هكذا عادت جنين إلى ساحة المقاومة

هآرتس

ينيف كوفوفيتش وهاجر شيزاف 12/4/2022

اضافة اعلان

بالنسبة لجهاز الأمن الاسرائيلي، حتى سنوات معدودة كانت جنين رمزا للاستقرار الفلسطيني، مدينة مزدهرة اقتصاديا وسكانها يؤيدون بصورة شبه كاسحة حركة فتح وفقط قوة قليلة من الجيش الاسرائيلي مسؤولة عنها. الجنود بصعوبة كانوا يتجولون فيها في الوضع العادي، ويدخلون اليها فقط استنادا الى معلومات استخباراتية. الاقتصاد فيها يعتمد على المتاجرة مع آلاف المواطنين العرب من اسرائيل والعمال الذين يعيشون فيها يذهبون الى العمل في المدن الاسرائيلية ويعودون منها بشكل ثابت. بالنسبة للفلسطينيين، جنين وبالاساس مخيم اللاجئين القريب منها، تشكل رمزا لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي. ايضا في الاوقات التي اعتبرتها فيها اسرائيل هادئة، استمرت اقتحامات الجيش في الليل لغرض الاعتقال، حتى لو كان ذلك بنطاق أقل مما كان في السابق.
المدينة التي كانت رمزا للسلام الصناعي والامني بالنسبة لاسرائيل احتلت العناوين في الاسابيع الاخيرة في ظروف مختلفة كليا. فهي ومخيم اللاجئين فيها تحولتا الى معقل لاعضاء الجهاد الاسلامي واعضاء حماس الذين نفذوا عمليات في اسرائيل، ايضا قرى برقين ويعبد وقباطية المجاورة. في نهاية الاسبوع امر منسق اعمال الحكومة في المناطق بمنع دخول مواطني اسرائيل العرب الى المدينة الذين يشكلون 75 % من قوة الشراء فيها.
في جهاز الامن يعتقدون أن العقاب الاقتصادي سيدفع الاجهزة الامنية الفلسطينية الى العمل في جنين ضد المسلحين، بالاساس في مخيم اللاجئين، سواء بسبب الضغط الذي سيستخدم من قبل جهات رفيعة في المدينة أو بسبب أن عدم السيطرة في المنطقة لن يترك للسلطة أي خيار. ولكن هناك خوفا من أن استمرار العقوبات سيفيد حماس والجهاد الاسلامي، لذلك ربما يتم في الاسبوع القادم فحص اعطاء تسهيلات في هذه العقوبات بهدف منع التصعيد.
التغيير في جنين لم يحدث دفعة واحدة. فراغ تلو آخر انفتح في نسيج الحياة في المدينة منذ أن كان في الذروة في 2018. عدم مبالاة السلطة الفلسطينية بالرياح التي هبت في المدينة في ظل اغلاقات الكورونا، وسلسلة القرارات التي اتخذتها اسرائيل في السنوات الثلاثة الاخيرة كانت جزءا مهما مكن المدينة من تغيير وجهها. التداعيات الشديدة لهذا التغيير هي التوتر الامني وموجة المقاومة القاتلة التي يشاهدها المواطنون في اسرائيل.
سيطرة حركة فتح في منطقة جنين مكنت السلطة الفلسطينية والجيش الاسرائيلي ايضا من الاشراف بسهولة على ما يحدث فيها، خلافا لمدن تحظى فيها حماس بنفوذ اوسع مثل الخليل ونابلس. في العام 2018 الهدوء الامني في جنين كان مستقرا كليا بحيث تقرر في الجيش بأنه تكفي قوة صغيرة نسبيا بحجم كتيبة من اجل السيطرة على المنطقة. هذا المزاج العام اعطى سكان المنطقة الهدوء الذي تمتعوا به. فموقعها المركزي وانخفاض اسعار البضائع فيها كانا جذابين للمواطنين العرب في اسرائيل، ونسبة العمال الذين يذهبون منها الى اسرائيل منخفضة مقارنة بالمدن الاسرائيلية الاخرى.
