قفاز فتح

 

هآرتس

عميرة هاس

19/8/2009

قرار مؤتمر فتح السادس القاضي بتمسك الحركة بالمفاوضات كوسيلة لتحقيق الاستقلال وتحصيل الدولة والسلام، هو اعتراف بان استخدام السلاح في الانتفاضة الثانية كان مسألة كارثية. هذا اعتراف صعب من حركة قامت على تقديس الكفاح المسلح، واعتراف ضمني ولكنه جريء من قبل فتح في الفترة التي تسود فيها القناعة لدى اغلبية الفلسطينيين بأن اسرائيل لا ترغب بالسلام.

اضافة اعلان

مع ذلك، يثير هذا القرار عدة تساؤلات عندما يتعلق الامر بشعب واقع تحت الاحتلال.

السؤال الاول هو ان كانت فتح ستتحلى بالشجاعة في الوقت الذي ستندلع فيه انتفاضة جديدة ضد الاحتلال. اي هل سيكون بامكانها ان تقود حركة عصيان مدني من دون ان تسقط في الوهم المسمى "الكفاح المسلح".

السؤال الثاني يتطرق للمفاوضات. التحفظات التي وضعها مؤتمر فتح امام استئناف المفاوضات تعبر عن الانتقاد للطابع التنازلي الذي ادار فيه الممثلون الفلسطينيون المفاوضات. وبالفعل عبر معدو برنامج المؤتمر عن الندم على الاهمال الذي تسبب في عدم تضمين شرط ايقاف البناء في المستوطنات وهدف الدولة وحدودها ضمن اتفاقيات اوسلو. ولكن حتى ان تمكن مخضرمو المفاوضين الفلسطينيين من تغيير نهجهم التفاوضي فهل أصبح الوقت متأخرا الان وفاتهم القطار؟ الحقائق التي فرضتها اسرائيل على الارض لا يمكن لاية مفاوضات جديدة ان تزيلها من تلقاء نفسها.

من الطبيعي فقط ان يبحث الشعب الخاضع لحكم اجنبي عن وسائل لتحقيق استقلاله في الهامش القائم بين الكفاح المسلح والمحادثات السلمية. ولذلك يكون من الطبيعي ان تصرح فتح في مؤتمرها بانها لا تتنازل عن وسائل الكفاح المشروع الاخرى في موازاة المفاوضات (عمليات مقاومة شعبية ضد المستوطنات والمقاطعة). السؤال الذي يطرح نفسه هو هل يمكن ان يكون ذلك اكثر من تصريح؟

فتح كما نعلم هي التي تمترست جدا في مكانتها كحزب حاكم وفي الملذات المحدودة حيث انه في عهد اوسلو المحبط ايضا امتنعت فتح عن استخدام خيار العصيان المدني الشعبي. فتح هي التي تعتبر اقامة السلطة الفلسطينية في نظرها حتى الان – اي اقامة مؤسسات سلطاوية معاقة في جوهرها – انجازا كبيرا. إن السلطة الفلسطينية كمؤسسة تحرص على استمراريتها وفتح التي تحرص على انجازها الكبير هذا لا يتجرآن على توسيع دائرة الاحتجاج الشعبية ضد الجدار الفاصل، الاحتجاج الذي يتفاخرون به وبتحويله الى عصيان شعبي. فالسلطة اكثر انشغالا في تجنيد الشبان للوحدات البوليسية الرامية الى قمع "أعمال الشغب" (وفرض النظام في المدن التي كان مسلحو فتح المتباهون والمحبطون اول من خرقه). ومدربوهم الاجانب لم يعدوهم للتصادم مكشوفي الصدور مع جنود اسرائيليين مسلحين.

لقد قامت الحشود الفلسطينية بفعل ذلك في الانتفاضة الاولى وفي الايام الاولى من الانتفاضة الثانية. وأظهر الجيش الاسرائيلي لهم ان العصيان المدني الشعبي هو هدف للقمع المشروع لدرجة لا تقل عن استخدام السلاح من قبل الفلسطينيين. كما يبرهن التفريق الفتاك للمظاهرات المناهضة للجدار والاجتياحات الليلية والاعتقالات في صفوف النشطاء.

خيار استخدام السلاح الذي شجعه قادة في فتح او انجروا اليه عندما ازداد عدد القتلى الفلسطينيين قتل العصيان الشعبي. ومن اختاروا السلاح فشلوا في تحليل توجهات ونوايا القوة الاسرائيلية الشديدة. وبالفعل حتى من دون عمليات انتحارية فعلت اسرائيل وما زالت كل ما بوسعها لضم اراض في الضفة. ولكن استخدام السلاح من دون تمييز بين المدنيين والجنود اعطاها ذريعة لاقامة الجدار والاستخدام غير المتناسب للسلاح الفتاك واجبار السلطة على خطوات محددة.

ان كانت النتائج صعبة الى هذا الحد فلماذا لا يتم التداول بها جهارا؟ من الصعب اجراء نقاش حول وهم السلاح في الوقت الذي فقدت فيه آلاف العائلات اعزاءها بسببه. ومن الصعب اجراء هذا النقاش لان آلاف الفلسطينيين يدفعون حريتهم ثمنا لذلك بمن فيهم من لم يحمل السلاح. ومن الصعب اجراء نقاش كهذا بمشاركة أشخاص كانوا قد شاركوا في هذا الوهم والخيال ثم انتخبوا لعضوية اللجنة المركزية لفتح. كان من الممكن ان يدور مثل هذا النقاش حول استخدام قادة فتح لـ "الكفاح المسلح" لحرف الانتقادات الشعبية الموجهة للسلطة حينئذ بكل مفاسدها عن مسارها ولانقاذ مكانتهم الاعتبارية كحركة تحرر وطني.

إن الشيزوفرينيا بين الحكم وحركة التحرير (وفقا لتعريفها لنفسها) هو خط مركزي لشخصية فتح وطابعها. فهل يمكن لفتح التي تعتبر السلطة انجازا كبيرا كما أسلفنا أن تخلع بنفسها قفاز المقاومة الشعبية الذي القت به؟