عودة النيران إلى غزة

القصف على قطاع غزة
قصف إسرائيلي على قطاع غزة
هآرتس
ناحوم برنياع
1/12/2023

حين أكتب هذه السطور، فإن رائحة الحرب تحوم مرة أخرى في الهواء. يحتمل أن تكون عودة بلينكن وزير الخارجية الأميركي الى المنطقة ستضمن لنا يوما آخر.اضافة اعلان
في ختام ثمانية أو تسعة أيام وقف نار سيتحرر بين 80 و 90 مخطوفا. هذا إنجاز مسموح التهنئة به. الجدال حول ما الذي أدى الى الإنجاز في الجانب الإسرائيلي -تأييد وزيري الكابينت غانتس وآيزنكوت لوقف النار وضغط العائلات والرأي العام على الحكومة، أو الضغط العسكري في الميدان والمواقف الفاعلة ليوآف غالنت وقيادة الجيش- مسموح تماما. الكل أراد تحرير المخطوفين: الصراع كان على الطريقة. وهو لم يحسم ولم ينته.
السنوار كان مطالبا الآن بأن يحرر الصنف الآتي: نساء شابات ورجالا مسنين. صحيح حتى أول من أمس رفض -مع إشارة جانبية: في القائمة التي رفعت بإسرائيل أدرجت ثلاث نساء شابات، مخطوفات من حفلة نوفا. فهل ضمهن يشكل دعوة لما سيأتي؟ من الصعب أن نعرف.
حسب الوسطاء، فإنه يرى في النساء في سنة 40 فما دون قوة مقاتلة. قد يكون يخشى مما سيروينه عند عودتهن. لعله يشعر بأنه مقابل هذا الذخر يمكنه أن يحقق ثمنا آخر. لقد وضع الجانب الإسرائيلي أمام خيار وحشي: إما مواصلة وقف النار والاستعداد لتنازلات كبيرة في طرفنا أو استئناف النار مع أمل بالخير. شئنا أم أبينا، سلم الأولويات يتغير مرة أخرى: أولا المناورة العسكرية، بعد ذلك المخطوفين.
ينطوي استئناف النار على مواجهة قاسية مع الرئيس الأميركي. غالنت كان يفترض به أن يرى بلينكن أول من أمس ويقول له: طالما كنت وزير الدفاع، لن نتوقف. نحن سنهاجم في منطقة خانيونس وسنواصل القتال حتى تفكيك كتائب حماس هناك. تعلق إسرائيل بالإدارة الأميركية أكبر من أي وقت مضى. فأميركا توفر لنا ليس فقط الردع حيال إيران وفروعها وإسناد دولي. نحن متعلقون بها أيضا في التموين العسكري الفوري. البيت الأبيض يمكنه أن يبتلع الرفض الإسرائيلي وأن يواصل القطار الجوي على عادته؛ ويمكنه أيضا أن يوقفه.
القتال في وسط وجنوب القطاع أكثر تعقيدا مما في الشمال. وهو سيتم بينما قرابة مليوني مواطن يملأون الشوارع، بينما حماس أكثر تنظيما وأكثر جاهزية للقتال، في أرض مدينية مكتظة وبقدر ما يدور الحديث عن خانيونس ومحيطها، قرب الخنادق التي يعمل منها السنوار وضيف، قرب المخطوفين. إن التصفية السريعة لزعيمي حماس ستكون بشرى طيبة. هي لن تنهي قصة المخطوفين ولن تبيد حماس لكنها ستعطي القيادة السياسية وقيادة الجيش إنجازا للتمسك به.
في الحرب فتح فصل جديد، أكثر تعقيدا من ناحية عسكرية، محدود في الزمان والمكان. كما أن هذا هو فصل جديد وخطير في حياة ورفاه المخطوفين. لا داعٍ للانشغال بالتخويف، يقول غالنت. لن نتمكن من الوصول الى كل منطقة خانيونس، لكن حماس سنفككها.
على الطريق سجلت انعطافة إيجابية في مجال الإعلام الرسمي. في وابل النذر السيئة التي هبطت علينا في الشهرين الأخيرين، فإن كل بشرى طيبة جديرة بالإبراز.
أتعلم من أحاديث مع أجانب بأن الأسبوع الأخير كان الأفضل لصورة إسرائيل، لإعلامها، منذ بداية الحرب. فكل مساء شهد العالم الجدات وأحفادهن يقتادهم مقاومون مسلحون، ملثمون. كان المشاهدون يريدون أن تكون أولئك جداتهم: قويات، عزيزات، حكيمات؛ كانوا يريدون أن يكون أولئك أبناءهم وأحفادهم: حلوين، جميلين، يلمسون شغاف القلب.
لقد اعتقدوا في حماس أن صور المخطوفين ستعرض المنظمة في ضوء إنساني مراع: الأم تريزا ولدت من جديد، مسلحة بكلاشينكوف. هكذا أيضا تخوف المحللون في قنوات التلفزيون في البلاد. الإخراج أثار أعصابهم: سيطرة حماس على الحدث. وداعات المخطوفين. شعر المحللون بأنهم مهزومون، مهانون. وربما هكذا شعر أيضا المشاهدون.
