قانون تنظيم مهنتي المحاسبة والتدقيق

محمد البشير*

فرغت اللجنة القانونية في مجلس النواب من دراسة قانون تنظيم مهنة المحاسبة القانونية رقم (73) لسنة 2003 المؤقت، الذي قامت الحكومة بإعداده وإقراره بالتعاون مع مستشار مكلف من البنك الدولي وجمعية مدققي الحسابات خلال الفترة 1999 حتى إقراره مؤقتاً في العام 2003.
وكان رئيس الجمعية، وأحياناً عضو واحد من مجلس الإدارة، مشاركاً في الحوارات مع مندوبي هيئات الرقابة الحكومية في الشأن الاقتصادي (البنك المركزي، الأوراق المالية، التأمين، مراقب الشركات، ديوان المحاسبة، وزارة المالية) مع ديوان التشريع والرأي الذي كان القانون قد ولد في رحابه، وكان من أبرز ما تم تعديله لمواد هذا القانون عن مواد قانون رقم (32) لسنة 1985، تمثل بتفكيك شروط الترخيص التي كان يتوجب على طالب الترخيص أن تكون مجتمعة معاً عند رغبته بالتقدم للامتحان، ابتداءً من الجنسية الأردنية، عدم المحكومية، الشهادة الجامعية الأولى وشهادة الخبرة من مكتب تدقيق حسابات واجتياز الامتحان معاً؛ حيث منع اجتماع هذه الشروط الراغبين في الحصول على إجازة التدقيق من التقدم للامتحان من خارج مكاتب التدقيق، أما القانون الساري فقد فتح المجال أمام جميع الراغبين في التقدم لاجتياز امتحان المهنة سواء كان عاملا لدى مكاتب التدقيق أو موظفا عاما أو محاسباً لدى القوات المسلحة الأردنية والأمن العام، ما دام حاصلاً على الجنسية الأردنية والشهادة الجامعية الأولى، مما أدى الى ارتفاع عدد المتقدمين للامتحان سواء كانوا لدى مكاتب التدقيق أو في الوظيفة العامة؛ حيث دخل على المهنة كل هؤلاء الذين ارتفع مستواهم المهني في الوظيفة التي يشغلون أو الذين اختاروا مزاولة مهنة تدقيق الحسابات، وقد كانت صاحبة المبادرة في ذلك الانفتاح على حملة شهادة المحاسبة، جمعية مدققي الحسابات القانونيين الأردنيين في حينه.
كانت مخرجات اللجنة القانونية لمجلس النواب خطوة باتجاه تنظيم مهنة المحاسبة، الى جانب تعديل بعض النصوص المتعلقة بمهنة تدقيق الحسابات، فالمحاسبة وتنظيمها وخلق أداتها (الجمعية أو النقابة) موضوع طالبت به جمعيتنا منذ تأسيسها في سنة ؛1987 حيث أقرت الهيئات العامة السنوية ذلك، وتوشحت مجلة المدقق بمقالات عديدة حول هذه المطالبة، استناداً الى أن حماية اقتصادنا الوطني تمر بتنظيم المهنة ككل والعاملين بها، الذين يملكون كثيرا من مفاتيح وأسرار المنشأة ومقدرتها على الاستمرارية، وهم كموظفين في هيكل إدارة أي منشأة لمجلس الإدارة، مسؤولون عن إعداد البيانات المالية السنوية التي، وفق قانون الشركات والأوراق المالية والبنوك والتأمين وغيرها من مسؤولية مجلس الإدارة، وحيث يتم إنجاز هذه البيانات من قبل مجلس الإدارة/ الإدارة المالية، تبدأ مهمة مدقق الحسابات الذي تحكمه تشريعات قانونية (شركات، بنوك، أوراق مالية، ضرائب وغيرها كالعقوبات)، ومهنية كمعايير المحاسبة والتدقيق الدولية التي كانت الجمعية ذراع الدولة في السعي الى اعتمادها لدى المزاولين للمهنة وبإدراجها بالتشريعات كافة ذات العلاقة بالشأن الاقتصادي منذ ثلاثة عقود سبقت.
