سيناريوهات الخروج من المأساة السورية

ثائر سوري مسلح في منطقة اشتباك - (أرشيفية)
ثائر سوري مسلح في منطقة اشتباك - (أرشيفية)

عبد الله حمودي – (لوموند)
 ترجمة: مدني قصري
لا شك كأن المأساة السورية مأساة تحمل في طياتها عواقب ثقيلة ووخيمة على مستقبل المجتمعات في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا. ناهيك عن أنها سوف تنعكس أيضا على مستقبل العلاقات الأوروبية المتوسطية، وبشكل أعم على علاقة هذه المنطقة مع القوى الغربية.اضافة اعلان
وقد أثبت النظام الاستبدادي في سورية منذ وقت طويل أنه لا يتراجع أمام أي شكل من أشكال العنف. ونحن نعرف هذه الحقيقة منذ مجزرة حلب وحماة التي حدثت بأوامر من الرئيس الراحل حافظ الأسد في العام (1982). وفي عهد حكم ابنه المغمور، يسعى الشعب السوري منذ خمسة عشر شهرا إلى التحرر من الاستبداد، من خلال احتجاجات سلمية متواصلة. لكن النظام يحظر ويقطع أمامه هذا الطريق، باستخدام القمع المنظم، بواسطة جيشه والميليشيات التابعة له، وبذلك فهو يدفع هذا الشعب نحو حرب أهلية ذات طابع طائفي وعرقي. فمنذ البداية ونحن نشهد الاستخدام المطلق لنفس تقنيات الرعب والترهيب: قتل أعداد كبيرة من المواطنين، والتعذيب والتشويه الذي لا يستثني أحدا: لقد تم استهداف الأطفال والشباب بشكل خاص منذ البداية في درعا، وكذلك النساء والرجال من جميع الأعمار. أما آخر حلقة في هذه الحرب التي يخوضها النظام ضد شعب بأكمله فهي مجزرة الحولة (25-26 أيار (مايو)، والتي تلتها مجزرة أخرى في منطقة دير الزور. وقد بلغت هذه المجازر أقصى مداها في الرعب.
ولذلك فإن الخروج من هذه المأساة، من خلال إجراءات حاسمة، هو أمر بات ملحا، وإلا أصبح المجتمع الدولي متواطئا وشريكا في جرائم النظام الذي لا يفي بالتزاماته. صحيح أن النظام السوري يملك الدعم والمساندة في الداخل والخارج، لكنه من الواضح أن غالبية الشعب ترفض هذا النظام إلى ما لا نهاية، ولن تتراجع في مقاومة هذا الحكم الذي لا يتردد في انتهاك أبسط حقوق الإنسان.
وفي الحقيقة، ليس هناك بديل في الوقت الحالي: فالتدخل الخارجي القوي وحده هو الكفيل بإرغام النظام السوري على التطبيق الصارم لخطة أنان، أو إن اتضح أن هذا الطريق متعذر ولا يمكن السير فيه، فسيصبح الخيار الوحيد هو السعي في البحث عن وسيلة أخرى لتحقيق الانتقال السياسي بالقوة. فلننظر إذن إلى مثل هذا التدخل من حيث المبدأ، قبل أن نضع الخطوط العريضة لأي خيار آخر منطقي ومعقول.
فمن حيث المبدأ أوّلا قد يعترض معترض بالقول إن المعارضة الداخلية لا تطلب أي تدخل خارجي. فهذا صحيح. لكن في المقابل نلاحظ أن ذلك هو ما يطالب به المتظاهرون والشعب الذين يعانون القمع. وذاك أيضا ما يطالب به المجلس الوطني السوري. وأخيرا ففي ظل الظروف الحالية فإنه من الصعب أن نتصور أن المعارضة في الداخل لا تتعرض للابتزاز والخيانة من قبل النظام بشكل أو بآخر. وبالتالي فإن التدخل الخارجي يبدو مبرَّرا وضروريا، إذا كنا نريد حقا إنهاء الجرائم التي يرتكبها الحكام السوريون.
لا شك أنه ليس من السهل تحديد خيار مضمون لا شك فيه. لكن الاستمرار في أنصاف الحلول الحالية هو الذي قد يؤدي إلى اللجوء إلى أسوأ الخيارات. وإذا واصلنا السير في هذا الطريق فستصبح الكارثة هي الواقع المضمون الذي لا شك فيه.
ولا شك أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق جامعة الدول العربية. إذ يتعين عليها أن تبذل جهدا استثنائيا لإقناع روسيا والقوى الغربية بصيغة تمنح الفرصة الأخيرة للتطبيق الفوري والحاسم لجميع بنود خطة أنان. ففي هذه الفرضية يتعين على جامعة الدول العربية أن تعلن أن "الفرصة الاخيرة" هذه تعني: أنه إذا استمر النظام السوري في التشبث بمواقفه الحالية فإن كل الوسائل السلمية سوف تعتبر وسائل مستنفدة وبلا طائل، وفي هذه الظروف تتقدم الجامعة العربية بطلب التدخل العسكري لدى المجتمع الدولي.
