"الهيئات المستقلة": عبء ثقيل يستنزف الخزينة.. ما الحلول؟

العلم الأردني
العلم الأردني

عمان- لم تتوقف الدعوات، خلال العقدين الماضيين، لإعادة النظر بملف الهيئات والوحدات الحكومية المستقلة، في ظل ما تشكله من عبء على الدولة واقتصادها.
وطالما دعا خبراء ومراقبون للتعامل مع الهيئات والوحدات الحكومية المستقلة، من خلال حل بعضها أو إعادة دمجها مع بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى.
ويؤكد خبراء أن معظم الهيئات المستقلة تمثل عبئا ثقيلا يستنزف خزينة الدولة، بسبب العجز المالي الذي تلحقه بالموازنة العامة سنويا.

اضافة اعلان

 



ويوجد 25 مؤسسة وهيئة مستقلة في الأردن، قدر قانون الموازنة العامة للعام 2024 إجمالي نفاقاتها بنحو 1.662 مليار دينار، موزعا بواقع 1.097 مليار للنفقات الجارية و565 مليون دينار للنفقات الرأسمالية، وذلك مقارنة مع إجمالي إيرادات بلغ 852 مليون دينار، ما يعني أن العجز الذي تخلفه هذه المؤسسات والهيئات سيبلغ 810 ملايين دينار.
ومن الجدير بالذكر أن العجز المسجل لهذه المؤسسات والهيئات كان يبلغ 618 مليونا في العام الماضي، أي أنه ارتفع بنسبة 31 % في عام واحد.
ويرى خبراء اقتصاديون، أنه على الرغم من تقلص عدد من الهيئات المستقلة خلال الأعوام الماضية، إلا أن عددها ما يزال "كبيرا"، وهي ليست ذات أثر إداري أو اقتصادي، ولا تشكل أي إضافة نوعية للعملية الاقتصادية المحلية.
وأكد الخبراء لـ"الغد"، أن هذا العدد الكبير من الوحدات الحكومية المستقلة يشكل عبئا ثقيلا على كاهل الاقتصاد الوطني والإدارة العامة، وأدى إلى استنزاف الخزينة العامة ومفاقمة عجز الموازنة العامة من عام إلى آخر.
ولفت الخبراء إلى أن أداء هذه الهيئات يتباين بين مؤسسة وأخرى، إلا أن السمة العامة لأغلبها "سلبي" وأقل من المتوقع، مع قيام عدد محدود منها فقط بأداء إيجابي ورفد الخزينة العامة بمردود مالي.
وبهدف مواجهة هذه المشكلة وتخفيف حدة الأعباء الاقتصادية لها، طالب هؤلاء الخبراء بضرورة إدراج الهيئات العامة ضمن خطة التحديث الإداري، بهدف تقليص عددها وإعادة النظر بمهامها، وإطلاق خطة علاجية لإدماج الوحدات التي تتقاطع واجباتها مع الوزارات المختلفة وإلحاقها بها كمديريات، إضافة إلى توزيع العدد الكبير من الموظفين في هذه الهيئات وفق اختصاصاتهم على الوزارات ذات الصلة وتطبيق نظام الخدمة المدنية عليهم.
وقال الخبير الاقتصادي زيان زوانة "إن الإدارة العامة الأردنية تعد إحدى نقاط الضعف الرئيسية ذات الأبعاد السلبية الشاملة؛ اقتصاديا وماليا وإداريا واجتماعيا"، منوها إلى أنه "كلما بقي هيكل الإدارة العامة على حاله، صعبت الحلول، إن وجدت".
وأوضح زوانة أن الحكومات المتعاقبة تعهدت في حل ذلك، فنفذته تنفيذا شكليا وصوريا، بحيث لم يتحقق معه أي عوائد حقيقية في خفض العجز أو رفع الأداء.
وأضاف زوانة أن الوزارات تمثل السلطة التنفيذية (الحكومة)، والمؤسسات الحكومية المستقلة هي الأخرى تعد أذرعا تنفيذية، ما يعني وجود حكومتين في هيكل الإدارة العامة الأردنية، إذ إن العديد من الوزارات تتقاسم وتتنافس مع عدد من الهيئات ذات الصلاحيات والمسوؤليات المتداخلة.
وتابع "المعضلة الرئيسية للهيئات المستقلة تكمن في أن لها ميزانية سنوية موازية للموازنة الحكومية العامة بإيراداتها ونفقاتها وعجزها وفائضها، ما يشكل ضغطا ماليا على الموارد وعلى قنوات التنظيم وآلية صنع القرار، كما أن ذلك يشمل ضغطا أيضا على الكادر البشري في القطاع العام، إذ تتعاظم هذه السلبيات بزيادة عدد الموظفين، مما يثقل حركة كل من (القطاع الحكومي والهيئات) ويربك المستفيدين والمتلقين لخدماتهما وقراراتهما؛ مواطنين ومستثمرين".
ولفت زوانة إلى أن أرقام ومعطيات الميزانيات الخاصة بالهيئات تظهر من عام لآخر عجوزات يضاف لها عجوزات "مستترة" تترجم للأرقام، ما يرفع من رقم هذه العجوزات الفعلي.
