وجه المستقبل

معاريف بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 3/3/2023 التصعيد المتزايد في الأسابيع الأخيرة في الساحة الفلسطينية وفي مركزه العمليات القاسية في القدس وفي الضفة ليست غير مسبوقة في خطورتها ومزاياها. ومع ذلك فإنها تنطوي على جوانب تعكس سياقات عميقة -سواء في إسرائيل أو في أوساط الفلسطينيين- توفر قوة للاطلاع على سيناريوهات رعب يحتمل أن تتحقق في المستقبل غير البعيد. ينشأ التصعيد اليوم في أعقاب لقاء بين عنصر يعيش ضعفا متزايدا (السلطة) ولاعب أقوى (إسرائيل)، غارق في عاصفة داخلية شديدة ويصعب عليه أن يتخذ سياسة مرتبة، بينما في الوسط تعتمل ساحة شديدة القوة تملي الوتيرة ومسار الأحداث، وتتجه نحو مواجهة جبهوية شديدة. تشكل العمليات الأخيرة تواصلا لموجة التصعيد التي سادت هنا منذ نحو سنة (منذ رمضان الماضي). قسم كبير منها يقوده شبان يعملون بشكل مستقل أو في إطار خلايا صغيرة ومنظمات محلية، مثل "عرين الأسود" في نابلس الذين يحرصون على الامتناع عن التماثل مع أحد الفصائل فما بالك مع السلطة. يدور الحديث عن تعبير عن ميول عميقة اجتماعيا وعلى رأسها صعود جيل الـZ الفلسطيني الذي ولد بعد العام 2000. هذا الجيل يشعر بانقطاع عميق عن معظم مصادر المرجعية حوله وباغتراب تجاه القيادة وشعارات الماضي، وهو متأثر عميقا بمجال الشبكة الذي يشكل له في الوقت نفسه وسيلة تعبير وأداة تغذية فكرية. خطورة التهديد الذي ينطوي عليه منفذو العمليات الأفراد أو الخلايا المحلية، أقل ظاهرا مقارنة بالشبكات العسكرية المؤطرة كشبكات حماس والجهاد الإسلامي، لكن هذا النموذج يطرح تحديا قاسيا أمام إسرائيل. فمن الصعب أكثر على محافل الاستخبارات أن تشخص مؤشرات أولية لقسم من الأعمال أو تضرب بنى تحتية ذات مبنى تنظيمي غامض لا يعتمد دوما على مراتبية ثابتة. يؤكد الأمر عدم الجدوى في الدعوات للعمل على سور واق 2 وبالتأكيد في شرقي القدس -خطوة مختلفة جوهريا عن المعركة قبل عقدين (الانتفاضة الثانية وحملة السور الواقي 2) التي وقف فيها أمام إسرائيل عدو محدد وواضح. يوفر الضعف المتزايد للسلطة خلفية تسمح أو تغذي موجة التصعيد. فالحكم الفلسطيني يحظى بصورة سلبية في الشارع الفلسطيني -وأساسا بسبب مظاهر الفساد، المحسوبية وانعدام الديمقراطية، الى جانب اتهامه بالتعاون مع إسرائيل- كجسم تقوده قيادة كبيرة في السن ومنقطعة تبدي عدم ثقة وعدم دافعية لفرض امرتها على الشارع. على هذه الخلفية نشأت فراغات سلطوية في جنين وبقدر كبير أيضا في نابلس وفي أريحا، تستوجب من إسرائيل نشاطا عسكريا متزايدا. يخلق الأمر احتكاكات عنيفة قاسية ويشكل مرجلا لتعزيز قوة حماس في المنطقة ونشوء فوضى تقودها شبكات محلية تتشكل أحيانا من مقاومين يكتسون صورة مقاتلين من أجل أهداف وطنية. إن الاتساع المستقبلي لتلك الفراغات من شأنه أن يطالب إسرائيل بأن تعنى أيضا بالسكان وأداء صلاحيات مدنية في ضوء العجز المتزايد من جانب السلطة التي من شأنها أن تذوي أو أن تضعف من ناحية الأداء. في مثل هذا الوضع، يمكن لإسرائيل أن تساعد بقدر ما على تعزيز وظيفي للسلطة، من خلال دعم اقتصادي أو استجابة لطلبات نجاعة أجهزة الأمن الفلسطينية مثلا، لكن لا يمكنها بعصا سحرية أن تؤدي الى تغيير دراماتيكي في مكانة الحكم الفلسطيني. تعزيزه اليوم لا ينشأ عن بدء مفاوضات سياسية أو سلام اقتصادي (أقوال كانت صحيحة أكثر في الماضي)، بل اشفاء داخلي عميق ومن دونه فإن مكانة الحكم الفلسطيني من الداخل ستكون موضع شك، حتى بلا صلة بالواقع السياسي أو الاقتصادي الذي سيسود في الساحة الفلسطينية. إن الفوضى في المجال العام والسياسي في إسرائيل بعامة وفي داخل الحكومة بخاصة، تعظم أكثر فأكثر الاحتمال لاحتدام التصعيد الحالي. في الحكومة