اضطرابات البحر الأحمر تستدعي سياسات حمائية جديدة لوقاية الاقتصاد الوطني

مشهد من الجو للبحر الاحمر-(من المصدر)
مشهد من الجو للبحر الاحمر-(من المصدر)

بينما يتصاعد مستوى التوتر في البحر الأحمر نتيجة زج قوات بحرية أميركية وأجنبية لمواجهة احتمالات التصعيد على خلفية العدوان الإسرائيلي في المنطقة، طفت على السطح احتمالات حدوث خلل في سلاسل الإمداد العالمي لا سيما المواد الغذائية. 

اضافة اعلان


وزاد التوتر بشكل واضح في منطقة البحر الأحمر عندما أرسلت أميركا وبعض دول الغرب بوارج حربية وقطعا بحرية إلى المنطقة، بعد أن قامت جماعة أنصار الله في اليمن، بحكم سيطرتها على مضيق باب المندب، باستهداف السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى الكيان المحتل، في خطوة تهدف لدعم الشعب الفلسطيني وردع العدو الصهيوني.     


وفي ظل هذه الظروف المستجدة التي أنتجت تشكيل تحالف دولي برعاية أميركية لـ"عسكرة منطقة البحر الأحمر" يؤكد خبراء اقتصاديون ضرورة اعتماد سياسات حمائية تضمن عدم تأثر الأردن في حال حدوث أي خلل لانتظام سلاسل الإمداد.


ويبين خبراء لـ"الغد" أن السياسات الحمائية التي يمكن أن ينتهجها الأردن للتعامل مع أزمة عدم انتظام سلاسل الإمداد التي قد تنجم عن حالة التصعيد الدائرة في البحر الاحمر،  تتمثل في تسريع تفعيل الخط البري البحري بين الأردن ومصر الذي تم الاتفاق عليه عام 2021، والتي أعلنت الحكومة أخيرا استخدامه كطريق بديل في ظل الظروف الراهنة، إضافة إلى وجوب التنسيق مع دول الجوار لا سيما لبنان وسورية لضمان حركة التبادل التجاري بين الأردن وأوروبا من خلال البحر الأبيض المتوسط. 


ويضاف إلى ذلك، دعم الصناعات المحلية وتوفير التسهيلات التي تضمن توسيعها وزيادة قدراتها الإنتاجية، إلى جانب أهمية التشجيع على تخفيض الواردات والاستعاضة عنها بالمنتجات المحلية، إضافة إلى زيادة المخزونات المحلية من السلع الأساسية، فضلا عن ضرورة إيجاد طريق أسرع لضمان وصول الواردات الأساسية والإستراتجية وذلك من خلال خيار نقل البضائع الواردة إلى الأردن من دول شرق آسيا عبر مضيق هرمز إلى دول الخليج العربي ومن ثم برا عبرها إلى الأردن. 


ولفت الخبراء إلى الاضطراب الكبير الذي تعيش على وقعه المنطقة نتيجة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والتعبئة الأميركية في منطقة البحر الأحمر، ما قد يدفع بالمنطقة إلى حالة عدم اليقين، وسيكون لذلك ارتدادات اقتصادية على دول المجاورة كافة بما فيها الأردن، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى تراجع الاستثمارات الوافدة إلى الأردن، إضافة إلى تقليص الاستثمارات الداخلية، وخفض حجم الصادرات الوطنية، عدا عن إمكانية ارتفاع تكاليف الشحن للبضائع القادمة إلى الأردن والتي قد تسلك طرق بحرية بعيدة كطريق الرجاء الصالح وعليه قد يكون هنالك ارتفاع لأسعار الكثير من السلع.


وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش "التوتر السائد في المنطقة نتيجة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وامتداده إلى منطقة البحر الأحمر، يضع جميع الدول الاقليمية بما فيها الأردن أمام خطر عدم انتظام  سلاسل الإمداد والتوريد، ما سيؤثر سلبا على حركة البضائع وتدفق السلع والتبادل التجاري بين الدول". 


وأوضح عايش أنه على الرغم من استقرار حالة توفر السلع والاحتياطات الاستراتجية في الأردن والتي يقدر بأنها تكفي لمدة 15 شهرا، تبقى إمكانية تأثر الأردن بحالة الاضطراب واردة بقوة، ما يستدعي زيادة المخزونات المحلية من السلع الاساسية، إضافة إلى البحث عن بدائل اخرى لاستدامة وصول الوارادات المختلفة إلى الأردن، وخروج الصادرات منها. 


وبين عايش أن تفعيل الخط البري والبحري بين الأردن ومصر الذي تم الاتفاق عليه عام 2021 من البدائل المهمة والإستراتجية، إلا أن ذلك لن يكون كافيا وحده، داعيا إلى ضرورة التنسيق مع دول الجوار لا سيما لبنان وسورية لضمان حركة التبادل التجاري بين الأردن وأوروبا من خلال البحر الأبيض المتوسط إلى جانب التنسيق مع دول الخليج العربي والاستفادة من مرور مضيق هرمز بها إذ يمكن شحن البضائع من هرمز إلى دول الخليج ومنها برا إلى الأردن، وبالعكس في ما يخص الصادرات الأردنية لا سيما إلى دول شرق وجنوب آسيا. 


واعتبر عايش أن الاضطراب الكبير الذي تعيش على وقعه المنطقة وعدم معرفة مدى مآلاته بعد، قد يكون له تداعيات لاحقة على الاقتصاد الوطني الأردني في حال ما أثر على انتظام سلاسل الإمداد، لا سيما على حركة الصادرات الأردنية من البوتاس والفوسفات المتجهة إلى الهند والصين، وكذلك على الواردات من هاتين الدولتين، عدا عن إمكانية ارتفاع تكاليف الشحن للبضائع الداخلة من الأردن والتي قد تسلك طرقا بحرية بعيدة كطريق الرجاء الصالح، وعليه قد يكون هنالك ارتفاع في أسعار الكثير من السلع. 


