في المجتمع العربي يتساءلون.. لماذا رفع "داعش" رأسه؟

جنود ومحققون إسرائيليون بمكان تنفيذ عملية الخضيرة التي أودت بحياة ضابطي شرطة وتبناها تنظيم "داعش" قبل ثلاثة أيام.-(وكالات)
جنود ومحققون إسرائيليون بمكان تنفيذ عملية الخضيرة التي أودت بحياة ضابطي شرطة وتبناها تنظيم "داعش" قبل ثلاثة أيام.-(وكالات)

هآرتس

جاكي خوري ويهوشع براينر

اضافة اعلان

(أ) من سكان أم الفحم، كان في بيته. التقرير عن العملية في الخضيرة وحقيقة أن من نفذها هما من أبناء مدينته أعادته إلى فترة كان يريد أن ينساها. في العام 2014 عاد من سورية بعد بضعة أشهر من تواجده هناك وحكم بسبب انتمائه لداعش. في العام 2016 تم إطلاق سراحه من السجن وحاول بدء حياته من جديد، حسب تعبيره. "أنا غير موجود هناك ولا أرتبط كليا بهؤلاء الناس الآن. أنا الآن، متزوج وأعمل على كسب الرزق، هذا كل ما في الأمر. هذه فترة لا أريد العودة إليها"، قال.
وصمة الانتماء لهذا التنظيم ما يزال يحملها حتى الآن. في أي رحلة لي في الخارج منذ إطلاق سراحي يتم التحقيق معي بشكل مطول في المطارات. "أنا تزوجت في فترة "كورونا" وسافرت إلى أنطاليا. فورا بعد هبوطي هناك الأتراك اعتبروني تهديدا. قاموا بوضعي في منشأة مغلقة أنا وزوجتي مدة يومين، وبعد ذلك أعادوني مطرودا"، قال. أيضا فتح حساب في البنك كان مهمة غير سهلة خلال فترة طويلة. "كنت ممنوع من فعل ذلك واعتبرت شخصا ممولا للإرهاب. هذا وضع صعب جدا. لذلك، أنا أفضل الآن أن أكون بعيدا عن الأنظار. أخرج من البيت إلى العمل وأعود، هذا كل شيء".
(أ) ليس الشاب العربي الوحيد الذي تجند في العقد الماضي أو فكر في التجنيد في صفوف داعش أو في صفوف تنظيمات إسلامية أخرى، والتي قاتلت على الأراضي السورية منذ اندلاع الحرب الأهلية هناك. وحسب مصدر رفيع في الشرطة فإن التقديرات هي أنه الآن يعرف جهاز الأمن عن بضع عشرات من العرب من مواطني إسرائيل الذين يؤيدون داعش، وربما أنه في دوائر أوسع فإن الحديث يدور عن بضع مئات، في فترة الذروة وصل عدد السجناء الذين تمت إدانتهم بالعضوية في منظمة إرهابية أو عملوا بتكليف منها إلى 87 شخصا. الآن يوجد في السجون 19 سجينا يعتبرون سجناء لداعش، بعضهم من الضفة الغربية. معظم الشباب الإسرائيليين الذين قاتلوا في صفوف داعش وصلوا إلى سورية عبر تركيا بعد مغادرة البلاد كسياح عاديين، بعضهم اختفوا أو قتلوا هناك وبعضهم عادوا وتمت محاكمتهم.
(م.ج) (19 سنة) من الشمال، أنهى مؤخرا فترة سجن بسبب دعم داعش. وقد اعتقل عندما كان قاصرا. أحد أبناء العائلة قال للصحيفة إنه لم يمارس حياة دينية أبدا. والداه انفصلا ولم يكن وضع البيت سهلا. وهو اعتاد على الانعزال، وبدأ في الاطلاع على رسائل داعش في الشبكات الاجتماعية. وقد قال: إن شخصا اعتبر نفسه مجندا أو مشغلا لداعش طلب من (م.ج) إرسال صورة لجواز سفره. وهو فعل ذلك، وبعد بضع ساعات تم اعتقاله. "نحن لا نعرف من هو هذا المشغل. ربما يكون عميلا للمخابرات"، قال. "ولكن هذا ما حدث. هذا فقط يثبت أن الأمر لا يتعلق بأشخاص دقيقين، وأحيانا يوجد من يستغلهم ويجرهم إلى هذا الأمر".