قرب المدينة يوجد مخيم جنين للاجئين، الذي عدد سكانه عشرة آلاف نسمة، حسب بيانات "الاونروا" فان المخيم المكتظ يوجد على مساحة اقل من كيلومتر مربع. وحسب معطيات "بتسيلم" فانه منذ عملية الرصاص المصبوب وحتى نهاية شهر شباط (فبراير) الماضي قتلت قوات الامن الاسرائيلية 45 فلسطينيا من منطقة جنين. ومنذ شهر آذار (مارس) الماضي قتل ثمانية فلسطينيين في منطقة جنين اثناء عمليات اعتقال للجيش الاسرائيلي في المكان، معظمهم منذ بداية موجة المقاومة حيث تدعي اسرائيل بأنهم كانوا مشاركين فيها.
أحد سكان جنين الذي يبلغ عمره 50 سنة قال إن الوضع الاقتصادي في مخيم اللاجئين لم يتغير بشكل جوهري. الاندلاع العنيف في الاسابيع الاخيرة ينسبه "للوضع الاقتصادي ولاقتحامات الجيش للمخيم وللاعتقالات". وحسب قوله، يوجد شباب في مخيم جنين للاجئين لا يعرفون اسرائيليين أبدا عدا عن جنود يحملون السلاح. الجيل البالغ، في المقابل، كان يلتقي مع الاسرائيليين عندما كانوا يأتون الى جنين من اجل التسوق أو في اطار العمل في اسرائيل. سكان من المخيم قالوا إن غياب افق سياسي وقتل الفلسطينيين على ايدي الجيش الاسرائيلي هي العوامل التي اوصلت الناس الى نقطة الغليان.
في آذار (مارس) 2020 اندلعت الكورونا، وفي اسرائيل قرروا اغلاق المعابر ومنع دخول الفلسطينيين الى اسرائيل. بعد بضعة اشهر من ذلك طلبت جهات في جهاز الامن باعادة النظر في هذا القرار على ضوء اعتماد المدينة الاقتصادي على مواطني اسرائيل وعلى خروج العمال. وزارة الصحة الاسرائيلية رفضت بشكل قاطع هذا الطلب وقررت أنه يجب عدم التمييز بين المدن الفلسطينية. هذا الرفض استند الى الصعوبة في الرقابة على مدينة واحدة فقط، في حين أن الفلسطينيين يتحركون بين المدن بحرية في الضفة.
الاغلاق استمر اكثر من سنة، والوضع الاقتصادي في المدينة وفي مخيم اللاجئين أخذ يتدهور. هذا وفر فرصة ذهبية لحماس والجهاد، اللتان بدأتا بتعزيز مكانتهما في المخيم من خلال التعاون مع منظمات أخرى، وبدأت تعرض على الشباب الاتجار بالسلاح واطلاق النار على قوات الجيش الاسرائيلي في المنطقة. السلاح بدأ يشاهد اكثر في المنطقة، بنادق ام16 والكلاشينكوف والمسدسات وايضا سلاح بدائي مثل الكارلو. مع مرور الوقت تحولت المقاومة الى فرع اقتصادي ساعد ابناء مخيم اللاجئين على تجاوز فترة الاغلاق. هذا التطور المتسارع يحدث، ضمن امور اخرى، في ظل سلم اولويات الاجهزة الامنية الفلسطينية التي كانت غارقة حتى عنقها في انفاذ تعليمات الكورونا في اراضي السلطة الفلسطينية.
الكورونا اثرت ايضا في مدينة جنين نفسها. "قبل الكورونا في ايام السبت كانت تدخل 6 – 7 آلاف سيارة اسرائيلية. بعد ذلك، خلال سنة كاملة تقريبا لم يدخل أي أحد تقريبا"، قال عمار أبو بكر، رئيس الغرفة التجارية في جنين. "35 % من المحلات التجارية اغلقت في فترة الكورونا، واخرى بقيت مفتوحة بدون عمل. توجهنا الى الطرف الاسرائيلي وقلنا له: الناس يدخلون الى برطعة (القرية التي نصفها في اراضي الضفة والنصف الآخر في اسرائيل)، هل لا توجد هناك كورونا وهنا توجد؟".
قبل عشرة اشهر تقريبا، قال، تم فتح المعابر لدخول الاسرائيليين. الآن هي مغلقة ثانية في اعقاب العمليات الاخيرة التي نفذها سكان المنطقة. "هذا عقاب جماعي. يعاقبون جميع المواطنين بسبب ما حدث، بالذات في شهر رمضان، هذا يدمر مدينة بأكملها، وبالطبع هذا له تأثير سلبي على السكان. هناك مصلحة متبادلة في فتح المعابر مرة اخرى"، قال أبو بكر.