يوجد اليوم عمليا أجندتان متنافستان وعمليا متناقضتان في الموضوع الفلسطيني: تلك "الثورية" التي يقودها بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير وتسعى لإحلال السيادة في المناطق، إزالة السلطة وتسريع الاستيطان في ظل إعطاء اهتمام محدود للآثار الدولية، الاقتصادية والاجتماعية لهذه الخطوات؛ ومقابلها -النهج السائد لكن المتردد الذي يتخذه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والذي ينطوي على تطلع لاستقرار وحفظ ما هو قائم، بما في ذلك تعزيز السلطة في ظل تنسيق وثيق مع لاعبين خارجيين. لقد نشأت صدوع بين النهجين في أعقاب إخلاء بؤرة اور حاييم والكرم في بنيامين، قضية الخان الأحمر والخصام في مسألة تبعية وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق. وأصبح التوتر المتراكم صخرة خلاف كأداء في أعقاب مؤتمر القمة في العقبة والذي في إطاره تبلورت تفاهمات بين إسرائيل والفلسطينيين هاجمها بشدة سموتريتش وبن غفير وكذا أعمال الشغب في حوارة التي عكست فجوة بين التنديد السريع والذي لا لبس فيه من جانب رؤساء الليكود وبين إعلان سموتريتش عن الحاجة الى "محو حوار" والذي يعكس فكره في أنه يجب إيقاع الهزيمة بالفلسطينيين في ضوء "عقيدة يهوشع بن نون": إما أن يقبلوا إمرة إسرائيل أو أن يتركوا المناطق أو أن يقاتلوا اليهود؛ دون أي بديل رابع من الحوار أو الحل الوسط بين الشعبين. حتى في حالة حكومة "اليمين على المليء"، من شأن الموضوع الفلسطيني أن يكون أساس تقويض بوسعه حتى أن يؤدي الى نهاية الائتلاف. كما أن الأمر يجسد أن كل الحكومات مهما كانت لا يمكنها أن تفر من الموضوع الفلسطيني ولا أن تخفيه من خلال "ضمادات" سلام اقتصادي أو هدنات أمنية. فهذه في غضون وقت قصير نسبيا تؤكد أنه من دون نقاش عميق ومن دون قرارات حاسمة -فإن المشاكل الأساس تحتدم ونهايتها أن تتفجر بالمفاجأة في وجه إسرائيل، في ظل الإلزام بتوفير جواب من موقف دون استراتيجيا. في المرحلة الحالية، على الحكومة أن تركز على أهداف متواضعة نسبيا من حيث تحقيق الهدوء حتى رمضان وفي أثناء هذا الشهر. يمكن للأمر أن يتحقق من خلال الالتزام بالتفاهمات التي تحققت في مؤتمر العقبة، تشجيع السلطة بمشاركة الأميركيين على الدخول الى الفراغات التي نشأت في المناطق (دون تطوير توقعات زائدة)، تقييد العقاب الاقتصادي المفروض على السلطة في الأشهر الأخيرة والامتناع عن الحديث عن إزالتها. في هذه المسألة مطلوب الاستيعاب بأنه رغم نواقص السلطة الفلسطينية فإنها ما تزال أهون الشرور مقابل بدائل الفوضى، السيطرة الإسرائيلية أو سيطرة حماس على قسم من الضفة أو عليها كلها. يجب مواصلة اتباع سياسة حذرة وعاقلة في موضوع الحرم "أثبتت" حتى من دونه ما يزال ممكنا أن يتصور تصعيد حاد بين إسرائيل والفلسطينيين. كل هذا، في ظل إيضاحات لا لبس فيها وجلية من نتنياهو حول الأجندة المتصدرة للحكومة، مع التشديد على الرفض القاطع لظواهر محملة بالمصائب كأعمال الشغب في حوارة. بين هذا وذاك، وفرت أحداث الأسبوع الماضي فهما معمقا لمعنى دولة واحدة بين البحر والنهر. فقتل الشابين الإسرائيليين قرب حوارة وبعد ذلك الهجمة منفلتة العقال للمستوطنين الإسرائيليين على سكان القرية، هي واقع بلقاني من شأنه أن يصبح نمط حياة يومية، عندما تكون مجموعتان سكانيتان ذاتا روايتين قطبيتين ومعاديتين عميقا تعيشان معا في كيان واحد دون فاصل مادي. إذا ما وعندما تجتاز إسرائيل بسلام الأشهر القريبة وربما أيضا يتبلور إجماع داخلي يبدد التوتر الداخلي الشديد، من الضروري أن يبدأ نقاش استراتيجي طويل المدى في الموضوع الفلسطيني قبل لحظة من الوصول الى نقطة اللاعودة التي ينشأ فيها دون تخطيط، وعي أو إرادة أيضا واقع الدولة الواحدة.اضافة اعلان