وأكد زوانة أن حل ملف الهيئات المستقلة الذي يشكل عبئا منذ أعوام طويلة على الخزينة والإدارة العامة، يستدعي إطلاق خطة علاجية زمنية تدمج الوحدات الحكومية التي لديها مهام مشتركة مع إحدى الوزارات التي لديها المهام ذاتها، معربا عن أمله بأن يتم إدراج ذلك في الخطة العلاجية الإدارية المتمثلة في خطة التحديث الإداري.
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة، أنه على الرغم من تقليص عدد الهيئات الحكومية المستقلة خلال الأعوام الماضية، إلا أنه ما يزال لدينا عدد كبير من الهيئات المستقلة التي ليس لها أي أثر إداري أو اقتصادي ولم تشكل أي إضافة نوعية للعملية الاقتصادية المحلية، وبالتالي ما يزال العبء الاقتصادي لهذه الهيئات قائما.
وتابع المخامرة "أداء الوحدات الحكومية المستقلة يتباين من مؤسسة إلى أخرى، إلا أن السمة العامة لأغلبها سلبي وأقل من المأمول، مع قيام عدد محدود منها فقط بإداء إيجابي ورفد الخزينة العامة بمردود مالي، كهيئة تنظيم قطاع الاتصالات".
وأوضح المخامرة "أن الوحدات الحكومية المستقلة شكلت، على مدى العقدين الماضيين، عنوان الخلل المالي الرئيسي في الموازنات العامة، كما أنها تسببت في نمو الإنفاق العام، فضلا عن تركها ضغوطا هائلة على المالية العامة نتيجة الإنفاق المتزايد عليها، الأمر الذي أسهم، على نحو سلبي، في مفاقمة العجز المالي للحكومة".
وأضاف المخامرة "هذه الهيئات كان لها أيضا عبء إضافي على الإدارة العامة، فباتت مكانا للبطالة المقنعة؛ إذ تم توظيف كوادر زائدة على الحاجة في عدد منها، عدا على أن بعضا منها أصبحت ميدانا للتنفيع والواسطة والمحسوبية".
ويرى المخامرة أن حل ملف هذه الهيئات سيتوجب إعادة هيكلة هذه الوحدات الحكومية والنظر في وجودها والحاجة منها، وإلحاق الهيئات التي تتقاطع مهامها مع الوزارات المختلفة في الوزارات التي تماثل واجباتها.
إلى ذلك، اتفق مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض مع سابقيه، على أن الوحدات الحكومية المستقلة ما تزال تشكل عبئا على الاقتصاد الوطني، على الرغم من دمج بعضها خلال الأعوام الماضية.
وأكد عوض أن عددا كبيرا من هذه الهيئات يعد مشكلة كبيرة للاقتصاد الأردني على المستويين المالي والإداري، إذ إنها ماليا ما تزال تحمل خزينة الدولة مئات الملايين سنويا على شكل عجوزات مالية تستنزف الخزينة بصورة حادة، نتيجة المتطلبات الإنفاقية الكبيرة التي تحتاجها، مما يعظم من مشكلة الدين العام الذي يتضاعف من عام إلى آخر، وذلك يدفع الحكومة إلى المزيد من الاقتراض.
أما إداريا، فإن أغلب المهام المنوطة بهذه الوحدات تتداخل مع الوزرات المختلفة، مما يؤدي إلى تضارب في القرارات التخطيطية والاستراتيجية ويعزز من البيوقراطية في القطاع العام، ولذلك انعكاس سلبي على بيئة الاستثمار والأعمال في البلاد، علاوة على تراكم الكوادر الوظيفية التي ليس لها أي أثر نوعي في تحسن الأداء الحكومي.
وضرب عوض، وزارة النقل والهيئات المستقلة المختصة في قطاع النقل، مثالا على تضارب مهامها وواجباتها، إذ يوجد محليا 6 هيئات مستقلة فقط في قطاع النقل، منها هيئة النقل البري، هيئة النقل البحري وكذلك الجوي، فضلا عن هيئة سكة حديد الحجاز وغيرها، إذ إن أغلب نشاطها يتداخل مع وزارة النقل، مؤكدا أن ذلك ينسحب على عدد من الوزارات والهيئات، كوازرة الطاقة، والهيئات المختصة في قطاعها ذاته.
وبقصد مواجهة هذه المشكلة وتخفيف حدة الأعباء الاقتصادية لها، دعا عوض إلى ضرورة تقليص عدد هذه الهيئات وإعادة النظر بمهامها، وإدماج التي تتقاطع واجباتها مع أي من الوزارات وإلحاقها بها كمديريات، إضافة إلى توزيع العدد الكبير من الموظفين في هذه الهيئات وفق اختصاصاتهم على الوزرات ذات الصلة وتطبيق نظام الخدمة المدنية.