واضاف بأن الكثير من سكان جنين يمنعون أمنيا من العمل في اسرائيل. "هذا ممنوع وهذا ممنوع وهذا ممنوع. كل سكان مخيم اللاجئين لديهم منع أمني بدون مبرر. ولكن الكثيرين يخرجون للعمل في اسرائيل، جنين هي مدينة حدودية. يذهبون عبر الفتحات ويعملون في العفولة والناصرة".
في شهر شباط (فبراير) 2020، بعد فترة قصيرة على اندلاع الكورونا، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس وقف التنسيق الامني مع اسرائيل في اعقاب نشر "صفقة القرن" للرئيس الامريكي ترامب. هذه الخطوة اثرت على النشاطات الامنية للطرفين. ففي السلطة امتنعوا عن القيام بخطوات هامة كان يمكن أن تفسر كمساعدة لاسرائيل؛ في الجيش الاسرائيلي عملوا اقل من المعتاد في المنطقة وتجنبوا الدخول الى المدن، باستثناء في اعقاب تقديرات استخبارية بخصوص احباط عمليات.
هذا التوجه استمر. في شهر كانون الثاني (يناير) 2021 حيث كانت جنين ما تزال مغلقة بسبب الوباء فقد قرروا في اسرائيل مواصلة وتجنب القيام بنشاطات في المدينة وفي مخيم اللاجئين (باستثناء حالات فريدة) في اعقاب حملة الانتخابات في السلطة. الافتراض في جهاز الامن كان أن نشاطات عسكرية ضد حماس والجهاد ستعزز هذه التنظيمات وستضر باحتمالية اعادة انتخاب محمود عباس.
ولكن في نيسان (أبريل) 2021 قرر عباس إلغاء الانتخابات في السلطة. مرت اكثر من سنة منذ أن قلل الجيش بصورة كبيرة نشاطاته في المنطقة. وفي غضون ذلك فان سكان مخيم جنين كانوا يعيشون في فراغ ازدهرت فيه حماس والجهاد، دون أن يستخدم عليها أي ضغط أو مقاومة من قبل الجيش الاسرائيلي أو من قبل الاجهزة الامنية الفلسطينية. عندما ذهب الجيش لعملية حارس الاسوار، بعد فترة قصيرة من ذلك، كان يجب على حماس التركيز على اعادة اعمار القطاع، ووجدت صعوبة في تعزيز سيطرتها في جنين وفي مخيم اللاجئين. هكذا فان المسؤولية عن التجارة بالسلاح وعن ارسال عمليات في المنطقة انتقلت الى اعضاء الجهاد الاسلامي الفلسطيني ومجموعات مسلحة اخرى.
في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021 جرت في جنين جنازة جماهيرية برعاية حماس. هذا حدث استثنائي حتى بالنسبة لرجال السلطة الفلسطينية الذين لا يسمحون باجراء احتفالات جماهيرية لهذه المنظمة. في تلك الفترة تم استئناف التنسيق الامني بين السلطة واسرائيل. وجهات امنية في اسرائيل حذرت رجال عباس بأن حماس تخطط لفرض رعايتها على جنازة رجل حماس والوزير السابق في السلطة الذي توفي متأثرا بالكورونا. وقد حذروا من أنهم في حماس يخططون لاجراء حدث استفزازي، الذي يشكل استعراضا للقوة امام عباس وفيه سيشارك عدد من نشطاء حماس المسلحين والملثمين. عباس طلب وقف الجنازة، لكن اعضاء مخيم اللاجئين اظهروا معارضة قاطعة، والاجهزة الامنية لم تنجح في وقفها.
ردا على ذلك قام عباس باقالة قادة كبار في منطقة جنين واستبدلهم بأشخاص يرى أنهم مخلصين أكثر للسلطة الفلسطينية. ولكن بعد بضعة اسابيع خاب امله. فالقيادة الجديدة ايضا ادركت قيود القوة امام المجموعات المسلحة في جنين وفي مخيم اللاجئين.
في بداية السنة عاد الجيش الى زيادة نشاطاته العملياتية في المدينة. ضمن امور اخرى، لأنهم في جهاز الامن عرفوا أنه لا يمكن الاعتماد على نشاطات السلطة في المدينة. ومؤخرا زاد الجيش نشاطاته في كل منطقة جنين.