بعد إطلاق سراحه، قال (م.ج): "إنه يشعر بنبذ اجتماعي؛ خلافا لسجناء أمنيين فلسطينيين في الضفة أو في قطاع غزة وداخل المجتمع العربي أيضا، فإن من ينتمي لداعش لا يحصل على الدفاع من قبل المحامين، الذين هم ناشطون في مراكز حقوقية أو في منظمات حقوق إنسان، ناهيك عن هيئة شؤون السجناء الفلسطينية. المتهمون واجهوا وحدهم أو اضطروا إلى استئجار خدمات محام خاص. عدد غير قليل من المحامين فضلوا عدم التحدث عن هذا الأمر علنا. بعضهم، الذين تم إجراء مقابلات معهم من أجل هذا التقرير، طلبوا عدم ذكر أسمائهم. "هذا أمر لا يشجع ولا يفيد أحد على تمثيل أشخاص يتبنون هذه الأيديولوجيا"، قال أحد المحامين "لكن يجب علينا التذكر بأن بعض هؤلاء الأشخاص تم جرهم إلى هذا الأمر من خلال السذاجة أو الجهل. أغلبيتهم الساحقة يتم إطلاق سراحها دون أي إطار تأهيلي، وبعضهم أيضا يجدون صعوبة في إعادة التأهيل لأنهم في حالات كثيرة يشعرون بأنهم منبوذون اجتماعيا. مثل هذا الأمر يمكن أن يعيدهم إلى المسار نفسه".
المحامي محمد بشير، رئيس بلدية سخنين السابق ورجل حزب حداش وجد نفسه قبل بضع سنوات في قلب عاصفة جماهيرية عندما تم اعتقال ابنه بتهمة الانتماء لداعش مع أربعة شباب آخرين من سكان المدينة. هؤلاء الخمسة تمت محاكمتهم، وحكم عليهم بفترة سجن تتراوح بين (2.5 – 6) سنوات. معظمهم أطلق سراحهم وعادوا إلى بيوتهم. "إبني يدير الآن شركة خاصة ناجحة، لكن هناك من لم يجدوا أنفسهم"، قال بشير.
توقيت العملية أول من أمس في الخضيرة وفي الأسبوع الماضي في بئر السبع طرح مرة أخرى السؤال لماذا الآن؟ هل الحديث يدور عن خلايا نائمة تلقت تعليمات للعمل أو أن هذا قرار شخصي مدفوع بالتقليد. أول من أمس، في خطوة استثنائية، تحمل داعش المسؤولية عن هذه العمليات. في داعش استخدموا تعبير "مندمجين"، بالنسبة للمخربين القصد هو أن الأمر يتعلق بمقاتلين كرسوا حياتهم للتنظيم وذهبوا بتنفيذ مهمات مع الإدراك بأنهم لن يعودوا أحياء لأن الأمر يتعلق بمقاتلين مدربين بشكل جيد، مهمتهم هي الانصهار في منطقة العدو وضربه من الداخل.
في حورة، التي خرج منها منفذ عملية بئر السبع، وأيضا في أم الفحم، لا يتأثرون من وصف داعش. "من الصعب معرفة الدافع الفوري. هذا الدافع يمكن أن يكون سببا شخصيا أو احباطا، أو أن هناك شخص أمرهم بالخروج للعمل"، قال مصدر جهاز الأمن الذي عمل في الوسط العربي في السنوات الأخيرة. "في الشباك والشرطة يجب عليهم الإجابة على ذلك. وأيضا على سؤال هل الاثنان من أم الفحم تأثرا مما حدث في الأسبوع الماضي في بئر السبع؟". حسب قوله الانضمام لداعش دائما يتأثر بجهات منظمة من دول أخرى، وبالأساس بالشبكات الاجتماعية. "لذلك، هذا أقل ارتباطا بالخطب في المساجد أو في أماكن أخرى أو بأشخاص آخرين مثل هؤلاء في المجتمع العربي. لقد تأثروا بما اطلعوا عليه في الشبكات الاجتماعية، وبالأساس المشاهد الصعبة التي تم بثها في حينه من سورية"، قال.
