على طريق التهدئة مع حماس

طفل يسير بدراجته أمام مبنى تعرض لقصف إسرائيلي خلال العدوان على غزة -(ا ف ب)
طفل يسير بدراجته أمام مبنى تعرض لقصف إسرائيلي خلال العدوان على غزة -(ا ف ب)

يديعوت أحرونوت
سمدار بيري  19/6/2015

علق ملثمون في يوم الأحد ليلا يافطة كبيرة على مدخل بيت القاتل حسن سلامة في مخيم خانيونس للاجئين. إلى جانب صورة سلامة، الذي حكم 46 مؤبدا بسبب تخطيطه لعمليتين انتحاريتين في الحافلة رقم 18 في القدس، رُسمت ساعة. وبدلا من الأرقام وضعت أسماء الجنود الإسرائيليين الذين تم خطفهم على يد الذراع العسكرية لحماس، والذين في اغلبيتهم تم قتلهم. المكان المخصص للساعة الواحدة سجل اسم آفي ساسبورتس، وايلان سعدون في المكان المخصص للساعة الثانية، ورونين كرماني في مكان الساعة الثالثة، وفي مكان الساعة الرابعة جندي حرس الحدود نسيم طوليدانو، وفي الخامسة شاحر سيماني، وفي السادسة نحشون فاكسمان، وفي السابعة ساسون نوريال، وفي الثامنة جلعاد شليط، وفي المكان المخصص للساعة التاسعة كتب اسم مقاتل غولاني أورون شاؤول، الذي قتل في عملية الجرف الصامد، والذي لا يعرف مكان دفنه. مكان الأرقام الثلاثة الأخيرة، الساعات 10، 11 و12، وضعت علامات سؤال باللون القاتم، المخطوفون الذين سيأتي دورهم.اضافة اعلان
اسم الملازم هدار غولدن، ضابط في وحدة جفعاتي، الذي قُتل في الجرف الصامد، وتم اختطاف جثته إلى داخل نفق في رفح، لا يظهر على الساعة. لكن رجل أعمال من غزة، تحدثت معه، قال إن هناك اتصالات من أجل اعادة جثته كجزء من اتفاق تهدئة. "في اللعبة الوحشية التي تحدث الآن، يمكن الافتراض أن الذراع العسكرية يبعث الاشارات بأن الجثة ستستعمل كورقة مساومة من أجل إطلاق سراح أسرى"، قال، "يتذكرون في حماس أيضا أن غولدن هو من أقرباء وزير الأمن موشيه يعلون، ويعرفون أيضا أنه منذ الجرف الصامد، رفض يعلون كل الاقتراحات التي صدرت من غزة".
أهمية اطلاق سراح الأسرى بالنسبة لحماس كجزء من أي صفقة مستقبلية، يمكن التعرف عليها من العنوان المسجل في بداية اليافطة: "تعهدنا بالدم، جيل بعد جيل، ولتشل أيدينا إذا تنازلنا عن الأسرى"، سلامة نفسه الذي تلطخت يداه بدم عشرات الإسرائيليين، لن يساعده هذا. ففي صفقة شليط تم تصنيفه كـ "ممنوع اطلاق سراحه"، ورغم تهديد حماس، إلا أنه سيخرج من السجن في تابوت، حسبما يقول مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى.
ويقول البروفيسور مخيمر أبو سعدة، محاضر في العلوم السياسية في جامعة الازهر في غزة إن "الساعة المعلقة قبالة بيت حسن سلامة تتكتك فوق رؤوس قادة حماس في القطاع والخارج، وعلى رأسهم خالد مشعل. وعلى خلفية الشائعات حول صفقة التهدئة بين إسرائيل وحماس، فإن علامات السؤال الثلاث جاءت لتقول إن هناك خيار آخر، ويمكن أنهم يُعدون لنا المفاجآت".
ومن أجل منع مفاجآت كهذه وتأجيل المواجهة القادمة بقدر الامكان، فإن هناك شخصيات رفيعة تعمل من وراء الكواليس: الدبلوماسي القطري محمد عمادي، رئيس لجنة اعمار غزة الذي يعمل بإسم وبتكليف من أمير قطر الشيخ تميم؛ نيكولاي ملادينوف، وزير الخارجية البلغاري الأسبق، المبعوث الشخصي لسكرتير عام الامم المتحدة للشؤون الفلسطينية؛ موسى أبو مرزوق، النائب السابق لخالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس؛ الجنرال يوآف مردخاي، منسق الاعمال في المناطق (المحتلة منذ 1967- تحرير الترجمة).
