محاولة ترميم القيادة الفلسطينية لا تقلع والزمن ينفد

الرئيس الفلسطيني محمود عباس
الرئيس الفلسطيني محمود عباس

هآرتس
بقلم: تسفي برئيل
23/2/2024

 

"لماذا نحن بحاجة إلى مشروع فلسطيني وطني جديد"، تساءل الدكتور مصطفى البرغوثي في مقال لاذع نشره في هذا الأسبوع في موقع "العربي الجديد". "السبب هو أن منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الرسمي للفلسطينيين، تخلت في الثمانينيات عن مشروع الدولة الفلسطينية الواحدة، وتبنت حل الدولتين، أي إقامة دولة على حدود العام 1967 مع حل متفق عليه لمشكلة اللاجئين. هذا الهدف يستند إلى وهمين؛ إمكانية التوصل الى تسوية مع الحركة الصهيونية، وأن الولايات المتحدة يمكن أن تكون وسيطا وضامنا لهذا الحل".اضافة اعلان
البرغوثي (70 سنة) هو عضو في المجلس المركزي في منظمة التحرير الفلسطينية، وهو الذي أقام في 2002 حزب المبادرة الوطنية الفلسطينية. وهو من الأصوات الفلسطينية البارزة، إلى جانب مهنته الرسمية كطبيب، فهو يعد المثقف العام الذي لا يوفر أي انتقاد لاذع له لقيادة المنظمة ورئيسها محمود عباس. أيضا في مقاله الأخير هو كتب عن فشل المشروع السياسي للمنظمة (مشروع أوسلو).
أسباب الفشل، حسب البرغوثي، كثيرة: "استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي وإفشال جهود المصالحة، وغياب ديمقراطية داخلية في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والفشل في بلورة أدوات لشراكة ديمقراطية في قيادة النضال الوطني والعملية السياسية، وإدارة السلطة الفلسطينية والإصلاحات للمنظمة". النتيجة، حسب قوله، هي "فجوة عميقة بين القيادة الرسمية لها ومعظم الفصائل الأعضاء فيها وبين الجمهور، لا سيما الجيل الشاب الذي يشعر بأنه مقصى ومبعد، بالتحديد في الوقت الذي تتزايد فيه المؤامرات على تصفية الحق الفلسطيني".
ما الحل؟ "توحيد مكونات الشعب الفلسطيني والحفاظ على وحدة الأرض والأمة، وهي أهداف سيتم تحقيقها فقط بواسطة تشكيل قيادة وطنية موحدة، تشمل كل قوى النضال في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وبناء نظام ديمقراطي داخلي على أساس شراكة ديمقراطية، ورفض الخيار الوحيد والهيمنة (لمجموعة واحدة، القصد هو حركة فتح) وإجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية تضم الفلسطينيين في المناطق وفي الخارج".
أفكار البرغوثي وطلباته غير جديدة، ولكنها تكتسب أهمية بالتحديد في الفترة الأخيرة، التي تجري فيها محادثات مكثفة حول إعادة ترميم المنظمة وتوسيع صفوفها من أجل أن تشمل حماس والجهاد الإسلامي ومنظمات أخرى لم تنضم منظمة التحرير الفلسطينية حتى الآن. حتى الحرب في غزة، استخدم مفهوم "إعادة ترميم منظمة التحرير الفلسطينية" أو "إحياء البيت الفلسطيني" كتعبير مرادف لمسألة الوراثة التي ستأتي بذهاب محمود عباس (88 سنة). الحرب وطلب الولايات المتحدة إجراء إصلاحات هيكلية في السلطة كشرط لتولي المسؤولية عن إدارة غزة بعد الحرب، جعلت قضية "إعادة البناء" لا تنتظر حتى "الوراثة الطبيعية" التي ستأتي عندما لا يكون عباس موجودا، أو لا يرغب في مواصلة قيادة المنظمة. هي تقتضي حلا قريبا وحتى فوريا.
