مسائل الحياة والموت

يديعوت أحرونوت

ناحوم بارنيع  5/5/2017

في الاسبوع المقبل سيصدر الكتاب الجديد لعاموس عوز بعنوان "سلام للاصوليين"، في ثلاثة مقالات موسعة، يحلل فيها عوز تعاطي المجتمع الإسرائيلي مع ثلاثة مواضيع في صلب النقاش الجماهيري: الإسرائيليون والاصولية الدينية القومية، الإسرائيليون واليهودية والإسرائيليون والفلسطينيون. "أريد القاء نظرة شخصية على المواضيع الخلافية لدينا، التي يبدو البعض منها بالنسبة لي مسألة حياة أو موت"، كتب عوز.اضافة اعلان
الكتاب يعبر عن قناعة عوز. الإسرائيليون الذين تميل قناعاتهم إلى الانسانية والليبرالية والصهيونية والعلمانية سيعتبرون الكتاب مسنداً لهم والإسرائيليون الذين في القطب الآخر سيجدون فيه تحديا ثقافيا.
1 - الاصولية: كراهية الآخر
التطرف الديني هو اقدم من الاسلام بكثير، أقدم من المسيحية واليهودية. أقدم من أي ايديولوجيا في العالم، وهو أحد أسس طبيعة الانسان "جين سيئ": الذين يقومون بتفجير العيادات التي يتم فيها الاجهاض، والذين يقتلون المهاجرين في اوروبا، والذين يقتلون النساء والاطفال في إسرائيل، والذين يحرقون منزلا وفيه عائلة فلسطينية، آباء وأولادهم، في المناطق المحتلة من قبل إسرائيل، والذين يعتدون على الكنس والكنائس والمساجد والمقابر – صحيح أن كل هؤلاء يختلفون عن القاعدة وداعش في حجم اعمالهم وخطورتها، لكنهم لا يختلفون في طبيعة الجرائم. الآن يتم الحديث عن "جرائم الكراهية"، لكن يجب التدقيق واستخدام مصطلح "جرائم التطرف الديني": هذه الجرائم تتم بشكل يومي، وضد المسلمين أيضا.
ابادة الشعب والجهاد والحملات الصليبية ومعسكرات الابادة وافران الغاز، أقبية التعذيب والعمليات الارهابية بدون تمييز، كل ذلك ليس جيدا، وكله تقريبا سبق ظهور الاسلام المتطرف بمئات السنين.
كلما اصبحت الاسئلة أصعب واكثر تعقيدا كلما زاد تعطش المزيد من الناس للاجابات البسيطة، اجابات الجملة الواحدة، الاجابات التي تشير بلا تردد إلى المتهمين بمعاناتنا، اجابات تضمن لنا أنه اذا قمنا بالقضاء على الشياطين فستختفي مشاكلنا على الفور.
"كل شيء بسبب العولمة"، "بسبب المسلمين"، "بسبب المباح"، "بسبب الغرب"، "بسبب الصهيونية"، "بسبب هؤلاء المهاجرين"، "بسبب العلمانيين"، "بسبب اليساريين" – كل ما يجب عليك أن تفعله هو شطب الزائد ووضع دائرة حول الشيطان الصحيح حسب رأيك، وبعد ذلك القيام لقتل هذا الشيطان (مع من معه أو من وجد إلى جانبه بالصدفة)، وهكذا يتم فتح ابواب جنة عدن مرة وإلى الأبد.
بالنسبة للكثير من الناس أصبح الاحساس الجماهيري القوي هو احساس الاحتقار العميق: الاحتقار المتآمر ضد "الحوار المسيطر"، احتقار الغرب للشرق، احتقار الشرق للغرب، احتقار العلماني للمؤمنين، الاحتقار الديني للعلمانيين – احتقار شامل بدون تحفظ ينتشر ويزداد . والاحتقار الشامل هو أحد مركبات التطرف الديني.