ليس هكذا شوهد الحدث في العالم. شبكات التلفزيون الأميركية، التي بعثت الى هنا بأفضل موهوبيها، ملأت التغطية بمقابلات مؤثرة على المحررين ومع أبناء عائلاتهم. التضامن كان كاملا. وكان هذا مخالفا للتغطية الأولية، التي عرضت، في قسم منها على الأقل، المقاومين كمقاتلي حرية، وكانت على نقيض أيضا من تغطية السيطرة على مستشفى الشفاء في غزة، التي كانت معادية وضارة.
ليس مؤكدا أن التشديد الذي وضعه الجيش الإسرائيلي على احتلال المستشفيات وعلى رأسها الشفاء صحيحا من ناحية عسكرية. من ناحية إعلامية كان إشكاليا: قلة في العالم فهموا لماذا مهم بهذا القدر مهاجمة مستشفى. قلة اقتنعوا مما عثر عليه. منذ الاحتفال امتنعت إسرائيل عن مهاجمة المستشفيات. يخيل لي أنهم حتى اليوم نسوا أن يبلغوا بذلك مواطني إسرائيل.
لقد كان وقف النار مطلوبا لحماس. وكان أيضا مطلوبا للجيش الإسرائيلي. في الأيام 49 الأولى للحرب أثبت المقاتلون تمسكا بالمهمة، شجاعة وقدرة مهنية مبهرة. لكن الجانب الآخر موجود أيضا: تبذير ذخيرة، اكتظاظ زائد في الميدان، دمار زائد، أخطاء عملياتية كلفت ثمنا باهظا. حتى اليوم لا يوجد في إسرائيل نظرة متفق عليها حول اليوم التالي. في الجيش وفي هيئة الأمن القومي توجد مداولات داخلية، لكن محظور على المتداولين عرض استنتاجاتهم على المسؤولين عنهم. نتنياهو اضطر تحت ضغط عضو كابينت الحرب غادي آيزنكوت، أن يطرح مسألة اليوم التالي على جدول الأعمال. آيزنكوت أعد ثلاث أوراق موقف في هذا الموضوع. لكن، بأمر نتنياهو، بقيت المداولات حبيسة وعقيمة. فدس الرأس في الرمال هو السبيل للحفاظ على حلفه مع سموتريتش وبن غفير. الحكومة تتصرف وكأنه لم يكن 7 أكتوبر؛ كابينت الحرب تتصرف وكأنه لا توجد حكومة. ليس بالضبط يتصرف -فالكثير من الكلمات تقال للبروتوكول، ولكن في أحيان بعيدة فقط تخرج منها تعليمات، توجيهات للجيش.
لقد كتب سموتريتش مؤخرا كتابا لنتنياهو -هو أحد الأشخاص الأخيرين في البلاد الذين يحرصون على إرسال الكتب- اتهم فيه قادة الجيش بأنه يسيرهم معهد بحوث الأمن القومي، الجسم الذي هو برأيه يساري. ليس بالضبط يساريا؛ ليس بالضبط يسيرهم، لكن ماذا يهم هذا. المهم أنه يوجد لسموتريتش عدو ينشغل به.
إن الهجوم على معاقل حماس في الوسط وفي الجنوب لن يتمكن من أن يتم بثلاثة فرق: فهو سيكون أكثر تركيزا بكثير، أكثر انتقائية بكثير. فقرابة مليوني نازح من الشمال نزلوا جنوبا يمنعون بتواجدهم وابل القصف من النوع الذي كان في الشمال. وحسب تقرير الأمم المتحدة، قتل منذ بداية الحرب 15 ألف مواطن فلسطيني. الكثيرون منهم بقوا تحت الأنقاض: العدد الحقيقي أعلى بكثير لكنه أدنى مما من شأنه أن يقع.
نداف ايال نشر هذا الأسبوع في الصحيفة تقدير الجيش عن عدد قتلى حماس: 5300. في جهاز الأمن أيضا عرضت تقديرات أدنى بكثير، في محيط 4 آلاف. عدد المقاتلين في منظمات المقاومة يتراوح، حسب التقديرات في إسرائيل، بين 40 و50 ألفا. بكلمات أخرى: قتلنا من سُدس الى عُشر القوة المقاتلة من العدو.
الاستنتاج: معنى الاعداد محدود. مثلما تعلمنا في حرب فيتنام وفي حروب أخرى، فإن التلويح لعدد قتلى العدو هو تضليل ذاتي. 
كل الأحاديث عن حرب حتى النصر، إبادة حماس وتصفية المقاومة هي كلام. حماس هي فكرة وحركة تاريخية: لا يمكن إبادة فكرة. أولا سبيل الى تصفيتها بعملية عسكرية. أحد وزراء اليمين قال لي هذا الأسبوع: حتى لو خرج السنوار من الخندق بيدين مرفوعتين، وكل المخطوفين ساروا في صف واحد وراءه -فإن هذه الحرب لن تنتهي بالنصر.