إذا تم التوصل حقا إلى وقف طويل لإطلاق النار كجزء من اتفاق لإطلاق سراح المخطوفين والسجناء الفلسطينيين، فإن الإدارة الأميركية تتطلع إلى أن تطرح في الفترة الطويلة نسبيا، ثلاثة أسابيع -شهر وربما أكثر، آلية فلسطينية متفق عليها ستبدأ في إدارة القطاع، في البداية في الشمال وبعد ذلك في جنوب القطاع، كي يكون بالإمكان البدء في إعادة بناء حياة حوالي 2.3 مليون من سكانه.
البنية التي تتبلور والمقبولة كما يبدو أيضا على مصر والسعودية والأردن، التي ناقشت ذلك مع شخصيات رفيعة في الإدارة الأميركية، هي حكومة خبراء مؤقتة، فوق حزبية، كما يبدو ليست حكومة لفتح وبالطبع ليس لحماس، التي ستعمل بتمويل أميركي وسعودي وربما أيضا بتمويل دولة الإمارات وإلى جانبها قوة شرطة تقوم بتأهيلها الولايات المتحدة ومصر.
حكومة تكنوقراط كهذه شكلت في السابق في 2017 في أعقاب اتفاق القاهرة الذي تم التوقيع عليه بين فتح وحماس. وقد تم حلها خلال سنة في أعقاب خلافات شديدة حول تقسيم الصلاحيات والميزانيات، والتي وصلت إلى الذروة مع محاولة اغتيال رئيس الحكومة رامي الحمد الله عندما قام بزيارة عمل في غزة. كان يمكن أن تكون ذراعا تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كمنظمة تعد الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
بشكل تقني ودستوري، فإن محمود عباس مخول بتعيين حكومة كهذه وأن يضع على رأسها رئيس حكومة من قبله، ولكن يحتج على هذه الصلاحية شخصيات كبيرة في المنظمة بذريعة مبررة، وهي أنه لم يعد زعيما شرعيا بعد انتهاء ولايته القانونية في 2010، رغم انتخابه في المجلس المركزي في المنظمة لمدة غير محدودة في 2009. وبخصوص طلب أميركا أن يتم تعيين نائب له مع صلاحيات واسعة، عباس أوضح في السابق أن الدستور الفلسطيني لا يشمل مثل هذا البند، وأن أي تغيير في الدستور يحتاج إلى قرار من المجلس الوطني الفلسطيني (الجسم النظري الذي لم يتم عقده من سنوات وعمليا هو موجود فقط على الورق)، أو من المجلس التشريعي الفلسطيني الذي قام هو نفسه بحله في 2018.
في المنظمة، يرون في المبادرة الأميركية التي ما يزال يصعب اعتبارها خطة عمل واقعية، فرصة لتمهيد الأرض للبدء في إجراء عملية استبدال للأشخاص في القيادة، وبالأساس فرصة لتقليص قوة عباس. ناصر القدوة، ابن شقيقة ياسر عرفات، الذي شغل أيضا منصب وزير خارجية السلطة في الأعوام 2003-2005 هو من بين الأصوات العلنية البارزة التي تدعو إلى عزل عباس. هذا الأسبوع في مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية قال "إنه يجب إجراء "طلاق طوعي" من عباس من أجل أن يبقى رئيس شرف، ويمكن رئيس حكومة فلسطينية جديدا من إدارة الضفة والقطاع".
القدوة (70 سنة)، وهو طبيب أسنان، تم طرده من صفوف حركة فتح في العام 2021 بعد أن قام بتشكيل قائمة مستقلة للانتخابات التي تم التخطيط لها في أيار (مايو) من العام نفسه، والتي تم إلغاؤها من قبل عباس. في المقابلة نفسها، أضاف "أنه لا توجد إمكانية لتصفية حماس مثلما تطمح إسرائيل، لكن حماس ستضعف ولن تحكم غزة بعد الحرب، هي ستكون حماس مختلفة". هو لم يوضح طبيعة التغيير، لكنه أضاف أنه تحدث مع أعضاء حماس، وحسب قوله، هم يدركون أن مكانة المنظمة قد تغيرت. القدوة هو نوع من "الشريك الائتلافي" لمحمد دحلان، الذي هو أيضا له حساب طويل مع عباس، والذي يطمح الآن إلى تولي دور في القيادة رغم نفيه.