قانون المهنة رقم (10) لسنة 1961، (32) لسنة 1985 والمؤقت (73) لسنة 2003، جميعها أناطت بوزير الصناعة والمالية ورئيس ديوان المحاسبة وهيئات الرقابة الحكومية في الإشراف على المهنة وترخيص مدققي الحسابات، وإن مشاركة مدققي الحسابات كانت رمزية ولا تزيد على (2) في لجنة الترخيص، وهنا مهم أن يعلم الجميع أن الترخيص مسؤولية حكومية 100 %، وأن استقبال طلبات الامتحان والترخيص وإجراءاته كانت تتم في ديوان المحاسبة قبل أن تصبح هذه الخدمات تقدمها الجمعية ابتداءً من العام 2004 دون تدخل منها في وضع الأسئلة وتصحيحها والإشراف على الامتحان بشكل عام، مشيراً الى أن الامتحان يحظى بسمعة ممتازة محلياً وعربياً ودولياً، وأصبحت مثالا لدى الآخرين في الاستقلالية والحيادية والرصانة، وأكدت مخرجات المهنة مكانة المزاولين لها أردنياً، عربياً ودولياً، خاصة منشآت دول الخليج العربي سواء في حقل التدقيق أو الإدارة المالية؛ حيث أثبت الزملاء المزاولون، بموجب القانون، حضورا لافتا في قيادة وريادة أعمال المهنة والمحاسبة (دراسات مالية، تدقيق داخلي إدارة مالية، وانتهاء بإدارة شركات التدقيق الكبرى عالمياً).
تعرضت مهنة التدقيق، خلال الأسابيع الماضية، وأثناء مناقشة نصوص القانون (73) المؤقت في اللجنة القانونية لمجلس النواب، لسوء الفهم وللتشويش والتحامل على جمعية المحاسبين القانونيين ومجالسها وتحميلها مزاعم تتعلق بالنجاح والاحتكار والنفعية دون وجه حق، وبشكل عام على العاملين فيها دون تمحيص وقراءة معمقة في نصوص القانون ومعرفة بمعايير التدقيق الدولية التي كان الأردن منذ سنة 1990 يعتمدها، وزاد من حجم هذا التحامل الإقبال الكبير على دراسة المحاسبة في الأردن تماشياً مع إقبال كبير لدى الأردنيين على الدراسة الجامعية بمختلف تخصصاتها من جهة، وترافق ذلك مع تلكؤ حكومي متوارث عن تنظيم مهنة المحاسبة من جهة أخرى، إضافة الى زيادة البطالة في صفوف المحاسبين، ومنهم حملة المحاسبة التي وصلت الى 25 %، فقانون نقابة المحاسبين الذي سبق أن بينت أن الجمعية دعت الحكومة لإنجازه منذ سنة 1990، حاولت مجموعة من أساتذة الجامعات، موظفي الإدارة العامة منذ سنة 2011 الى بلورة مفاصل قانون مقترح تم تقديمه الى الحكومة بعد جولة أفقية شملت كل المحافظات وباركه عدد كبير من النواب، خاصة بعد أن عدلت اللجنة الدستورية التي شكلها الملك المادة (16) فقرة (ج) من الدستور، بحق الأردنيين في تأسيس النقابات الى جانب الأحزاب والجمعيات، إلا أن الحكومة وضعته في أدراجها منذ سنة 2012 مع قوانين أخرى لنقابات مهنية أخرى.
يمكن تحديد الملاحظات المختلفة التي انبثقت عن مطالعة اللجنة القانونية النيابية ومن تفاعل معها من ذوي العلاقة بالمهنة بالبنود المالية.
