معضلة الغزيين: الاختيار بين الطرد أو النجاة

1702202136252722200
دمار هائل نتيجة عدوان الاحتلال طال كافة مناطق قطاع غزة.-(وكالات)

هآرتس
بقلم: عميره هاس
10/12/2023


في رام الله معجبون بصمود الغزيين الذي هو فقط حسب الكثير من الأشخاص، أفشل خطة إسرائيل الأصلية لهذه الحرب، طرد سكان القطاع إلى مصر وتوطينهم هناك. هذا الإعجاب يتعارض مع الأحاديث التي لا تنقطع لسكان القطاع عن الرغبة في المغادرة للنجاة من الموت أو الإصابة، في عمليات القصف والجوع والعطش والإهانة. "هذا صمود رغم أنفنا"، يقولون في غزة.اضافة اعلان
حتى قبل الحرب، أظهر استطلاع للرأي العام أجراه معهد تحليل السياسة والاستطلاعات في شهر حزيران (يونيو) الماضي، أن 29 % من سكان القطاع قالوا: "إنهم يريدون الهجرة لأسباب سياسية واقتصادية واعتبارات تتعلق بالأمن الشخصي". في شهر أيلول (سبتمبر)، كانت موجة من التقارير عن ارتفاع عدد المهاجرين. في 6 تشرين الأول (أكتوبر) نشر في موقع الأخبار التركي "اناضولو" عن أساليب الهجرة، وعن نفي سلطة حماس، بأن الحديث يمكن أن يكون يتعلق بظاهرة. هل الرغبة في المغادرة تضاءلت لأسباب وطنية في الوقت الذي تهدد فيه الحرب حياة كل إنسان وكل عائلة؟.
الأحاديث عن طرق الخروج، تمتد وتصل حتى رام الله. الشائعة تقول: "إنه مقابل 6 – 7 آلاف دولار لكل شخص يمكن في هذه الأيام ترتيب خروج من القطاع في معبر رفح". قبل شهر كان المبلغ هو 4 – 5 آلاف دولار للشخص. يتحدثون عن شخص ثري من غزة دفع ربع مليون دولار تقريبا من أجل إخراج 25 شخصا من أبناء عائلته الموسعة من القطاع. التعريف المغسول لهذا هو "رسوم تنسيق". والتعريف الصحيح هو "رشوة لجهات مجهولة"، الناس يذكرون اسم شركة في مصر تعمل على تنسيق الخروج، وأن هناك وسيطا فلسطينيا يشارك في ذلك، كما يقولون.
المعنيون بهذا "التنسيق" هم غزيون غير محظوظين مثل من لديهم جنسية اجنبية، أو من لهم قريب من الدرجة الأولى يحمل جنسية أجنبية. من لديه تأشيرة سارية المفعول في دولة أخرى، أو من هم في إطار عملهم في منظمة دولية، قاموا بإقامة علاقة جيدة مع سفارات أجنبية، والتي عملت على إخراجهم من القطاع. لكن عائلة عادية تتكون من ثمانية أفراد ولا تنطبق عليها أي فئة من هذه الفئات من أين يمكنها الحصول على هذه "الرشوة" أو "تنسيق الخروج"؟.
المغادرة، وحتى فقط الحديث عن المغادرة، تتسبب بالألم لكل شخص ولكل عائلة: كل من يمكنه الخروج لأي سبب كان، فإنه يترك والدان مسنان أو إخوة وأخوات، أحيانا يكونون مرضى أو مقعدين ويعتمدون على أحد الأقارب كي يأخذهم من مكان محمي إلى آخر، أو أن يهتم بأسطوانة الأكسجين التي لديهم. كل امرأة تغادر تعرف أن هذه ربما تكون المرة الأخيرة التي سترى فيها والدتها ابنة الثمانين أو الأخت المصابة بمرض السرطان.
من يمكنهم الخروج، مثلما في كل مكان وفي أي حرب، هم أبناء الطبقة الاجتماعية والاقتصادية الثرية، سواء بسبب أصل العائلة أو بفضل الثقافة التي حصلوا عليها. يوم الأربعاء الماضي، خرج من قطاع غزة 723 شخصا، هكذا جاء في التقرير اليومي في معبر رفح. ثلاثة مصابين مع ثلاثة مرافقين و20 عضوا في بعثة إيطالية و703 ممن يحملون جوازات السفر الأجنبية (العدد لا يتوافق مع الأصل). في 2 من كانون الأول (ديسمبر) الحالي، غادر 862 شخصا من الأجانب، الذين يمكن الافتراض بأنهم في معظمهم من الغزيين. إضافة إليهم خرج 12 مصابا ومريضا واحد يحتا إلى العلاج في الخارج و16 مرافقا و3 أشخاص من بعثة الأمم المتحدة (الذين لا نعرف إذا كان من بينهم من سكان القطاع)، بالإجمال 894 شخصا، عدد من دخلوا القطاع في اليوم نفسه، 2 من المدنيين (من السكان) و3 حالات وفاة (الظروف غير مذكورة).
الإعجاب بقدرة صمود الغزيين يصطدم، عاطفيا وأخلاقيا، مع الحقيقة الآتية، وهي أن الفلسطينيين على قناعة بأن إسرائيل تدير حرب إبادة ضد أبناء شعبهم داخل حدود القطاع، أي إبادة شعب. أليس من المنطقي أن يهرب هؤلاء الأشخاص من الذين يريدون إبادتهم، ولا سيما أن الأمر يتعلق فقط بالانتقال إلى الطرف الثاني للحدود؟.
الرغبة في طرد الفلسطينيين، ترتدي قناع القلق الإنساني. هذه الأحاديث خفت قليلا ربما في أعقاب المعارضة العلنية، سواء من مصر أو من الولايات المتحدة.
لكن عندما تقوم الولايات المتحدة بفرض "الفيتو" على قرار لوقف فوري لإطلاق النار، فهي فقط تشجع على زيادة الضغط على مصر كي تقوم بفتح الحدود. عمليات القصف والمعارك دمرت وستدمر المباني والبنى التحتية في معظم القطاع. وحتى لو توقفت الحرب في الغد، فلن يكون لمن بقوا على قيد الحياة أي مكان للعيش، وإعادة الإعمار، من دون صلة بمن سيتم الإعلان عنه أنه المنتصر، ستستغرق وقتا طويلا.
المعضلة هي: حول الخطوة الصحيحة، المغادرة للنجاة أو البقاء في "العصر الحجري"، من أجل القومية والوطنية – هذه المعضلة سترافق كل شخص.