وكشف لي موظف رفيع المستوى في وزارة الخارجية القطرية خلال زيارتي في الدوحة في الشهر الماضي، عن أنه توجد لقاءات سرية بين الجنرال الإسرائيلي والوسيط القطري. "عمادي حل ضيفا عند يوآف في إسرائيل مرتين، ثلاث. والتقى يوآف مع عمادي مرة أخرى في احدى الدول العربية"، هذا ما كشفه الموظف القطري. "في هذه اللقاءات تم التوصل إلى تفاهمات حول الحاجة الملحة لإعمار غزة، وعلاج الشؤون الانسانية ومنع الجولة العسكرية القادمة. كان مهما لنا التوضيح للجنرال بأننا نريد المساهمة في اعمار غزة وعدم تمويل الارهاب. لا أحد يريد صواريخ على إسرائيل. حماس ضعيفة ومتعبة".
يتضح الآن أن الرسائل حول رغبة قيادة حماس (السياسية وليس العسكرية)، هي تبني التهدئة بعيدة المدى مع إسرائيل. هذا ما صدر من غزة بعد شهرين من الجرف الصامد. في المرحلة الأولى كانوا رجال اعمال محليين سُمح لهم الخروج من القطاع والدخول إلى إسرائيل، تم اختيارهم لنقل الرسائل الضبابية، لكنه تم تجاهلهم في الطرف الإسرائيلي.
بعد شهر تم اعطاء هؤلاء الوسطاء "خطة الشروط العشرة" لوقف اطلاق الصواريخ، وقد تم صياغة وثيقة حول التهدئة المتدحرجة "مدة عام" والقابلة للتمديد خمسة أعوام إذا استجابت إسرائيل لمطالب حماس. مصدر إسرائيلي قال إن حماس تدرس هذا الأمر بشكل منظم. "وضعت خطة لاعادة بناء الاحياء المدمرة، تحدثوا عن الضائقة واليأس عند من لا منازل لهم، وقدموهم كطاقة كامنة ووضعوا قائمة لمصادر التمويل. واضافة إلى ذلك طلب اقامة مطار وميناء وفتح المعابر إلى مصر وإسرائيل دون قيود".
المحاولة الثانية رُفضت أيضا من مكتب رئيس الحكومة ووزارة الأمن. لكن المصدر الإسرائيلي يقول إن حماس لم تتراجع عن ذلك. "لقد بدأت بإحاطة كل دبلوماسي غربي وكل شخصية اجنبية زارت القطاع، وتوجهت إلى الاتحاد الأوروبي ومبعوث الامم المتحدة، وعملت على تعديل قائمة الشروط العشرة، وطلبت من الوسطاء القول لإسرائيل: إذا لم تردوا بالايجاب، لا يمكن وقف الجولة القادمة من المواجهة العسكرية".
في هذه الاثناء، وبعد أن بدأت إسرائيل بفتح الاغلاق بالتدريج (خرج في الأسابيع الأخيرة من القطاع نحو ألف شخص يوميا)، وبعد أن حصلت قطر على الموافقة لنقل الأموال والأدوات إلى القطاع، وبعد أن حصل نحو 92 ألف شخص من غزة على مواد البناء – وسجلت على اسمهم لمنع نقل هذه المواد لبناء الأنفاق الارهابية – الجانب الإسرائيلي مصمم: "لا مفاوضات، مباشرة أو غير مباشرة. لا يجب الجلوس وانتظار الاتفاق".
يقول المصدر رفيع المستوى: إن الهدوء يسود أكثر، "حماس تمنع المنظمات الارهابية من التحرش بإسرائيل، وإسرائيل تكافئها بالربط مع الغاز الإسرائيلي ومشروع التحلية. تم وضع أنبوب آخر للمياه، وخط كهربائي اضافي من إسرائيل".