والحال أنه في غياب سيناريو واضح لتدخل ملموس في سورية فلن يتراجع كل الذين يفرضون أنفسهم على السوريين بالقوة، ولن يستسلموا. فالهدف الرئيسي هو مساعدة السوريين على أن يجدوا بأنفسهم الحلول الضرورية للخروج بأسرع ما يمكن من الوضع الخطير الذي يعانون منه في الوقت الحالي. فعلى عاتقهم وحدهم تقع بالفعل مسؤولية التوصل إلى اتفاق فيما بينهم، في إطار الحوارات التي هم وحدهم من يملك شرعية تحديد أسسها ومبادئها. فالمبدأ الأساسي يتمثل في البحث عن الحلول الواقعية من دون تعريض العلاقات الراسخة مع الدول الأخرى لأي خطر كان، وهي بالطبع العلاقات التي تخضع منطقيا لسيادة الدولة السورية وحدها.
إن مثل هذا الخيار هو الذي يفرض نفسه من الناحية الأخلاقية. وهو خيار ممكن للغاية لمجرد التخلي عن بعض الصور النمطية غير الملائمة التي راجت وشاعت عن سورية: وتتمثل الصورة الأولى في إشهار شبح حرب شاملة في المنطقة كلها، بين السنة والشيعة. وتتمثل الثانية في صورة سورية وهي تنجرف مباشرة نحو حرب أهلية بين الطوائف والعشائر والقبائل والجماعات العرقية، وتنتهي "تلقائيا" إلى إبادة العلويين واضطهاد المسيحيين في النهاية. وأخيرا تتمثل الصورة الثالثة في أطروحة الخطر "الإسلامي" الذي لا يخفى على بال أحد.
من الطبيعي أن المنظمات السياسية والمدنية - من مسلمين ومسيحيين سوف تتبنى في برامجها بعض القيم المنبثقة من دياناتهم. أما عكس ذلك فهو أمر مستغرب لا محالة. لكنّ ما هو حاسم بالفعل هو العمل على ضمان الشروط الضرورية لوضع نظام يضمن الأمن والمساواة والحرية للجميع دون استثناء. ثم إن المجتمع السوري في منطقته، مؤهل على الأرجح أفضل من غيره  للتفاوض حول اختلافاته، في إطار ديمقراطي. وأخيرا يجب أن نقول مرة أخرى أن الإسلام، بشقيه السني والشيعي، هو إسلام سياسي تعددي.
فضلا عن الاختلافات الدينية، لا يمكن أن ننكر أن الاختلاف في المذهب أو العرق أو العشيرة أو القبيلة يمكن أن يجنَّد في قوى معادية ومدمرة. لكن هذا لا ينحصر أو يسري على سورية وحدها. إن أنماطا من الجمعيات الإنسانية والسياسية المطابقة أو المشابهة لمكونات سورية موجودة في أماكن أخرى من العالم، وتعمل وفقا لنفس المنطق، أو وفقا لمنطق مشابه (على أسس دينية أو عرقية أو عنصرية، مثلا)، وهذا في كل مكان، بما في ذلك أوروبا وأميركا. أما ما يصبح في المقابل أكثر أهمية باطراد، فهو لا يتمثل في وجود هذه المجموعات، أو في إمكانية حشدها، وإنما في توفير آليات التعايش التي يجب البحث عنها أو إيجادها بعد تعرّض هذه الجماعات لاضطرابات خطيرة. وسورية ليست استثناء لهذه القاعدة، شريطة أن يتوقف الدعم الخارجي لنظامها اللاشرعي، وأن يتوقف أيضا ضخ أموال النفط غير المسؤول في شؤونها الدينية والسياسية.
أجل، إن كل هذه الانقسامات التي ما فتئنا نكررها بلا انقطاع موجودة بالفعل في سورية. ويمكن التلاعب بها واستثمارها مثلما كان الحال في العراق، أو كما كان الحال بالأمس القريب وفي ظروف مختلفة في ايرلندا وأسبانيا ودول البلقان وأماكن أخرى. وعلى أي حال يبقى أننا نريد بالفعل أن نثق في الشعب السوري بجميع أطيافه ومكوناته [السنية، والعلوية والمسيحية والكردية وغيرها]. فهذا الشعب يعرف كيف يتجاوز انقساماته، كما عرف كيف يتجاوزها في أوقات حرجة أخرى.

* أستاذ في جامعة برينستون ومدير سابق لمعهد الدراسات عبر الإقليمية، وعضو في المجلس الوطني لدعم حركة 20 شباط (المغرب)
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Sortir de la tragédie syrienne