أوسوليفان.. قدرات فذة لم توقفها اضطرابات المراهقة والصحة العقلية

روني أوسوليفان بعد فوزه بلقب بطولة العالم للسنوكر الإثنين الماضي -(من المصدر)
روني أوسوليفان بعد فوزه بلقب بطولة العالم للسنوكر الإثنين الماضي -(من المصدر)

أيمن أبو حجلة

عمان - قبل عشر سنوات، خرج البريطاني روني أوسوليفان من صالة "كروسوبل" الشهير في شيفيلد، بلقبه العالمي الرابع في لعبة السنوكر، مهددًا بالاعتزال، الأمر الذي كان سيترك علامات استفهام معلقة حول وضعه في بين عمالقة اللعبة.اضافة اعلان
كان الأمر نموذجيًا لرجل ينظر إليه على أنه أعظم لاعب سنوكر على الإطلاق، وهو رياضي لا يمكن تجاوزه في أفضل حالاته، ولكنه مثير للجدل ولا يمكن التنبؤ بما يمكنه القيام به في أسوأ أحواله.
ربما تم بالفعل الاعتراف بموهبته الرياضية الفذة، لكنه ظل بعيدًا عن الأرقام القياسية الخاصة بأسلافه مثل ستيف ديفيس وستيفن هندري، حيث حارب طوال حياته شياطينه الداخلية.
اقتحم أوسوليفان مشهد السنوكر في العام 1992، عندما كان يبلغ من العمر 16 عامًا فقط، وفاز بـ74 من أول 76 مباراة احترافية له، وهو إنجاز تم تحقيقه عندما حكم على والده رونالد بالسجن المؤبد بتهمة القتل، في الوقت ذاته تقريبا.
وبغض النظر عن المشاكل العائلية التي أدّت أيضًا إلى سجن والدته لمدة عام بتهمة التهرب الضريبي، تغلب اللاعب الواعد على هندري، لنال لقب بطولة المملكة المتحدة في العام 1993، واستمر في تألقه، ليحرز أول لقب له ببطولة العالم في العام 2001 وهو يبلغ من العمر 25 عامًا، قبل أن يفوز باللقب مجددا في العامين 2004 و2008.
على الرغم من تهديده بالاعتزال بعد الانتصار الصعب في بطولة العالم 2012، عاد أوسوليفان إلى مسرح "كروسوبل" للفوز مرة أخرى في العامين 2013 و2020 قبل أن يفوز بلقبه الأخير يوم الإثنين الماضي، رافعا رصيد ألقابه العالمية إلى 7.
في وقت مبكر من العام 2011، لخص أوسوليفان الذي حارب مشاكل الكحول والمخدرات بالإضافة إلى الاكتئاب، معاناة التوقعات التي أحاطت به، وكشف: "عندما تتألق، فإنه شعور رائع، وعندما لا يحدث ذلك، تشعر أنك تخذل الناس، تشعر وكأنك تخذل نفسك وتضيع وقتك، لا أحد يقضي وقتًا ممتعًا وينتظر حدوث شيء ما ولا يحدث. يمكن أن يكون هذا محبطًا للغاية في بعض الأحيان".
تم محو أي علامات استفهام حول قدرات أوسوليفان الذهنية الإثنين الماضي، عندما تغلب على جود ترامب في النهائي، ليعادل سجل هندري القياسي في بطولة العالم، ويواصل البناء على مسيرة حدد المجد والجدل معالمها بالقدر نفسه.
بين كل اللحظات المثيرة في مسيرته، مثل الرقم القياسي لأسرع جولة مئوية أمام ميك برايس في العام 1997 (5 دقائق)، كان هناك لحظات مؤلمة واعترافات صادمة أعطت لمحة عن اضطرابه الذهني، حيث كان يكافح للحفاظ على الحماس لمطاردة سجل هندري، الذي كان يعلم دائمًا أنه في متناول يده.
احتضنه بعد فوزه مساء الإثنين أصغر أبنائه، روني جونيور وليلي، فيما تواجد أيضا والده روني البالغ من العمر الآن 67 عاما، متواجدا بعدما أطلق سراحه من السجن في العام 2010 حيث قضى 18 عاما خلف القضبان.
ولد أوسوليفان في ويست ميدلاندز لكنه نشأ مدينة إسيكس، مع أخته الصغرى دانييل، جنى والده أمواله من إدارة سلسلة من متاجر الجنس في سوهو بلندن، بينما كانت والدته في الأصل من صقلية.
بعد أن بدأ تعلم السنوكر في سن السابعة، حقق اللاعب اليافع أول جولة مئوية له (100 نقطة أو أكثر بشكل متتال) بعد ثلاث سنوات فقط. في سن الخامسة عشرة، أصبح أصغر لاعب يصل إلى الحد الأقصى للجولة المئوية (147 نقطة) في إحدى البطولات الرسمية.
