كيف نتخطى التحديات ونعزز الأمن الغذائي؟

عبد الرحمن الخوالدة- من تعطل سلاسل الإمداد العالمية خلال جائحة كورونا إلى الحرب الروسية على أوكرانيا وما تمخض عنها من ارتفاع لأسعار بعض المواد الغذائية وشح في بعضها الآخر، وليس انتهاء بالتوقعات القاتمة للاقتصاد العالمي للعام الحالي، تجلت أهمية تحصين مناعة الأمن الغذائي الوطني والذي أنجزت المملكة في ملفه الكثير لكنه يواجه الكثير من العقبات.

اضافة اعلان

الاهتمام بهذا الملف بدا جليا من خلال التوجيهات الملكية خلال الأشهر الأولى من عمر جائحة كورونا بضرورة دعم المخزون الإستراتيجي للغذاء في المملكة وما أعقبها بعد ذلك من إطلاق الحكومة الإستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2021 – 2030.

وفي ظل استمرار الأزمة الأوكرانية الروسية والتأثيرات المتسارعة الناجمة عن كابوس التغيير المناخي وتعاظم التحديات الاقتصادية التي من المتوقع أن يواجهها العالم خلال العام الحالي، يبدو التحوط لتعزيز قدرات الأمن الغذائي ضرورة وطنية ملحة.

َويذكر أن الأردني حقق تطورا ملحوظا في مستوى الأمن الغذائي خلال العام 2022 ضمن مؤشر الأمن الغذائي العالمي 2021 الصادر عن وحدة المعلومات الاقتصادية حيث تقدم الأردن إلى المرتبة 49 عالمياً والسابع عربيا بعد أن كان في المرتبة 62 عالميا خلال العام 2020 وليأتـي الأول عربيا بمحور الموارد الطبيعية ومواجهة المخاطر.

وأكد خبراء اقتصاديون أن وضع الأمن الغذائي في الأردن مستقر وهناك جهود تبذل تجاه هذا الملف الاستراتيجي حيث أن الحكومة تبنت التوجيهات الملكية بشأن تعزيز الأمن الغذائي داخل البلاد وعكست ذلك من خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي وتصنيف قطاع الصناعات الغذائية والزراعة والأمن الغذائي كأحد القطاعات عالية القيمة في رؤية التحديث الاقتصادي للسنوات العشر القادمة، إلا أن هذه الجهود قد لا تكون كافية ويشوب بعض الضعف والنمطية.

ووفق هؤلاء الخبراء يواجه الأردن العديد من التحديات والعقبات التي تقف أمام تحقيق أمن غذائي مستدام، كالفقر المائي الذي يشكل مدخلاً إنتاجياً رئيسياً للمنتجات الزراعية إضافة إلى افتقار قطاع الزراعة الأردني التنظيم الكامل إلى جانب ضعف الإطار التشريعي والقانوني اللازم لتعزيز منظومة الأمن الغذائي محليا علاوة على ارتفاع كلف الإنتاج التي يواجهها القطاع الزراعي والصناعي وعزوف المؤسسات التمويلية عن تقديم التسهيلات لهذين القطاعين لارتفاع مخاطر الاستثمار بهما إلى جانب ارتفاع حجم المستوردات الغذائية.

ويرى الخبراء أن تعزيز قدرات الأمن الغذائي في الأردن يتطلب التوسع في التعاون الإقليمي مع الدول المجاورة لتحقيق التكامل الغذائي في حال نقص بعض السلع الغذائية الناجمة عن بعض الأزمات المتزايدة التي يعانيها العالم خاصة التغيير المناخي.

وأشار الخبراء إلى ضرورة دعم التشريعات والقوانين الناظمة لعملية تعزيز مفهوم الأمن الغذائي واستدامة تلك التشريعات وفعاليتها والعمل على ضمان تنفيذ ما ورد ضمن رؤية التحديث الاقتصادي من مبادرات واستثمارات ضمن قطاعي الصناعات الغذائية والأمن الغذائي والتي من خلالها يمكن تنفيذها وتسهيل الطريق نحو الصناعة الزراعية والتكامل المطلوب.

ودعا هؤلاء إلى وجوب استغلال الميزات التنافسية التي تتوفر لدينا في مجال الأمن الغذائي كامتلاك الاقتصاد الأردني عددا من القطاعات الإنتاجية التي تتمتع منتجاتها بتنافسية وجودة عالية يمكنها أن تكون طرفا داعما في تعزيز مفهوم الأمن الغذائي على مستوى البلاد.

