لو منحنا وقتا لربما سيكون هناك شريك فلسطيني

اعمدة من الدخان واللهب تتصاعد في سماء غزة بعد قصف إسرائيلي على القطاع الأسبوع الماضي.-(ا ف ب)
اعمدة من الدخان واللهب تتصاعد في سماء غزة بعد قصف إسرائيلي على القطاع الأسبوع الماضي.-(ا ف ب)

هآرتس

رامي لفني

من بين جميع الضربات التي تلقاها اليسار الإسرائيلي في الجيل الاخير، فإن إحدى الضربات القاتلة هي بلا شك لعنة "لا يوجد شريك": ترسخ الاعتقاد بأن إسرائيل عرضت على الفلسطينيين كل ما في استطاعتها في المفاوضات على الاتفاق الدائم في عهد اهود باراك وإيهود أولمرت، وتمت الاجابة عليها بالرفض المطلق الذي نبع من عدم القدرة العميق على التسليم بوجود إسرائيل. لا يوجد شيء يهز أو يشكك بهذه البديهية، التي يوجد عليها تقريبا اجماع عام.اضافة اعلان
لم تساعد شهادات من غرف المفاوضات التي عرضت معلومات أكثر تعقيدا، ولا كتب لأعضاء طاقم المفاوضات والمذكرات الشخصية لرؤساء الحكومات التي تعرض واقع متردد، ولا روايات من الجانب الأميركي والجانب الفلسطيني تناقض الروايات القائمة، وأيضا لا التحليلات المفصلة للخبراء ولا تحقيقات جذرية لرفيف دروكر (هآرتس، 25/6). امام كل هذا تقف الحقيقة البسيطة، القاطعة: الفلسطينيون هربوا في لحظة الحقيقة، وتنازلوا عن استقلالهم. ولأن هذه الحقيقة لا يمكن تغييرها وهي لا تنجح في التوافق مع المنطق السائد، فمن الصعب توقع أن صورة "لا يوجد شريك" ستتغير في المدى المنظور.
هناك طريقتان للنظر إلى الرفض الفلسطيني: طريقة مبدئية وطريقة ظرفية. اليمين يرى في سلوك الفلسطينيين في كامب ديفيد وأنابوليس سلوكا مبدئيا، أي وكأنه ينمو من الموقف الايديولوجي، المعارض للسلام الذي يواصل سعيه للقضاء على إسرائيل. اليسار في المقابل يفسر الـ "لا" الفلسطينية كظرفية في اساسها، أي وكأنها مرتبطة بمتغيرات مختلفة، مثل عرض إسرائيل غير المرضي، الفشل في الوساطة الأميركية، التعبئة الهزيلة للدول العربية وضعف القيادة.
التفسير الأول، المبدئي، رغم تبجحه بحل وتفسير الجذور الثابتة للصراع، إلا أنه لا ينجح في اختبار العقلانية وهو مصاب بتناقضات داخلية. وهو يفترض فعليا أن القومية الفلسطينية الجديدة كلها من 1988 وحتى أيامنا، ليست اكثر من مؤامرة، تظاهر شيطاني، شبح داخل الكابوس الإسرائيلي. ولكن بهذه الصورة لا تعمل السياسة. مع كل الاحترام، فإن الشعوب لا تخترع نفسها بفضل كوابيس الآخرين. الفلسطينيون يعملون من اجل مصالحهم الشخصية. وقد اجتازوا انقلابا في نهاية القرن العشرين، قبل الموافقة على تقسيم البلاد، كما تعهدوا امام كل العالم، ودفعوا الاثمان الداخلية. لا يمكن الادعاء أن الفلسطينيين يذهبون إلى المفاوضات من اجل تدمير إسرائيل بطرق سياسية. وفي حينه الادعاء بأنهم يخربون المفاوضات لنفس تلك الاسباب.
ولكن أيضا التفسير الثاني، الظرفي، غير مرضي. وليس غريبا أنه غير مقنع. يصعب قبول التفسير بأن ياسر عرفات لم ينجح طوال اشهر في اعطاء رد لباراك، وفي نهاية المطاف بدأ بالانتفاضة الثانية فقط لأنه تمت اهانته من أن رئيس الحكومة الإسرائيلي لم يتحدث معه على انفراد؛ يصعب فهم لماذا تجاهل مبادرة الرئيس بيل كلينتون؛ كما أنه يصعب فهم لماذا تردد محمود عباس في الاجابة على اقتراحات اهود اولمرت، حتى أصبح الوقت متأخرا جدا، ولماذا لم يعرض اقتراحات خاصة به. النتيجة المشتركة كانت اضعاف وتقسيم الشعب الفلسطيني.
لربما مطلوب تفسير يدمج أيضا مكونات مبدئية داخل صورة الوضع الظرفي ويؤكد العلاقات المتبادلة بينهما. هذه تستطيع أن تكون كالتالي: الفلسطينيون جاءوا إلى المحادثات بدافع الرغبة في التحرر من الاحتلال الإسرائيلي لمناطق 1967، لكن بدون صورة واضحة لمشروعهم الوطني، بما في ذلك مستقبل سيادي ودولي. لقد عرفوا ما الذي لا يمكنهم الموافقة عليه، وبدرجة أقل ما يمكنهم الموافقة عليه.
أيضا الإسرائيليون جاءوا إلى المفاوضات دون أن يستوعبوا بصورة كاملة أن علاقاتهم مع الفلسطينيين سترتكز على تنازل كامل عن حقوقهم الزائدة في المناطق التي سينسحبون منها وعلى الغاء علاقات القوة. عدم النضج المبدئي للفلسطينيين منعهم من عرض اقتراحات مضادة وتنازلات خاصة بهم، وجعلهم يتبنون تكتيك انتظار اقتراحات إسرائيل. عدم نضج إسرائيل المبدئي أدى إلى طرح افكار عبثية على مدى فترة طويلة جدا. وأضيفت إلى هذا العوامل الظرفية: ادارة محادثات سيئة، مناخ صعب، انعدام الكيمياء بين الزعماء، توقيت المحادثات وعدم الاعداد لها، الضغط الداخلي وما أشبه. يمكن الافتراض أنه لو كانت المعايير الظرفية مختلفة لكان لها تأثير على الاستعداد المبدئي وبالعكس.
اذا كانت هناك ضرورة مع كل ذلك إلى الاشارة إلى عامل واحد يعتبر المتهم المركزي بالفشل، فإنه الوقت. المزيد من الوقت كان يمكن أن يعطي مساحة كافية للتجربة والخطأ، المصالحة بين العوامل المبدئية والظرفية، وربما كان يمكن الجسر بين الفجوات. المزيد من الوقت. ولم يكن ليضر القليل من الحظ.