ضرب طهران لن يوقف التفكك الداخلي

1
1

هآرتس

شلومو بن عامي

30/10/2020

اضافة اعلان

هزيمة في الحروب أو حتى اخفاقات في ادارتها كانت دائما مصدرا لحركات احتجاج واحيانا حتى لثورات غيرت نظام العالم، بالاساس عندما حظيت الحركات والثورات ببنى تحتية فكرية سابقة، والاهم من ذلك بخطة عمل مركزة. وبدون خطة كهذه، على سبيل المثال كتاب لينين "ما العمل"، وبدون ظروف مناسبة، في هذه الحالة هزيمة روسيا في الحرب العالمية الأولى، من المشكوك فيه أن الثورة البلشفية كانت ستحدث حتى لو كان نصف الروس يفهمون جميع كتابات كارل ماركس. هكذا، رغم أنه لحركة الاحتجاج الحالية في اسرائيل – استعراض الغضب والاحباط اللذين أججتهما الحرب ضد كورونا واخفاقاتها – توجد ظروف وخلفية مناسبة للنجاح، حيث أن غياب خطة عمل سياسية، على شكل تلك التي حكمت على احتجاج 2011 بالتلاشي، من شأنها أن تحكم ايضا عليها بحكم مشابه.
عبر الماضي ليست دائما مشجعة. "الربيعات" السياسية بشتى انواعها، رغم أنها شكلت دائما تراثا أدى الى واقع جديد فيما بعد، فانه في المدى القصير تم قطعها بشكل عام على يد قوى الاستمرارية. ربيع الشعوب في 1948 اقتلع في حالة فرنسا داخل امبراطورية نابليون الثالث. ايضا في باقي اجزاء القارة الأوروبية فان العائلات المالكة عادت للسيطرة على زمام الأمور بعدها. "الربيع العربي" تم خنقه في مصر، بداية على يد حكم الاخوان المسلمين، وبعد ذلك حكم عليه بالقبلية من قبل البونابارتية الجديدة للمارشال عبد الفتاح السيسي. كقاعدة عامة قوى الاستمرارية في العالم العربي خرجت منتصرة حتى لو قامت بذلك بثمن حروب اهلية دموية.
احتجاجات كورونا هي تعبير مثير للانفعال من قبل وطنية مدنية، حملت بالاساس على اكتاف الجيل الشاب. ولكن ليس فقط على اكتافهم وحدهم. إسرائيل تشهد في هذه الأيام موجة احتجاج متعددة الاجيال لم تعرف مثلها من قبل. الاحتجاج ضد تسييس معالجة كورونا من قبل رئيس الحكومة هو انعكاس لازمة ثقة أكثر عمقا في البنية السياسية والاجتماعية – الاقتصادية كلها. وهو الذي يخرج المتظاهرين الى الشوارع مع الشعور بالعجز والخوف من المستقبل. كيف يجب على احتجاج أيام كورونا أن يتعلم من عبر الاحتجاجات السابقة كي لا يسير في طريق سابقيه. من المفرح والجميل أن الاحتجاج يعمل دون قيادة، لكن ستأتي لحظة سيتحول فيها الغضب والاغتراب الى تحالف لقوى سياسية مع استراتيجية متفق عليها. ومثلما اثبت في اماكن اخرى فان سقوط الحاكم يمكن أن يكون فقط مسرع آني، والحركة الشعبية التي تطالب بالتغيير يجب أن تحدد التغيير الذي تريده والطريق اليه.
حركة الاحتجاج الحالية يمكنها مع التعديلات الواجبة في المكان وفي الزمان، أن تستوحي الالهام من قصة قصيرة لستيفن هيسل، الذي على الرغم من عمره – في وقت نشرها في تشرين الأول 2010، كان ابن 93 سنة – كان يتمتع بغضب ابداعي وايمان كاسح بقوة العمل الاجتماعي، التي لا يقدر عليها إلا الأشخاص الذين لديهم حماس الشباب. "اغضبوا"، كان اسم الكتاب الصغير الذي كان له تأثير مباشر على موجات الاحتجاج التي اغرقت أوروبا والعالم العربي بعد بضعة اشهر من ذلك. الكتاب حقق نجاحا فوريا، هذا هو "الكتاب الاحمر" الجديد، هكذا وصفه ناشطون اجتماعيون.
ملايين النسخ بعشرات اللغات بيعت في ارجاء العالم. والمدونون الشباب في تونس، الذين عملوا على اسقاط ديكتاتورية زين العابدين بن علي، كان الكتاب الجديد بالنسبة لهم. بوديموس هو حزب ولد من "حركة 13 آذار" للشباب الذين تظاهروا في 2011 في ميادين المدن في اسبانيا، واليوم هو عضو في حكومة الائتلاف الاشتراكية، وراكم القوة استنادا لكتاب هيسل. وبدرجة كبيرة ايضا "سيريزا" في اليونان، التي احتلت رئاسة الحكومة في جولتين انتخابيتين وحتى أنها نجحت في تربيع الدائرة بين المطالب الضخمة للاتحاد الاوروبي بإصلاحات مؤلمة وبين الحاجة الى الخروج من الازمة مع اقتصاد أكثر توازن وعدالة.