في يوم السبت الماضي خرج أبو مرزوق من غزة إلى قطر لاطلاع خالد مشعل على المستجدات وعرض الوثيقة التي صاغها الوسيط البلغاري ملادينوف. وليس هناك أي بصمة إسرائيلية على الوثيقة التي تتضمن آخر اقتراحات التهدئة. الحديث لا يدور عن تهدئة لمدة خمس أو عشر سنوات كما نشر بل عن معادلة أخرى: أعطونا وقف اطلاق نار كامل من غزة وستحصلون على رفع تدريجي للإغلاق من إسرائيل ومصر وامتيازات اقتصادية منها تصدير الفواكه والخضار إلى إسرائيل على حساب الضفة الغربية. وكلما صمد هذا الحل على ارض الواقع، كما يقول ذلك المصدر، فانه يمكن تمديده ومنح الغزيين امتيازات بسبب "حسن السلوك".
أهم أسس التهدئة على طريق الاتفاق هو اقامة مطار في غزة. في هذا السياق يجب التمييز بين القيادة السياسية لحماس في غزة، التي تبحث عن قنوات تؤدي إلى قصر الملك سليمان في السعودية ومكتب الرئيس السيسي في القاهرة، وبين الذراع العسكري المصمم على الصلة مع ايران. وقد تحدثوا في الذراع العسكري أنه لن تكون "تفاهمات" أو "اتفاقات" طالما أن إسرائيل تعترض على اقامة الميناء البحري في غزة وترفض اطلاق سراح أسرى حماس. من غير ميناء ليس هناك ما نتحدث عنه. وفي المقابل يقول ضابط رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي: "ميناء؟ لم نُصب بالجنون بعد. في هذه المرحلة لن يحدث هذا".
اذا تم الاتفاق مبدئيا على اقامة ميناء، فيتوقع أن ينشأ خلاف حول الرقابة عليه حتى لا يتحول إلى قناة اساسية لتدفق السلاح إلى القطاع. حماس تقترح رقابة حلف الناتو بتنفيذ قوة تركية (تركيا عضو في الناتو). إسرائيل لن توافق على التدخل التركي، وهي ستصمم على أن تكون هي المسؤولة عن الرقابة والمتابعة من خلال "أعين الكترونية" على كل ما يخرج من ويدخل إلى ميناء غزة، كما يحدث في المعابر الأخرى.
ويقول مراقب اجنبي يتابع تبادل الرسائل بين تل ابيب، القاهرة، الدوحة، اسطنبول ومكتب سكرتير عام الامم المتحدة في نيويورك، "صحيح أن الطرفين، إسرائيل وحماس، يريدان منع الجولة القادمة من المواجهة، لكن رغم التقارير والشائعات، ليس مضمونا نجاح هذا الامر". وحسب تقديره فحتى إذا تم التوصل إلى تفاهمات فمن الصعب تحقيق الاتفاق، ويضيف، "ليس هناك سبب للطقوس والاحتفالات، ستستمر إسرائيل في اعتبار حماس منظمة ارهابية، وحماس بدورها لا تنوي الاعتراف بوجود دولة إسرائيل".
تحدثت مع مصدر إسرائيلي ووجدت أنه أكثر تفاؤلا: "حماس تبذل الجهود الكبيرة الآن لمنع المنظمات الفاعلة من الاطلاق ضد إسرائيل، وإسرائيل تزيد كمية مواد البناء لإعمار غزة، وتزيد تصاريح العبور من غزة إلى الضفة. نحن نعمل تحت عنوان "المساعدة الانسانية" و"تحسين مستوى الحياة" في أعقاب الدمار الذي تسببت به عملية الجرف الصامد. وبفضل التفاهمات قام مبعوث قطري بنقل ملايين الدولارات لدفع الرواتب واقامة حي جديد يشمل 48 مبنى متعدد الطبقات، سيسمى باسم الشيخ حمد آل خليفة، والد الزعيم القطري.
حسب هذا المصدر الإسرائيلي، "حماس دخلت في حالة من الفوضى بسبب احتمال حصول داعش على الدعم والتأييد في القطاع. والعلاقة بين حماس ونظام السيسي في مصر وصلت إلى درك أسفل. في الأيام الأخيرة فقط قررت القاهرة رفع الضغط عن حماس، وشطب حماس (السياسية) من قائمة منظمات الارهاب. ومع شهر رمضان يفتحون معبر رفح، ومصر تعطي قيادة حماس الشعور بالمسؤولية: إذا تم الكشف عن أعمال حفر للانفاق إلى سيناء وتسلل مجموعات ارهابية، سيتم اغلاق كل شيء من جديد".