على سبيل المثال، الفكرة التي ظهرت قبل نصف قرن واعتبرت فكرة جديدة، فكرة التعددية الثقافية وسياسة الهوية، أصبحت بسرعة وفي كثير من الاماكن سياسة كراهية الهوية: ما بدأ باتساع الأفق الثقافي يتدهور نحو سد الأفق والانغلاق وكراهية الآخر – باختصار، موجة جديدة من احتقار الآخرين، والاصولية المتفاقمة من اتجاهات كثيرة.
التطرف الديني المتزايد لدى الجموع الغفيرة في كل العالم ليس صدفيا: هناك من يهتم به، ومن يركب على ظهره، سواء بسبب البحث عن القوة أو بسبب البحث عن المال، الناشر ومن يمول الناشر يريدون منا العودة لنكون اولاد صغار مدللين، لأن الاولاد الصغار والمدللين هم المستهلكون الاكثر قابلية للاغراء.
أمام أعيننا يتم محو الحدود بين السياسة وبين صناعة التسلية. العالم كله أصبح "روضة عالمية". الملكات المطلوبة للمرشح كي ينجح في الانتخابات تناقض تقريبا مواصفات القائد. تحولت السياسة ووسائل الاعلام إلى قطاع لانتاج التسلية والضحك: بالضبط مثل روما القديمة تقوم وسائل الاعلام بالقاء 2 – 3 من الضحايا المعروفين للاسود، سواء كانوا مدانين أو أبرياء، وهذا من اجل تسلية الجموع الغفيرة وحرف انظارهم وأخذ اموالهم.
2 - اليهودية: فوضى وغضب
عالم الشريعة، مثل الكون نفسه، يبدأ بالانفجار الكبير: اعطاء التوراة، جبل سيناء. منذ ذلك الحين وحتى الآن – في جميع الحالات منذ ذلك الحين وحتى أمس وأول أمس – ثقافة إسرائيل هي ثقافة الدوائر المتسعة وكأنها نيازك كبيرة سقطت في المحيط وهي آخذة بالاتساع حول قصة جبل سيناء، اتساع التفسيرات وتفسير التفسيرات. ولكن كلما حدث اتساع كلما زاد الضعف. إرث إسرائيل على مر الاجيال يتكون من لبنات التفسيرات وتفسير التفسيرات للتوراة التي نزلت في جبل سيناء. وكلما ابتعدنا عن نزول التوراة كلما تقلص مجال التحليل. كل جيل يضيف إلى التحليلات، ويحظر على أي جيل تقليصها. محظور شطب أي شيء. يتبين أن البيت مليء بالاثاث، والاثاث مليء بأشياء اخرى. وعما قريب لن يدخل أو يخرج أي شيء لأنه لم يبق مكان.
في عالم الشريعة يزداد الالمام التعليمي أو التشدد أو تحمس القلوب، في الوقت الذي يتقلص فيه مجال الابداع.
عندما بدأت العلمانية الانتشار في اوروبا قبل 200 سنة، حيث ان مركز هوية المحيط غير اليهودي كف عن كونه مركزا دينيا وأصبح مركزا وطنيا، وظهور الايديولوجيا العلمانية متعددة القوميات أو فوق القومية أيضا، أصبحت حياة اليهود داخل جدران الدين مزعجة أكثر. أما سحر العوالم القريبة فأصبح جذابا أكثر.
لقد حدث ذلك لأن الحاجة إلى الآخر هي دائما عنصرا حيويا في هوية كل شخص أو جماعة، والحاجة إلى أعدائنا هي جزء من تعريفنا الشخصي.
في الاجيال الاخيرة وجد المزيد من اليهود أن الحياة حسب الشريعة لم تعد تناسبهم. البعض منهم قام بتوسيع هويتهم نحو الاتجاه القومي السياسي، والبعض الآخر قام بتوسيعها نحو الاصلاح الديني. والكثيرون توجهوا إلى بوابة الخروج واندمجوا.