هذا ليس كتابا، هذا "برنامج سياسي يجسد في داخله كل الواقع"، كتب في مقال نشر في صحيفة "لاموند" في تلك الأيام التي سقط فيها في ايطاليا سلفيو بيرلسكوني، وفي العالم العربي اهتزت عروش المستبدين. وحتى في سورية، في ذروة الحرب الأهلية الدموية، توجهت مترجمة شابة الى الناشر الفرنسي كي يسمح لها بترجمته الى اللغة العربية. هذا هو "الوسيلة الأخيرة في خضم هذا الرعب"، كتبت له عن الكتاب. وفي اليابان ارادوا ترجمة الكتاب "لصالح اليابانيين الذين نسوا الغضب من الكارثة النووية في ليفوكوشيما". وفي متحف تل ابيب وصف أمين الصندوق الشاب، يوري ديساو، احتجاجات "الغاضبين" في 2011 بـ "العمل الفني الأفضل في السنوات الاخيرة". ولم يغب ايضا مكان عاصمة العولمة نيويورك. فهناك قامت في ايلول 2011 حركة "احتلال وول ستريت" للاغلبية الغاضبة ضد الـ 1 في المائة الذين يمسكون في أيديهم معظم الثروة الوطنية.
هيسل ولد في برلين لأب يهودي وأم مسيحية. في 1924 انتقلت العائلة الى فرنسا، وفي 1941 انضم الى الجنرال شارل ديغول كعضو في مجلس المقاومة في لندن. وفي 1944 تم ارساله الى فرنسا من اجل اعداد البنية التحتية لعودة جيش فرنسا الحرة الى ارض الوطن. وتم اعتقاله على يد جيش الاحتلال النازي، وارسل الى معسكر التجميع في بوخنفالم. كقوس قزح من بلدة فيمار وفي وسط غابة فيها اعتاد أن يتجول بصورة ثابتة غوتا، الشاعر الالماني الكبير. هيسل اعترف بأنه استوحى برنامجه للأجيال الشابة من عمل مجلس المقاومة ومن اعلان الامم المتحدة بشأن حقوق الإنسان، التي عمل هيسل على صياغتها كمساعد لرنيه كاسين، رجل القانون اليهودي – الفرنسي الذي كان يمثل الروح الحية خلف الإعلان.
الشباب الذين ملأوا بعد ذلك ميادين المدن في أوروبا والعواصم الغربية، أوضح لهم هيسل بأن الامن الاجتماعي هو حق اساسي، ودعا الى سيطرة عامة على الموارد الطبيعية وطالب بمنع الخضوع الحصري للبنوك لاصحاب الاسهم، الذين تشكل الارباح اعتبارهم الوحيد. في النظام الاجتماعي الذي دعا اليه فان الثروة التي تأتي من العمل هي اهم من التي تأتي من الصفقات المالية. ودعا الشباب ايضا لقيادة الحرب ضد كارثة المناخ وتأييد الاقتصاد الأخضر، بروحية ما سيكون فيما بعد "الصفقة الخضراء الجديدة" التي يقودها الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة بدعم شخصيات مثل الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، بول كروغمان. وهو ايضا حثهم على النضال من اجل صحافة حرة وصادقة. وفي ذلك الوقت حذر من ابتلاع الخطاب العام داخل الثقب الاسود عديم الحدود الاخلاقية، الذي خلقته شركات التكنولوجيا الضخمة.
في العقد الثامن من حياة الدولة حان الوقت لوضع دستور في إسرائيل يشمل حقوقا اجتماعية ومدنية، وايضا فصل الدين عن الدولة. الوطنية الدستورية التي دعا اليها يورغن وفورماس في المانيا، التي هي ايضا مثل إسرائيل في اساسها دولة قومية عرقية، هو ايضا السبيل لتماهي اعمق مع الدولة لليهود والعرب على حد سواء. وأخيرا، وليس بالضبط في اهميته، هو الفيل الموجود في الغرفة، المشكلة الفلسطينية التي دفعناها الى الجهة المظلمة في القمر. الوضع الإسرائيلي مبني من اواني مستطرقة، ايضا تفكك البنية التحتية الاخلاقية للديمقراطية الإسرائيلية التي تتباكى عليها حركات الاحتجاج، مرتبطة بثقافة السيطرة على شعب آخر، والتي تدهورت الى هذا الجانب من الخط الأخضر.