذي يستحقه. ولكن هذا بالضبط هو الشرك.
فمن جهة إضراب الأشخاص المنفردين عن الطعام الذي يتكرر يفقد مع مرور الوقت قوة الجذب وتجنيد الرأي العام. ومن جهة أخرى، الحديث لا يدور عن جمهور يعيش حياة طبيعية، وأن الاعتقالات التعسفية هي الظلم الوحيد الذي يجب الاحتجاج ضده.
حيث أنه طوال حياتهم الفلسطينيون يخضعون لتعسف وفظاظة النظام الإسرائيلي والقوة المطلقة التي يستخدمها ضدهم. الجميع يعانون من عجزهم وعجز منظومتهم السياسية من أجل الخروج مرة أخرى لنضال جماهيري شعبي يذكر العالم أن واقعهم الذي يعيشون فيه لا يعتبر واقعا عاديا.