مع مبادرة السلام السعودية البلاد ستهدأ

نازحون تقطّعت بهم السبل في رفح جنوبي قطاع غزة - (من المصدر)
نازحون تقطّعت بهم السبل في رفح جنوبي قطاع غزة - (من المصدر)

مئير شطريت   8/12/2023

وضع إسرائيل الحالي في منطقة الشرق الأوسط يبدو عديم الحل. التوقع هو استمرار عدم الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك استمرار سباق التسلح لكل الجهات المشاركة. ظاهرا يبدو الوضع بلا مخرج ولا توجد حلول سحرية لتثبيت استقرار وسلام في إسرائيل وفي المنطقة.اضافة اعلان
أعتقد أنه يوجد حل ممكن وصحيح للمتاهة التي نوجد فيها، المبادرة السعودية التي عرضها ولي العهد السعودي عبد الله بن عبد العزيز، والتي أصبحت المبادرة العربية للسلام، التي أقرت خمس مرات منذ عرضتها الجامعة العربية، دون أي رد إسرائيلي. لأسفي، فإن العرض الذي سأفصله لاحقا قائم منذ 2002، لم يرد على هذا العرض ولم يفعل شيئا بشأنه كل رؤساء وزراء إسرائيل منذئذ وحتى اليوم، رغم أن معظمهم قالوا إن هذه فكرة جيدة.
تبنت المبادرة العربية للسلام الجامعة العربية في 28 آذار (مارس) 2002 في بيروت وهي تعكس عمليا الموقف الرسمي المشترك للدول العربية بالنسبة لحل النزاع الإسرائيلي-العربي. وتتضمن المبادرة التزاما من الدول العربية لعقد علاقات سلام طبيعية مع إسرائيل والإعلان عن نهاية النزاع معها، تبعا لثلاثة شروط.
الشرط الأول هو انسحاب إسرائيلي كامل لخطوط الرابع من حزيران 1967، بما في ذلك من الجولان السوري ومن الأراضي التي "تحتلها" إسرائيل في لبنان، مزارع شبعا. الثاني، إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، والثالث، حل عادل ومتفق عليه لمسألة اللاجئين وفقا لقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة 194، في ظل معارضة توطين اللاجئين في الدول المضيفة لهم دون موافقة تلك الدول. الولايات المتحدة، كما تجدر الإشارة، رأت بإيجابية المبادرة العربية، وإن كانت تحتفظ لنفسها في الصدارة كالوسيط الحصري بين إسرائيل والعرب.
مع إقرار المبادرة في الرياض، اقترحت على رئيس الوزراء ارئيل شارون بدلا من تنفيذ خطة فك الارتباط التوجه للبحث مع السعودية في المبادرة العربية، واقتراح لقاء في القدس أو في الرياض لكل الدول العربية المشاركة في المبادرة، التي تشكل حلا شاملا لإنهاء النزاع. لأسفي، رغم أن شارون اعتقد أن هذه الفكرة جيدة، إلا أنه سار نحو فك الارتباط عن غزة وعن شمال الضفة.
لاحقا طرحت المبادرة العربية على البحث في حكومة ايهود أولمرت وفي الكابينت، ولأسفي هنا أيضا، اعتقد أولمرت بأن المبادرة هي فكرة جيدة لكنه لم يتم اتخاذ أي خطوة في هذا الاتجاه. لاحقا، كنائب في المعارضة حاولت أن أقنع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالمبادرة الى حل شامل من خلال المبادرة العربية، لكنه لم يقبل بموقفي. بعد ذلك أقمت لوبي في الكنيست لتأييد مبادرة السلام العربية وكان فيه 42 نائبا من كتل مختلفة، لكن لم يكن بوسعنا الدفع قدما بالمبادرة.
المبادرة العربية للسلام هي الحل الأفضل، وذلك في ضوء جملة واسعة من الأسباب منها...
- السلام مع كل العالم العربي. حتى من يؤيد السلام مع السلطة الفلسطينية يجب أن يسأل نفسه، لماذا يعقد سلام فقط مع السلطة، إذا كان ممكنا بالثمن ذاته الحصول على سلام شامل مع كل الدول الإسلامية ووضع حد للنزاع العربي الإسرائيلي.
- حل مشكلة حق العودة. المبادرة العربية تحل المشكلة الأكبر للفلسطينيين التي بسببها ياسر عرفات وايهود باراك وأبو مازن وايهود أولمرت لم يوقعا على اتفاق السلام رغم أنهما عرضا عليهما تقريبا كل ما طلباهما.
لا يمكن لأي زعيم فلسطيني أن يوقع على اتفاق دون أن يضمن حق العودة، لكن المبادرة تحل المشكلة بشكل سلس. الصيغة هي "حل عادي ومتفق عليه للاجئين". متفق عليه، معناه أن على إسرائيل أن توافق. منذ العام 2002، عندما نشرت المبادرة قلت إني أعتقد أنه لا يوجد أي زعيم عربي في الجامعة العربية يعتقد أن إسرائيل لا توافق على إعادة اللاجئين الى أراضيها. وعليه، فإن المعنى في واقع الأمر هو أن المبادرة ستلغي هذا المطلب الفلسطيني.