يهودية الشريعة ردت بغضب وفوضى: المقاطعة، الشتائم، الانكار، التحصن وكأنها قررت أن من الواجب الانغلاق في الحصن الروحاني والعاطفي إلى حين مرور الغضب. اغلبية اليهودية لم تخرج من الحصن حتى الآن، هنا أيضا في القدس وبني براك وبيت شيمش وبيتار عيليت.
هناك قاسم مشترك عاطفي بين اليمين الإسرائيلي الحالي وبين يهودية الشريعة: لقد اعتاد الطرفان على العيش في صراع حقيقي أو عاطفي مع العالم الخارجي. الطرفان يجدان أن هناك تناقضا أبديا بين إسرائيل وبين أمم العالم: "عنزة بين 70 ذئب"، "قطيع للذبح". جهد اليسار الإسرائيلي لالغاء "أبدية الصراع" بيننا وبين العرب وبيننا وبين كل العالم تبدو حسب رأي اليهودية، يهودية الشريعة. وأيضا في نظر قسم من اليمين كتهديد خطير لتميز شعب إسرائيل: اذا كان لا يوجد عدو ولا توجد مطاردة ولا حصار فإن العالم الخارجي سيقوم باغرائنا وسنفقد هويتنا ونندمج. حسب هذا الرأي فإن المطاردة والحصار والعدو على الابواب هي ظروف صديقة معروفة لنا جيدا على مدى تاريخنا، وهي تعزز هويتنا.
الوضع الطبيعي، في المقابل، الذي لا يكون فيه عدو مناوب (هذا هو الوضع الذي طمحت اليه صهيونية هرتسل وحاييم وايزمن وبن غوريون وجابوتنسكي، واليه يسعى اليسار الإسرائيلي الآن)، هذا الوضع الطبيعي حسب اليمين ويهودية الشريعة ويهودية الاستيطان هو تهديد لهويتنا. "في كل جيل وجيل يقومون علينا لقتلنا، والخالق ينقذنا منهم". واذا جاء بالفعل اليوم الذي لن يقوموا فيه علينا لقتلنا، فماذا ستكون هويتنا؟ من الذي سينقذه الله؟ اشخاص كثيرون يعتقدون أن الصراع الأبدي واستمراره أهم من المناطق بالنسبة لنا.
3 - جيرة: دولتان
نقطة انطلاق الصهيونية لدي منذ عشرات السنين بسيطة: نحن لسنا وحدنا في هذه البلاد. نحن لسنا وحدنا في القدس. وأنا أقول ذلك أيضا لاصدقائي الفلسطينيين. أنتم لستم وحدكم في هذه البلاد، ولا مفر من تقسيم البيت الصغير إلى شقتين اصغر. نعم بيت لعائلتين. واذا جاء شخص ما من أحد الطرفين وقال "هذه بلادي" فهو محق. ولكن اذا جاء شخص من أحد الطرفين وقال "هذه البلاد من البحر حتى النهر كلها لي، لي فقط" فإن هذا الشخص تنبعث منه رائحة الدم.