عندما كان مراهقًا، جعل أوسوليفان نجوم اللعبة يخشون ملاقاته، قبل أن يسحقه نبأ إدانة والده بالقتل، وقال ذات مرة عن ذلك: "قضيت ثلاثة أشهر ونصف في بلاكبول وكنت متحمسًا حقًا لأنني تأهلت لبطولة العالم 1993. لكن بعد ذلك، في غضون الأيام القليلة التالية، عندما عدت إلى لندن، انهار كل شيء عندما أدين والدي بارتكاب جريمة قتل وحكم عليه القاضي بالسجن المؤبد، مع توصية لا تقل عن 18 عامًا. لقد حطمني".
على الرغم من هذا الإلهاء المروع، أدى تركيز أوسوليفان على السنوكر إلى معاقبة أبطال اللعبة، وكان ديفيس وهندري من بين ضحاياه، عندما فاز بأول لقب له في بطولة المملكة المتحدة، بمدينة بريستون قبل أسبوع من بلوغه الثامنة عشرة.
في صالة "كروسوبل"، استغرق فوز أوسوليفان بلقب بطولة العالم، تسع مشاركات، خسر ثلاث مرات أمام هندري، لكنه سحقه أيضًا في نصف نهائي مرتين (17-4 في 2004 و17-6 في 2008).
وصف هندري أوسوليفان بأنه "الأفضل في العالم بمسافة أميال" بعد نصف النهائي الثاني، فيما قال ديفيس: "إنه أفضل عبقري رأيناه في لعبة السنوكر، ربما في الرياضة".
ومع ذلك، لن يكون أوسوليفان بعيدًا عن تصدر عناوين الأخبار لأسباب خاطئة. عندما كان يبلغ من العمر 20 عامًا، اعتدى على المسؤول الصحفي مايك جانلي (مدير البطولة الآن)، في بطولة العالم العام 1996، وحُكم عليه بغرامة قدرها 20 ألف جنيه استرليني.
في العام 1998، تم تجريده من لقب إيرلندا للماسترز، مع تغريمه 61000 جنيه إسترليني من الجوائز المالية بعد أن وجد اختبار المخدرات دليلاً على وجود الحشيش في نظامه.
في منتصف العشرينات من عمره، انتهى الأمر باللاعب في مركز بريوري لإعادة التأهيل لتلقي العلاج من إدمان المخدرات، وكانت لديه أيضا بعض الأفكار الانتحارية.
تحدث أوسوليفان في فيلم وثائقي تم إنتاجه العام 2012 عن لقبه العالمي الأول في العام 2001، وقال إن مشاكله مع صحته العقلية سيطرت عليه، وقال: "قبل أسبوع من بطولة العالم تلك ، كنت أذهب إلى الطبيب، ثم كنت في غرفتي في شيفيلد وقالوا.. هل يمكنك إجراء مقابلة إذاعية؟ شعرت بالهشاشة وأجبت بنعم، لكنني فكرت.. كيف سأتجاوز هذا، ولا أعلمهم أنني أعاني؟".
وأضاف: "كنت أثرثر، وأطلق الكلمات ، وكان ذلك على الهواء مباشرة، لكنني قلت.. لا أشعر أنني بحالة جيدة. أنا أعاني هنا، أتحدث إليكم وأنا أعاني، فكرت.. لا يمكنني الاختباء أكثر من ذلك. شعرت كأنني أصاب بالجنون".
في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، كان سلوك اللاعب غير منتظم بشكل خاص لأنه عانى من الاكتئاب.
انحرف مشوار دفاعه عن لقب العالم العام 2005 في ظروف مثيرة للجدل، عندما استسلم في 11 من آخر 14 مباراة ليخسر أمام بيتر إبدون، الذي أثار غضب أوسوليفان بشكل واضح بسبب لعبه البطيء خلال ربع النهائي.
سأل اللندني، الذي حلق رأسه في منتصف البطولة، أحد أفراد الجمهور عن الوقت ووقف في إحدى المراحل على مقعد إبدون.
بعد ذلك، أشار إلى رغبته في أخذ استراحة من المباراة ، معترفا.. ربما أقول وداعا".
حقق أوسوليفان لقبيه الثالث والرابع بفوزه على ألي كارتر في العامين 2008 و2012، لكن مشوار الدفاع عن لقبه ضد باري هوكينز في العام 2013 - بعد أن نفذ جزئيا تهديده بالاعتزال عن طريق الغياب عن الموسم بأكمله حتى تلك البطولة، شابه تعرضه للتوبيخ من قبل الحكم ميكايلا تاب لقيامه بإيماءة بذيئة خلال فوزه في نصف النهائي على ترامب.
تردد صدى توبيخ الحكم في مسابقة هذا العام، عندما اتهمه الحكم أوليفييه مارتيل بالقيام بسوء السلوك خلال المباراة النهائية ضد ترامب، ورد أوسوليفان باتهامه "بالبحث عن المتاعب".
بعد أن اقترب منه مارتيل وأخبره بخرقه المزعوم للقواعد، رد بطل العالم: "أخبرني، أخبرني ، ماذا رأيت؟ قل لي ما رأيت. رأيت شيئا. اذهب وانظر الى الكاميرا إذا رأيت شيئا. لا تبدأ".