ونوه عايش إلى أن المكاسب التي حققها الاقتصاد الأردني خلال السنوات الماضية وتحسن الكثير من مؤشراته الاقتصادية، قد تكون عرضة للضرر في حال استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وامتدادته في المنطقة.


وكان قد حذر البنك الدولي من أن اتساع نطاق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة واستمرارها ينطوي على آثار اقتصادية محتملة على الاقتصاد الأردني، خاصة في ما يتعلق بتقلص النشاط السياحي وانعكاسه على تراجع الإيرادات السياحية والحسابات الخارجية، معتبرا بأن "الحرب " تشكل تهديد للسياحة في الأردن التي تعافت سريعا بعد جائحة كورونا . 


كما حذر البنك من إمكانية انخفاض حجم الاستهلاك المحلي الذي يمثل حصة وازنة من الناتج المحلي الإجمالي على ضوء التغييرات السلوكية والاستهلاكية التي تسببت بها " الحرب "  ، لافتا إلى انه في حال ما حدث  السيناريو الأسوأ للتصعيد الإقليمي، يمكن أن تتأثر التدفقات التجارية على سلاسل القيمة وتكلفة الإنتاج، بالإضافة إلى تأثيرها على الاستثمار المحلي والأجنبيي".


ونوه البنك إلى امكانية ان ينخفض حساب رأس المال ويسجل انخفاضا في صافي التدفقات الوافدة مع تقلص الاستثمار الأجنبي المباشر، متأثرا بانخفاض الأرباح المحتجزة وإعادة تحويل الأرباح إلى الخارج مع تخوف المستثمرين من نشوب صراع إقليمي واسع النطاق.


من جانبه، أكد المختص في الاقتصاد السياسي زيان زوانة أن الحكومة الأردنية متنبهة للمخاطر التي قد يخلفها التصعيد في البحر الاحمر، ولديها الاستعدادات والتصورات السليمة للتعامل مع كافة الاحتمالات، ويتضح ذلك بسرعة إعلان الحكومة  تنسيقها مع مصر لتفعيل الممر البري البحري بين البلدين، واعتماده كطريق بديل على الاقل في هذه المرحلة، إضافة إلى دعم الأردن خلال الفترة الماضية لمخزوناته من السلع الأساسية ما يجعل الأمور بشكل آني تحت السيطرة. 


وشدد زوانة على أهمية أن تكون هناك نظرة أكثر شمولية واستراتيجية لهذا المعبر المستحدث بين الاردن ومصر وتعميق التنسيق حوله وتوسيع دائرة استخدامه وان لا يكتفي فقط في ضمان تدفق الواردات إلى الأردن، حيث يمكن أن يفتح آفاقا جديدة للاقتصاد الوطني خاصة في ظل حالة القلق التي تلف حدود الأردن الشرقية والغربية والشمالية، وذلك من خلال اعتماده كممر كذلك  للصادرات الأردنية عبر ينبع ومنه إلى قناة السويس وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى ربطه بشكل مباشر مع مختلف دول المنطقة لا سيما العراق  ودول الخليج العربي. 


وبين زوانة أن التعبئة الأميركية في منطقة البحر الأحمر وتشكيلها لتحالف دولي لردع الحوثيين، قد يزيد من فرص تصعيد الصراع في المنطقة، ويدفع بها إلى حالة عدم اليقين ما سيكون له ارتدادات اقتصادية على دول المجاورة كافة بما فيها الأردن، حيث يمكن يؤدي ذلك إلى تراجع الاستثمارات الوافدة إلى الأردن، إضافة إلى تقليص الاستثمارات الداخلية، وخفض حجم الصادرات الوطنية. 


إلى ذلك قال الخبير الاقتصادي محمد البشير "السياسات الحمائية التي يمكن ان ينتهجها الأردن للتعامل مع أزمة تقطع سلاسل الإمداد التي قد تنجم عن حالة التصعيد الدائرة في البحر الأحمر، تبدأ في دعم الصناعات المحلية وتوفير كافة التسهيلات التي تضمن توسيعها وزيادة قدراتها الإنتاجية، إضافة إلى أهمية التشجيع على تخفيض الواردات والاستعاضة عنها بالمنتوجات المحلية، إلى جانب البحث عن إيجاد طريق أسرع لضمان وصول الوارادات الاساسية والاستراتجية وذلك من خلال خيار نقل البضائع الواردة إلى الأردن من دول شرق آسيا عبر مضيق هرمز إلى دول الخليج العربي ومن ثم برا عبرها إلى الأردن". 


ولفت البشير إلى أن المستوردات الأردنية من دول شرق آسيا قد تتأثر في حال تنامي التصعيد في البحر الأحمر، إذ أن وصول هذه السلع إلى الأردن سيحتاج لوقت أطول، علاوة على إمكانية ارتفاع كلف الشحن ورسوم التأمين، ما ينعكس على ارتفاع بعض السلع والأصناف في السوق المحلية.


ويرى البشير أن خطر تقطع سلاسل الإمداد على الأردن ما زال متدنيا إلى حد ما إذ إن جماعة أنصار الله أعلنت أنها لن تستهدف سوى السفن المتجهة للكيان الصهيوني، لكن في ظل حالة العسكرة الموجودة في البحر الاحمر المتمثلة في تشكيل تحالف دولي لكبح الهجمات الحوثية، قد تتفاقم الأمور ويكون لها تداعيات تطال الجميع. 

 

اقرأ المزيد : 

اضطرابات البحر الأحمر.. دراسة بدائل لانسياب البضائع