أمام دحلان والقدوة يقوم بالتسخين أيضا حسين الشيخ، سكرتير اللجنة التنفيذية والشخص الذي سمي ذات يوم من قبل ضباط إسرائيليين "رجل إسرائيل في الضفة"، والوريث الذي أعده عباس وعينه لهذا المنصب. محمود العالول (74 سنة)، نائب محمود عباس، وهو رجل فتح المخضرم الذي ترك مع عرفات لبنان إلى تونس وعاد إلى الضفة بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، وهو أيضا أحد الأشخاص الذين يمكنهم التنافس على وراثة عباس، لكن نيته ما تزال غير واضحة. في المقابل، جبريل الرجوب، رئيس اللجنة الأولمبية الفلسطينية، لا يخفي نيته وقدرته على استبدال محمود عباس.
كل هؤلاء المرشحين، الحقيقيين أو النظريين، يشاركون الموقف الذي يفيد بأن المنظمة "المتجددة" يجب عليها أن تضم في صفوفها حماس وتنظيمات أخرى كجزء من الإصلاح. ولكن حماس نفسها التي لم تتوقف عن التصريح عن نيتها الانضمام للمنظمة لا توضح الى أي منظمة تريد الانضمام، هل منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت على اتفاق أوسلو والتي تعترف بدولة إسرائيل وتلتزم بحل الدولتين أو المنظمة التي تتعهد بتغيير مبادئها وسياستها.
أول من أمس، في تصريح آخر من التصريحات التي بشكل عام تمر بتعديل بعد فترة قصيرة على نشرها، قال موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي في حماس، أن حماس مستعدة لتبني فكرة حكومة التكنوقراط، التي لن تكون حماس شريكة فيها. وأثار أبو مرزوق عاصفة عندما تحدث عن أن حماس مستعدة للاعتراف بـ"الموقف الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية والذي يعني الاعتراف بدولة إسرائيل. نحن نريد أن نكون جزءا من المنظمة ونحن نحترم التزامات هذه المنظمة". بعد فترة قصيرة من ذلك، نشر بيان جاء فيه أنه لم يتم فهمه كما يجب، وأكد "أن حماس لا تعترف بشرعية الاحتلال الإسرائيلي وهي غير مستعدة للتنازل عن حق من حقوق الشعب الفلسطيني".
سؤال هل يوجد أيضا لدى حماس استعداد للسماح بنشاطات حكومة تكنوقراط فلسطينية في غزة، هو سؤال ذو صلة، ليس فقط بسبب موقف إسرائيل التي ما تزال غير مستعدة حتى للسماع عن إمكانية عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة. السؤال الجوهري الذي سيقف أمام قيادة منظمة التحرير الفلسطينية هو كيف يمكن صياغة اتفاق تعاون مع إسرائيل، ليس فقط فيما يتعلق بقطاع غزة، بل أيضا فيما يتعلق بالمناطق الأخرى، خاصة إزاء الموقف العلني لكل المرشحين لوراثة عباس، الذي يقول إنه يجب أن تمر اتفاقات أوسلو بعملية جراحية عميقة. هذه أسئلة مهمة، لكن مشكوك فيه إذا كانت المنظمة ستنجح في الإجابة عنها في الفترة الزمنية التي ستحدد لوقف إطلاق النار إذا تم التوصل إليه، في الوقت الذي فيه الفترة الزمنية، التي سيكون عليها فيها تقديم خطة واقعية لإدارة غزة، تنفد بسرعة.