بدأ اللاعب العمل مع الطبيب النفسي ستيف بيترز في العام 2011، وتواجد هذا الخبير برفقته منذ ذلك الحين، وكان حاضرا هذا العام في بطولة العالم.
في حديثه إلى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، كشف بيترز كيف ساعد في إقناع أوسوليفان بعدم ترك الرياضة عندما كان يشك سابقًا في قدراته ويعاني من صحته العقلية، وقال: "اكتشفت ما كان يفكر فيه وهل كان عقلانيًا وما إذا كان قائمًا على حقائق، والأهم من ذلك استكشاف ما يريد القيام به وماذا ستكون خططه وما الذي سيجعله سعيدًا، وهو ما طلب مني مساعدته على أن يكون سعيدًا بممارسة رياضته".
وأردف: "ما فعله هو أنه تعلم أن يفهم نفسه مع إلقاء نظرة ثاقبة على الطريقة التي يعمل بها عقله. لكنه رجل مدفوع للغاية، إنه يعمل بجد وملتزم ويخوض في تفاصيل كثيرة. لذلك عندما نعمل معا، فإنه يريد أن يفهم ويريد اكتساب هذه المهارات، وقد فعل ذلك".
في رد فعله على مشاهد أوسوليفان وهو يحتضن ترامب لأكثر من دقيقة بعد فوزه، رفض بيترز الكشف بالضبط عما قيل بين الرجلين لكنه أضاف: "روني رجل عاطفي للغاية، إنه شخصية رائعة وأعتقد أن جود أدلى ببعض التعليقات الإيجابية جدا تجاهه وكان ذلك مؤثرا جدا له، لأنه لم يدرك حقا أن هؤلاء على الرغم من كونهم منافسين، فهم ودودون للغاية".
ولدى سؤاله عما إذا كان عمله مع اوسوليفان قد انتهى، قال بيترز: "بالتأكيد لا! إنه يتعلم إلى الأبد. بالنسبة لنا جميعًا، نتعلم باستمرار، والحياة عضوية جدًا في الطريقة التي نتعامل بها معها، أعتقد أنه يواجه ظروفًا مختلفة وأحدها أنه الآن أقدم وأنجح لاعب سنوكر، ونريد أن نستمر في تحطيم هذه الأرقام القياسية لذا فهي منطقة جديدة، لذا هناك أفكار جديدة أيضًا".
في العام 2012، عندما أخذ أوسوليفان الملقب بـ"الصاروخ" بسبب سرعته في حصد النقاط، وألمح إلى أن الاستراحة قد تعني "انتهاء الفصل"، لكن انتهى به الأمر بالعودة للدفاع عن لقبه العالمي في العام التالي، وقبل نصف النهائي، وجه تهديداته الصريحة بالانسحاب، وقال: "لقد عدت للتو إلى لعبة السنوكر لأرى ما إذا كان بإمكاني إعادة إشعال النار، لأرى ما إذا كنت أفقد أي شيء، لكنني أدركت أنني لا أفتقد السنوكر حتى قليلاً".
واستطرد: "ليس لدي أي نية للعودة إلى هنا العام المقبل. سأفي فقط بعقدي مع الراعي لألعب 10 بطولات. إذا شعرت بالملل وأنا ألعب وأصب قلبي وروحي في اللعبة، فلن ينجح الأمر. قلت إنني تخيلت الفوز باللقب العالمي في الأربعينيات من عمري، لكنني كنت رومانسيا. لا أجد ذلك سهلا".
وواصل: "ربما لا أتعامل مع الضغط. ربما لا أتعامل مع المعايير العالية الخاصة بي ولكن لا يمكنني التصالح معها. أنا متأكد من أنني قادر على العثور على شيء آخر. السنوكر الشيء الوحيد الذي فعلته على الإطلاق. إنه الطريقة الوحيدة التي أعرف بها كيفية إعالة عائلتي، لكن لا يمكنني الاستمرار في جعل نفسي غير سعيد، أتمنى لو أبتسم فقط وأذهب إلى المريخ وأقول غدا يوم آخر لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لي".
في النهاية، لم يتوقف اللاعب عن المنافسة، وحقق لقبه العالمي السادس في العام 2020.
وليلة الإثنين، فاز أوسوليفان على ترامب 18-13، ليحصل اللاعب البالغ من العمر 46 عامًا، وهو الآن أكبر بطل في تاريخ بطولة العالم، على جائزة مالية قدرها نصف مليون جنيه إسترليني.
كرّس أوسوليفان ألقابه الثلاثة الأولى في بطولة العالم لوالده الذي كان حينها مسجونا، وقال "قال والدي.. في كل مرة أراك على التلفاز، اعتبرها مثل الزيارة. حينها، تبقت له 10 سنوات، لذلك كان علي أن ألعب لمدة 10 سنوات أخرى على الأقل. كنت أرغب في الابتعاد، ولكن كان هناك هذا الضغط لمحاولة فعل الشيء الصحيح لشخص آخر".