دولة فلسطينية أولا

هآرتس

ديمتري تشومسكي   5/6/2017

في نهاية 50 عاما لسيطرة إسرائيل على الشعب الفلسطيني، يمكن أن نلاحظ وجهي شبه مركزيين بين مقاومي الاحتلال الإسرائيليين في عصرنا والحركة الصهيونية في بداية طريقها. فأحد الأهداف المركزية الأولية للصهيونية كان التحرير الذاتي للشعب اليهودي من الاستعباد الثقافي والروحي لأمم العالم. هكذا فان الغاية العميقة للمقاومة الإسرائيلية للاحتلال تنغرس هي ايضا في موضوع التحرير الذاتي: تحرير إسرائيل من الاستعباد الوطني الذي تستعبد فيه الفلسطينيين.اضافة اعلان
مع أنه لا يحتمل أي تواز اخلاقي بين الاحتلال والمحتل، ولكن في شيء واحد يمكن استخلاص حكم متساو بينهما: مثل الشعب المحتل، فان شعب الاحتلال ايضا لا يكون حرا في تقرير مصيره ومستقبله. مثل الفلسطينيين الخاضعين للحكم المباشر وغير المباشر للسيد الإسرائيلي (ومثل الاقلية اليهودية في كل الاماكن في المنفى عشية ظهور الصهيونية) فإن السيد الإسرائيلي أيضا بعيد، في حقيقة الامر، عن أن يكون سيد نفسه بكل معنى الكلمة.
كما يجدر بالقامعين، فإن الإسرائيليين يعيشون في خوف دائم من ثورة المضطهدين وثأرهم. فغياب حدود سياسية آمنة يعظم احساس الآنية الذي يشبه احساس المنفى للوجود الإسرائيلي – احساس يعكس النقيض التام للرؤيا الصهيونية. الوضع السياسي القومي المشوه هذا، وضع المنفى في ظل السيادة، والذي يتعارض مع التطلع الاساس للحركة الصهيونية في الوضع الطبيعي القومي، يمكن ان يلغى فقط مع انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية قابلة للعيش إلى جانب إسرائيل. من هنا إذن وجه الشبه بين الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي الآن وكفاح الصهيونية لتحقيق تقرير المصير للشعب اليهودي في الماضي.
ان وجه الشبه بين الصهيونية في بدايتها وبين منظمات الكفاح الإسرائيلي ضد الاحتلال والاستيطان واضح ليس فقط في الاهداف بل وايضا في البحث في الوسائل لتحقيقها. ففي الحركة الصهيونية دارت جدالات يقظة بين الصهيونية السياسية والصهيونية العملية والثقافية، تذكر بالمعضلة التي تقف امامها الآن منظمات السلام الإسرائيلية: هل نركز اساس الجهد على الساحة الداخلية – سواء انطلاقا من الرغبة في تقديم مساهمة فاعلة وملموسة لـ "العمل الميداني" أم انطلاقا من الامل لاقناع قسم هام من الشعب للانضمام إلى الكفاح من أجل تحرره الذاتي – أم من الافضل تركيز اهتمامنا قبل كل شيء على المساعدة الدولية للكفاح؟
ليس لمعضلة من هذا النوع اليوم اجوبة بسيطة وقاطعة. فمن جهة رغم انه محق من يدعي بان السيطرة على شعب آخر بخلاف ارادته لا يمكن ان تعتبر "موضوعا داخليا" للديمقراطية الإسرائيلية، واضح أن العائق الاساس الذي يمنع انهاء هذه السيطرة – مشروع استيطاني مزدهر – هو ظاهرة داخلية – قومية يهودية – إسرائيلية. من ناحية الوعي، هذه الظاهرة لا يمكن اقتلاعها من الجذور من خلال عقوبات دولية، بل فقط في كفاح مدني ايديولوجي شجاع في داخل المجتمع الإسرائيلي، يعرض فيه مشروع الاستيطان بعريه، كخلل داخلي شديد في سياق تطور السيادة الإسرائيلية. واضح مع ذلك انه بدون ضغط دولي مصمم وناجع، لن تسحب اسرائيل الكتل الاستيطانية. وهكذا إذن ستقمع نهائيا التطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني، ومعها يقضى على حلم التطبيع السياسي الصهيوني.
في بداية اليوبيل الثاني للاحتلال الإسرائيلي والاستيطان يخيل أن معارض الاحتلال الإسرائيلي يعيشون في شرك لا مخرج له. فمن جهة مفهوم أنه من أجل انقاذ اسرائيل من المستنقع المغرق للاستعمار العسكري المسيحاني مطلوب تدخل دولي حازم. لكن من الجهة الاخرى يجب الاعتراف بانه في دعوة الاسرة الدولية لفرض مقاطعة وعقوبات على إسرائيل سيكون تناقض داخلي منطقي، من الصعب الهرب منه: على فرض أن معارضي الاحتلال يؤيدون تقسيم البلاد بين الشعبين من اجل التأكيد المتجدد للشرعية الدولية لإسرائيل كدولة قومية طبيعية، فهل سيكون من المنطقي والناجع السعي لذلك من خلال خطاب الرفض الذاتي؟
ان السبيل الوحيد الذي يتمكن فيه مؤيدو الكفاح ضد الاحتلال من تجاوز هذا الفخ هو ان يتبنوا بدلا من خطاب النفي الذاتي خطاب ايجابي "آخر". على منظمات السلام الإسرائيلية ان تشكل من داخلها مجلسا تمثيليا يطلب من الأسرة الدولية ان تعترف فورا بوجود دولة فلسطين بحدود 67 وعاصمتها شرقي القدس. إذا كان في يوم من الأيام، بضغط عنيد من جانب معارضي الاحتلال الإسرائيليين ستوافق القوى العظمى ومؤسسات الامم المتحدة قبول دولة فلسطين كشريك كامل في أسرة الشعوب، فستقف إسرائيل عندها أمام خيار حاد كالسيف: إما أن تبدأ بالاخلاء التدريجي والمتفق عليه لمواطنيها من اراضي الدولة الفلسطينية الجديدة او ان تخاطر بعقوبات دولية واسعة، مثلما تفرض على دولة تنتهك سيادة جيرانها.
مهما يكن من أمر، سيشق الطريق لتصفية مشروع نزع الشرعية الذاتية لإسرائيل في المناطق  المحتلة، ومن هنا سيقصر الطريق لاستكمال مشروع التطبيع الذاتي الصهيوني في شكل اعادة تأكيد وجود اسرائيل كالدولة القومية ذات الحدود السياسية والاخلاقية المستقرة والمعترف بها.