1- إن ترخيص المدققين تتحكم به الجمعية احتكاراً للمهنة، وحماية لمصالح أعضائها، وهذا غير صحيح، وكما بينت في مستهل هذه المقالة، فإن الحكومات المتعاقبة هي المسؤولة عن مخرجات الامتحان، وإن دور الجمعية يكمن في استقبال المرخصين وتأهيلهم والرقابة عليهم مع الجهات الرقابية الأخرى.
2- إن عدد المدققين المزاولين للمهنة قليل قياسا بعدد المحاسبين خريجي الجامعات، وهنا تكمن المشكلة، فالمقارنة غير دقيقة، فالأصل أن يعلم متبني هذه النظرية أن المدققين هم محاسبون وأن المقارنة لا تتم مع المحاسبين وإنما مع عدد المدققين بالدول المتقدمة وغير المتقدمة مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي، فهي مثلاً في السعودية (650) عضواً لناتج محلي يزيد على (900) مليار دولار، الإمارات (465) عضواً لناتج محلي مقداره (380) مليار دولار، وفي العراق (350) عضواً لناتج محلي يزيد على (320) مليار دولار، وفي قطر (710) أعضاء لناتج محلي يصل الى (200) مليار دولار، وفي الأردن (878) عضواً لناتج محلي مقداره (50) مليار دولار.
3- مدقق الحسابات ومدقق الحسابات القانوني، الفرق بينهما أن الأول هو مدقق الحسابات الذي يعمل لدى شركات ومكاتب التدقيق تحت إشراف الثاني الذي منحه القانون حق إبداء الرأي على البيانات المالية للمنشآت والتوقيع نيابة عن الشركة تحت طائلة المسؤولية المهنية والقانونية التي لا يتحملها مدقق الحسابات الموظف لديه، من هنا فإن الأصح أن يكون الاسم "مدقق حسابات قانوني" وجمعيته "جمعية مدققي الحسابات القانونيين الأردنيين"، وكما كان وارداً في قانون رقم (32) لسنة 1985.
4- الهيئة العليا ولجنة الترخيص، كأدوات تشريعية وتنظيمية وإشرافية للمهنة التي كانت وما تزال مسؤولة عن مدخلات المهنة التي كانت قبل التعديلات النيابية الأخيرة، تخص المدققين وبعدها ستصبح مسؤوليتها تشمل المحاسبين، فهي ستضع الأنظمة والتعليمات، وتنظم إجراءات الامتحان وما يسبقها من فحص للوثائق والمستندات التي تمثل شروط الترخيص وإشرافية بالتعاون مع الجمعيات التي أشارت اليها التعديلات موضوع النقاش، فتشكيل هذه الهيئات وبعد التجربة الطويلة ومنذ العام 1985، نجد أن رئاسة وزير الصناعة في محلها، وصحيح أن مشاركة مدير عام دائرة ضريبة الدخل والمبيعات بدلاً من أمين عام وزارة المالية أكثر عملية في خدمة الهيئة والمهنة، لتحقيق أهدافها، وهذا ينطبق على أهمية حضوره في لجنة الترخيص، وكذلك الأمر ينطبق على أهمية أن يكون نائب محافظ البنك المركزي ونائب رئيس هيئة الأوراق المالية عضوين نظراً لحجم المسؤوليات الملقاة على عاتق المحافظ ورئيس هيئة الأوراق المالية، وينطبق ذلك على رئيس هيئة الاعتماد لدى وزارة التعليم العالي، الذي مع الاحترام، وجوده لا مبرر له لأن معادلة الشهادة الجامعية تتم من خلال لجنة اعتماد الشهادات، التي تمنح طالب المعادلة شهادة حول ذلك يقوم طالب الترخيص بتقديمها للجنة الترخيص، وهذا يفي من الغاية من إضافته الى تشكيل الهيئة واللجنة.
