هم حقا لن يقرروا

يديعوت أحرونوت

ناحوم بارنيع 21/1/2019

اضافة اعلان

كان هناك دكان في سوق الكرمل في تل أبيب، لبيع اللحم غير الحلال. فعلم أحد حاخامي تل ابيب بالأمر فاستأجر رسولا زوده بلوحتين خشبيتين طبع عليهما تحذيرا خطيرا يقول اعلموا بان اللحم في هذا الدكان غير حلال، علق واحدة على صدره واخرى على ظهره وأمره بأن يذهب ويجيء على الرصيف امام الدكان. بعد شهر – شهرين انتهت الميزانية. فقال الحاخام للرسول، آسف، انت مُقال.
لا بأس، رد الرسول على الحاخام. دكان اللحوم وافق على أن يدفع لي الضعف، بشرط واحد هو ان اواصل السير مع التحذير امام الدكان.
ماذا يعني ذلك؟ في اليافطات الكبرى غير الموقعة التي نصبها الليكود في مفترق غليلوت. فهي تنشر صورا للصحفيين (حسب الترتيب الابجدي) أمنون أبراموفيتش، رفيف دروكر، بن كسبيت وغاي بيلغ. "هم لن يقرروا"، يقول النص. مثلما في رد الفعل الشرقي، اثارت اليافطة بعضا من اسياد الصحافة المكلفين من قبل أنفسهم. مجلس الصحافة احتج بشدة؛ اعضاء وعضوات كنيست من المعارضة أطلقوا صرخات إلى فيسبوك. وكانت الكلمة الاساسية هي التحريض. اليافطة تحرض ضد الصحفيين وهذا سينتهي بالقتل.
عدت وراجعت ما كتب على اليافطة. الصور جميلة جدا. فهي تبث جدية واحتراما. تماما مثل تعليمات اللباس في استديوهات التلفزيون. والشعار لا يضر ولا يحرض. بل يقرر حقيقة: لا أبرموفيتش، لا دروكر، لا كسبيت ولا بيلغ سيقررون من سيكون رئيس وزراء إسرائيل. ولا حتى الهيئات الاعلامية التي يعملون فيها. هذه هي الحقيقة وهذا هو الوضع المرغوب فيه والسليم في الديمقراطية. الوحيد الذي يؤمن بان الاعلام يدير الدولة هو الرجل الذي وظيفته أن يديرها، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
اقدر أن الصحفيين الأربعة على اليافطة راضون في خفاء قلوبهم على الشرف الذي اعطي لهم. مدراؤهم لا بد راضون. ولو كان لديهم مزيد من المال لفكروا في مواصلة تمويل اليافطة بعد أن يكون دعائيو الليكود قد تعبوا منها. وأسفت لشيء واحد: بسبب ملف تحقيقات معين، موضوع في هذه اللحظة على طاولة المستشار القضائي للحكومة، حذر نتنياهو من أن يضم "يديعوت احرونوت" و "واي نت" إلى حملته الدعائية.
قبل سنتين، ثلاث سنوات كنا نحن الشيطان الاكبر. أما منذ ذلك الحين فقد أصبحنا الصحيفة التي يحظر ذكر اسمها. وعليه فليس غنيا عن الاشارة إلى أن الصحفيين في "يديعوت أحرونوت" هم أيضا لن يقرروا. عملنا هو ان نرفع وعي الجمهور. ان نقدم له الحقائق والتحليلات وجملة الآراء على طول وعرض الطيف، لا ان نقرر بدلا منه.
اصحاب الصور الاربعة هم صحفيون كبار، كثيرو الانجازات. مكانتهم متينة: مكاتبهم محروسة وكذا حرية التعبير وحرية العمل، وكذا حصانة المصادر والحماية من دعاوى الاسكات (وللصراحة هذه الامتيازات هي أيضا من نصيبي). المشكلة التي تهدد مستقبل الاعلام الحر في إسرائيل لا تتلخص بالشتائم التي يتلقاها صحفيون بارزون في الشبكات او في الحملات الحزبية. الصحفيون في هذه المكانة ليسوا مصنوعين من السكر. وهم يفهمون بان ما هو مسموح لهم قوله مسموح للسياسيين الذين ينتقدونهم أيضا.
المشكلة هي نزع الشرعية عن مؤسسة الصحافة، حرمانها من وظيفتها الحيوية في المجتمع الديمقراطي. ثمة في هذا المجال وجه شبه بين الولايات المتحدة وإسرائيل. في الدولتين يمسك اليوم بالدفة سياسيون مرضى اعلام، مع احساس شديد بالملاحقة ومشاكل قضائية معيقة. الدولتان تتغذيان من تقاليد طويلة من الاعلام الحر، النقدي، الذي يعيش أيضا حين تكون اجزاء واسعة من الجمهور غير راضية عنه.
يسعى ترامب ونتنياهو لاستغلال الشك تجاه الاعلام كي يجمعا لنفسيهما الاصوات. الدافع مشابه، ولكن النتائج مختلفة: في الولايات المتحدة يحظى الاعلام في هذه اللحظة بتفتح عظيم. اعلام محب واعلام كاره: الاهتمام بترامب يرزق الجميع. اما نتنياهو فيثير اهتمام الإسرائيليين أقل. لشدة المفارقة، فإن نتنياهو هو ضحية نجاحه. فهو يسعى لان يسكت حماة الحمى، ولكن عندما يكون المستشار القضائي للحكومة، المفتش العام للشرطة ومراقب الدولة هم تعييناته فإنه يجد صعوبة في الاقناع. والعكس هو الصحيح. فإنه يجعل نفسه مشتبه في نظرهم.
يسعى ائتلافه لنزع الشرعية عن المحكمة العليا وجهاز القضاء كله، ولكن بفضل التحالف بين أييليت شكيد وايلي نافيه فإن تركيبة العليا هي اليوم قريبة من اجندة اليمين. الائتلاف يهاجم عمليا نفسه.
وأخيرا، الاعلام. فقد امتلأت السنوات الاخيرة بالصحافة من الوسط الديني – اليميني، الذي يراوح بخفة بين سموتريتش، بينيت، نتان ايشل ونتنياهو. كيف يكمم فم قسم من الصحفيين ويمجد فم قسم آخر، هذا هو التحدي.