الدكتور محمد سلامة، أستاذ الشريعة الإسلامية وخطيب، قال: "إن الشباب ممزقون بين الهويات المختلفة. "من ناحية، هناك تعريف للعربي الفلسطيني المسلم الذي يتماهى مع الفضاء العربي والفلسطيني والإسلامي"، قال. "في عهد الشبكات الاجتماعية يطلعون على مضامين كثيرة. وبعضها يدفع نحو تيارات متطرفة جدا مثل داعش. من ناحية أخرى نحن نريد أن نحافظ ونحترم كوننا مواطنين في دولة إسرائيل. الأغلبية الساحقة في المجتمع العربي تعرف كيفية الحفاظ على هذا التوازن، لكن هناك أفراد هذا الخط يطمس لديهم ويبدأون في الإيمان بمعتقدات متطرفة جدا. بإضافة عناصر السلاح وقصص البطولة، يصبح من السهل جدا إسقاطهم".
حسب أقوال الدكتور سلامة: فإنه في ذروة الحرب في سورية هذه المسألة أقلقته وأقلقت أصدقاءه، وقد تحدثوا عن ذلك في المساجد وحذروا من التداعيات. ولكن في السنوات الأخيرة هذا الموضوع لم يكن على جدول الأعمال العام أبدا، وفي المجتمع العربي بشكل خاص. وأحداث الأيام الأخيرة فاجأت الجميع. وحسب قوله: "أيضا المناخ المشتعل في الأسابيع الأخيرة في النقب وفي القدس كان يمكن أن يشجع الشباب على تنفيذ عمليات".
في أم الفحم قالوا: "إنه توجد لزيادة قوة داعش علاقة بمحاربة الدولة للجناح الشمالي للحركة الإسلامية، التي تم إخراجها خارج القانون في العام 2015.
"الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح عبرت عن موقف واضح ضد داعش، وكانت هي في طليعة العالم العربي ضد هذا التنظيم"، قال ناشط مركزي سابق في الحركة. "عدد غير قليل من الشباب الذين اطلعوا على أيديولوجيا داعش تم وقفهم من قبل أعضاء الحركة الإسلامية في المساجد وفي الخطب، وفي حالات معينة تم منع انضمامهم لصفوف داعش لهذا السبب. الآن، في ظل غياب هذا الإطار، فإن هؤلاء الشباب يمكنهم الوصول إلى هناك دون أن يوقفهم أي أحد".
تفسير آخر لتعزيز وجود داعش في المجتمع العربي عرضه الدكتور أيمن اغبارية من كلية التعليم في جامعة حيفا، ومدرسة "مندل" للإدارة المجتمعية. اغبارية قال في محادثة مع الصحيفة: إن منظومة تدريب المعلمين تعد معلمين للإسلام أكثر كخطباء وواعظين، وبدرجة أقل كرجال تعليم، الأمر الذي يخلق أرضية خصبة للتطرف. وحسب قوله في برامج التعليم تم منع مناقشة الجوانب الدينية – السياسية للإسلام، وتم التركيز فيها بالأساس على النصوص والوصايا". وقال أيضا: "إنهم يمنعون الطلاب من إجراء نقاشات انتقادية".
من جهة، الشباب يطلعون عبر وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية على سوق من الأفكار والرؤى حول ما هو الدين الصحيح، ومن هو المسلم الصحيح، وكيف يتم تجسيد الإسلام في حياة الفرد والمجتمع. من جهة أخرى، منظومة التعليم لا تساعد الأولاد على الفحص بتفهم وبشكل انتقادي هذه الأفكار"، قال اغبارية. "هذه المنظومة لا تساعدهم في تطوير منظور إنساني حول المسائل الجوهرية ومعضلات الحياة العصرية وواقع الفقر والعنف والعنصرية التي يوجدون فيها. من هنا فإن المسافة لتبني الأفكار الأصولية قصيرة جدا".