- مطلب عودة إسرائيلية الى خطوط 1967. هنا أيضا، عندما نشرت المبادرة قلت إن برأيي لا يوجد أي زعيم عربي يعتقد أن إسرائيل بالفعل ستعود الى خطوط 1967 حقا، وبرأيي المقصود هو الحصول على أرض بديلة بمساحة مشابهة. بمعنى أنه إذا ضمت إسرائيل أرضا غربي جدار الفصل، نحو 5 % من أراضي الضفة تعطى للفلسطينيين أرض أخرى.
لاحقا تبين أني كنت محقا تماما، إذ إنه عندما أدار وزير الخارجية الأميركي جون كيري المفاوضات للسلام مع حكومة بنيامين نتنياهو، يئير لبيد وتسيبي لفني بلغه مندوبو الجامعة العربية بأنهم يوافقون على تبادل الأراضي.
- الاستفتاء الشعبي؛ حسب القانون الإسرائيلي، فإن التنازل عن أرض للدولة يتطلب إجراء استفتاء شعبي. واضح أنه إذا جرى اتفاق السلام مع كل الدول العربية، فإن احتمال الحصول على موافقة الجمهور أكبر بكثير من الاتفاق مع الفلسطينيين وحدهم.
- ضمانة لتنفيذ الاتفاق؛ اتفاق السلام الشامل هو الضمانة لأن ينفذ السلام، لأنه إذا ما وقعت كل الدول الإسلامية سلاما وتطبيعا مع إسرائيل، فمن سيتجرأ على كسر هذا الاتفاق؟ إذا كان السلام فقط مع الفلسطينيين، يكفي أن يكون هناك زعيم مصادف لا يريد ذلك، فيموت الاتفاق.
- إعادة قطاع غزة الى حكم السلطة الفلسطينية؛ هذا أيضا هو سبيل ممكن لإعادة قطاع غزة الى سيطرة السلطة الفلسطينية، وبذلك إخراج حماس من السلطة. هذا ما كنت أقوله منذ العام 2002.
- تعب الدول العربية من الفلسطينيين ومن المقاومة؛ الدول العربية أيضا تعبت من القصة الفلسطينية. وبالتالي فمن ناحية العديد من الدول العربية أيضا، فإن اتفاق السلام الشامل سيشكل تعزيزا للخط المعتدل السني، حيال محور إيران والشيعة.
كل الأسباب والشروحات هذه شددت عليها المرة تلو الأخرى أمام رؤساء الوزراء في إسرائيل، وفي كل محفل بحث في علاقات السلام لإسرائيل مع العرب. لأسفي لم يبادر أي رئيس وزراء الى أي خطوة في هذا الاتجاه. غريب لماذا يتملص رؤساء الوزراء في إسرائيل من الموضوع. يحتمل أن يكونوا يريدون إرضاء الإدارة الأميركية، التي تريد أن تبقي مكانتها كالوسيط الأكبر بين إسرائيل والعرب، وبالتالي لا يبادرون الى خطوات في هذا الاتجاه.
خطوة هائلة. أعتقد أن إسرائيل يجب أن تقود الخطى للسلام بنفسها وألا تنتظر أحدا، إذ في روحنا الأمر. أنا واثق بأنه إذا ما بدأ رئيس وزراء إسرائيلي في خطوة في هذا الاتجاه، وجرت مفاوضات لتحقيق المبادرة، فإن العالم كله سيقف ليصفق.
اليوم أكثر من أي وقت مضى هو الوقت الصحيح للدفع قدما بالمبادرة، وأساسا في ضوء الحرب الجارية مع حماس وفي ضوء تحسين العلاقات بين إسرائيل، ودول عربية أقدر بأنه إذا ما طلبت إسرائيل الدفع قدما بالمبادرة، سيكون هذا بالتوازي خطوة هائلة للتقدم في اتفاق السلام مع السعودية، كون هذه الخطوة ستحترم جدا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وتعظم النفوذ السعودي في المنطقة.
نحن اليوم بحاجة الى إسناد أميركي، أوروبي وعربي كي ننهي حكم حماس في غزة، وهذه الخطوة تنخرط جيدا مع مبادرة السلام. خطوة إسرائيلية لتحقيق مبادرة السلام العربية ستحقق لنا الإسناد الدولي لمواصلة القتال وتصفية حكم حماس ومن جهة أخرى سيكون هذا حجر الزاوية لإقامة تحالف دولي لإعمار غزة وتنفيذ سلام حقيقي مع السلطة الفلسطينية التي ستكون مسؤولة عن غزة أيضا.
أخشى أن المراوحة في المكان والتملص من اتخاذ القرارات سيمسان شديدا بقدرة إسرائيل على إكمال إسقاط حماس، وسيضران بالدعم الأميركي والعالمي لمواصلة القتال على مدى الزمن، مما يمكنه أن يؤدي الى عدم تحقيق أهداف الحرب، وأساسا يؤدي الى استمرار النزاع وتبذير مقدرات هائلة، دون تقدم في تحقيق سلام مستقر ودائم.
إن القرار في هذا الاتجاه ليس سهلا، لكن تجاهل إمكانية تحقيق سلام شامل سيكون بكاء للأجيال. أتوقع من رئيس وزراء إسرائيل أن يتجرأ ليفحص الطرق لسلام شامل والكفاح من أجل تحقيقه. أما إغماض العيون أمام المبادرة، التي ما تزال على الطاولة وعدم محاولة إجراء بحث مع السعودية على الأقل، حتى من دون تعهد مسبق لقبول كل أجزائها، سيكون خطأ جسيما.