نعم: حل وسط بين إسرائيل وفلسطين. نعم، دولتان. تقسيم هذه البلاد وتحويلها إلى بيت لعائلتين. في الطرفين اشخاص يحتقرون الحل الوسط، ويعتبرون أي حل وسط ضعفا وتراجعا. أما أنا، أعتقد أنه في حياة العائلة وحياة الجيرة وحياة الشعوب، الخيار هو الحل الوسط، أي اختيار الحياة. نقيض الحل الوسط ليس الوقوف بقامة منتصبة أو باستقامة أو التمسك بالقيم. نقيض الحل الوسط هو الاصولية والموت. الفلسطينيون يديرون ضدنا حربين مختلفتين. فمن جهة يناضل الكثيرون منهم من اجل انهاء الاحتلال والحق في الاستقلال القومي والحق في أن يكونوا شعبا حرا في بلادهم. وكل شخص نزيه سيؤيد هذا النضال، ولن يؤيد جميع الوسائل المستخدمة فيه. ومن جهة اخرى كثير من الفلسطينيين يحاربون حرب الاسلام المتطرف، حرب السعي إلى القضاء على دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهودي ودولة جميع مواطنيها (حسب موقف الاسلام المتطرف اليهود هم ليسوا شعب، وعلى الاكثر مسموح لهم الصلاة في الكنيس والعيش كأفراد تحت رعاية النظام الاسلامي مثلما كانت الحال على مر الاجيال مع يهود اليمن والعراق وسورية). هذه حرب فظيعة، كل شخص نزيه سيقوم باحتقارها.
مصدر الاحراج والبلبلة لدينا وفي كل العالم هو أن الكثيرين من الفلسطينيين يديرون الحربين في نفس الوقت. الاشخاص النزيهون الذين يؤيدون السلام والعدالة في إسرائيل وفي كل العالم يقعون في الشرك. إما أنهم يدافعون بحماسة عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للمناطق بزعم أن إسرائيل هي ضحية الجهاد وأن الاحتلال هو للدفاع الشخصي. وإما أنهم ينتقدون إسرائيل ويشهرون بها بزعم أن الاحتلال فقط هو مصدر السوء، لذلك من حق الفلسطينيين سفك دماء الإسرائيليين بدون قيود.
حربان تداران هنا، واحدة حرب صادقة والاخرى مجحفة.
نفس الشيء يمكن قوله عن دولة إسرائيل: هي أيضا تخوض حربين في نفس الوقت. الحرب العادلة حول حق الشعب اليهودي بأن يكون شعبا حرا في بلاده، والثانية حرب القمع والعقاب الذي يهدف إلى اضافة غرفتين أو ثلاث غرف لشقتنا على حساب الجار الفلسطيني وسلب ارضه ومنع حقه في الحرية.
فكرة الدولة ثنائية القومية، التي نسمعها الآن من اليسار المتطرف وبعض الاشخاص في اليمين الغريب، هي حسب رأيي نكتة حزينة. لا يمكننا التوقع من الإسرائيليين والفلسطينيين بعد مئة سنة من الدم والدموع والكوارث، القفز فجأة معا إلى السرير والبدء بشهل العسل.
لو كان أحد ما اقترح في العام 1945 بولندا أو المانيا كدولة ثنائية القومية، لكانوا أدخلوه إلى مستشفى الامراض العقلية.
بعد الانتصار الكبير في حرب الايام الستة كتبت عن تحطم الاخلاق الذي يسببه الاحتلال للمحتل. وخشيت في حينه من أن يتسبب الاحتلال بافساد الواقعين تحت الاحتلال. وكثيرون ومنهم البروفيسور يشعياهو ليفوفيتش أيدوني.
نحن والفلسطينيون لا يمكننا التحول من الغد إلى عائلة واحدة سعيدة. نحن نحتاج دولتين. ويمكن أن يجيء التعاون بعد زمن مثل السوق المشتركة أو الفيدرالية. ولكن في المرحلة الاولى يجب أن تكون البلاد بيت لعائلتين، لأننا نحن اليهود الإسرائيليين لن نذهب إلى أي مكان، فليس هناك مكان نذهب اليه، وكذلك الفلسطينيون لن يذهبوا إلى أي مكان، فلهم أيضا لا يوجد أي مكان يذهبون اليه. الصراع بيننا وبينهم ليس هوليووديا بين الاخيار والاشرار، بل هو تراجيديا للحق مقابل الحق. وهذا ما كتبته قبل خمسين سنة تقريبا، وهذا ما اؤمن به الآن. الحق مقابل الحق، واحيانا يكون عدم الحق مقابل عدم الحق.