أما مشاركة المدققين، فقد كانت في لجنة الترخيص بموجب قانون 10 لسنة 61 ثلاثة مدققين، وفي قانون 32 لسنة 85 الرئيس واثنين من مدققي الحسابات، وفي القانون المؤقت الساري الرئيس وثلاثة من المدققين، اليوم هناك مشاركة من رئيس جمعية المحاسبين. ولأغراض عملية، هناك مشاركة لاثنين من مدققي الحسابات في دعم لعمل الهيئة، وهذا ينطبق على لجنة الترخيص التي كانت تشكل من قبل الهيئة العليا، وكان الرئيس ومدقق واحد فيها حالة عملية لدعم عمل لجنة الترخيص.
5- التدريب، من الأهمية بمكان هنا، توضيح أمر مهم ناتج عن تجربة ومعرفة ويتعلق في أن اجتياز الامتحان والترخيص دون التدريب لدى مكتب تدقيق حسابات قد يدخل الى المهنة مزاولين لمهنة التدقيق لا يمتلكون الكفاءة والقدرة على القيام بالمهمة وفق المعايير المهنية الدولية والتشريعات القانونية ذات العلاقة، والمطلوب أولاً ودائماً أن تكون صياغة النصوص غير مجاملة لأساتذة الجامعات أو موظفي الحكومة الكبار، من حيث ضرورة أن يلزموا بالتدريب على المستندات وعلى معايير التدقيق الدولية التي لا يجوز أن تكون دراسية ودورات ومحاضرات فقط، لما فيه مصلحة للمهنة واقتصادنا وللمرخصين بشكل عام.
6- مدققو الحسابات والعاملون في مجال المحاسبة، وفق الفقرة (ب) من المادة (30)؛ حيث يعمل هؤلاء لدى البنوك والشركات المساهمة العامة الكبرى، وهم مسجلون في سجل المزاولين لأعمال المحاسبة وفق هذه الفقرة حسب القانون الساري، وإن إضافة فقرة تسمح لهؤلاء البقاء في مواقعهم كمزاولين لمهنة المحاسبة ومحافظين على عضويتهم في جمعية مدققي الحسابات القانونيين لا يشكل خرقاً للقانون أو إلحاق الضرر بالمحاسبين المجازيين وجمعيتهم العتيدة، فالمرونة واجبة هنا، في أن يستثنى هؤلاء من اجتياز امتحان المحاسبة وأن يسمح لهم بإشغال الوظيفة حسب هذه الفقرة فيه فائدة وإغناء للشركات وحماية لحقوق هؤلاء التي اكتسبوها تاريخياً.
7- تدوير المدققين للشركات المساهمة العامة والخاصة ومحدودة المسؤولية أمر محمود ومعمول به، وإن رفع المدة لخمس سنوات، مثلاً، واقتصار هذه المادة على الشركات المساهمة العامة والخاصة أكثر واقعية، خاصة بعد التجربة العملية للسنوات العشرين السابقة، فإن هذه المادة لم تطبق على الشركات المحدودة المسؤولية لعدم واقعيتها ولعدم وضع تعليمات لتطبيقها، بينما تم تطبيق هذا النص على المساهمة العامة والخاصة بعد أن تصدى البنك المركزي لانتخاب مدقق حسابات البنوك لمدة (7) سنوات، وهيئة الأوراق المالية لأربع سنوات للجهات التي تخضع لرقابتها (مساهمة عامة، خاصة) وبموجب تعليمات تتعلق بذلك التدوير.
لقد كان لقاءً مفيداً الذي استضاف د.غازي ذنيبات رئيس اللجنة القانونية عبر "الزووم"؛ حيث تم مناقشة كثير من البنود المتعلقة بما تم إيراده، وكان مضمون الحوار عالي المستوى لدرجة أن تمنى الدكتور غازي أن يكون قد التقى مع هذا العدد من المدققين الذين كانوا على منصة "الزووم"، فقد أكد اللقاء أهمية المهنة ومخرجاتها وأزال التباساً كان قد وقع خلال فترة مناقشة مواد القانون.

اضافة اعلان

*الرئيس الأسبق لجمعية المحاسبين القانونيين