وكان وزير الصناعة والتجارة يوسف الشمالي أكد الأسبوع الماضي اهتمام الحكومة بتعزيز الأمن الغذائي، مشيرا إلى توفر مخزون استراتيجي من القمح يكفي 16 شهرا. وبين أن إدارة المخزون تراقب بشكل دوري مستوعبات الحبوب، إضافة إلى مؤسسة الغذاء والدواء، مشيرا إلى أن المستوعبات توفر 300 ألف طن، وتسعى الوزارة لزيادتها إلى 400 ألف، حيث تم رصد مليون دينار لتوسعتها.

وأكد رئيس غرفة صناعة الأردن فتحي الجغبير وجود جهود تبذل في ملف الأمن الغذائي حيث تبنت الحكومة بشكل واضح التوجيهات الملكية الأخيرة بشأن تعزيز الأمن الغذائي داخل البلاد بما يحقق الاكتفاء الذاتي ويقلل من تأثير انقطاع سلاسل الإمداد على إثر الأزمات والاضطرابات السياسية والاقتصادية العالمية.

وأوضح الجغبير أن الحكومة عكست التوجيهات الملكية على الخطط والإستراتيجيات الوطنية وأهمها في الوقت الراهن رؤية التحديث الاقتصادي من خلال تبني قطاع الصناعات الغذائية والزراعة والأمن الغذائي كأحد القطاعات عالية القيمة للسنوات العشر القادمة وقبل ذلك وجه جلالته الحكومة لتشكيل اللجان المتخصصة لدعم الإنتاج المحلي ومن بينها لجنة التصنيع الغذائي وتحسين مستوى التكامل ما بين القطاع الصناعي والقطاع الزراعي كما تم إطلاق “الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي” خلال العام 2021 لضمان تقييم ومتابعة القضايا والمتسجدات بخصوص تعزيز مستوى الأمن الغذائي للسنوات العشر القادمة.

ولفت إلى وجود عدد من التحديات والعقبات التي تقف أمام تحقيق الأمن الغذائي المستدام في الأردن بدايةً من حالة الفقر المائي لدينا والتي تشكل مدخلا إنتاجيا رئيسا للمنتجات الزراعية وهذا يعني قلة توفر المواد الأولية اللازمة للصناعات الغذائية محليا إضافة إلى افتقار قطاع الزراعة إلى التنظيم وذلك لأن غالبية قطع الأراضي مجزأة وضمن ملكيات صغيرة وهذا ما يجعله يتسم بمحدودية المحاصيل المنتجة إلى جانب ضعف الإطار التشريعي والقانوني اللازم لتعزيز منظومة الأمن الغذائي في الأردن علاوة على حجم مستوردات المنتجات الغذائية الكبيرة مما يشكل منافسة للمنتجات المحلية الصنع.

كما أشار إلى كلف الإنتاج المرتفعة التي تواجهها الصناعات الوطنية مختلفة وعلى رأسها الصناعات الغذائية وضعف العلاقات التكاملية بين القطاعين الصناعة والزراعة والذي من شأنه عرقلة توفر المواد الأولية لقطاع الصناعات الغذائية ليشكل بذلك عائقاً أمام النهوض بالإنتاج الوطني من الصناعات الغذائية وتحقيق الأمن الغذائي الذي نطمح له جميعاً.

وقال الجغبير إن تعزيز مفهوم الأمن الغذائي على مستوى البلد يتمحور حول أمرين مهمين الأول في مدى إمكانيات الاقتصاد والمتمثلة في الموارد الطبيعية والقدرات الإنتاجية والزراعية سواء من حيث توفر الأراضي الزراعية والمياه ومستوى التكنولوجيا المستخدمة في التصنيع والزراعة وهنا تطلب الحاجة إلى توجه واضح وحقيقي لتدعيم تلك الإمكانيات دون إيجاد أي مبررات حول ضعف الإمكانات أو عدم القدرة على تحمل الكلف أما بالنسبة للأمر الثاني فهو يتمثل في مستوى دعم التشريعات والقوانين المنظمة لعملية تعزيز مفهوم الأمن الغذائي ومدى استدامة تلك التشريعات وفعاليتها.

وبين أن تعزيز الأمن الغذائي يستوجب تطوير الصناعات الغذائية حيث تعد أولوية قصوى لتحقيق الأمن الغذائي الوطني والتركيز على دعم الصناعات التي تستخدم مدخلات إنتاج محلية وتتصف بأنها ذات قيمة مضافة عالية وضمان تنفيذ ما ورد ضمن رؤية التحديث الاقتصادي من مبادرات واستثمارات ضمن قطاعي الصناعات الغذائية والأمن الغذائي والتي من خلالها يمكن تنفيذها وتسهيل الطريق نحو الصناعة الزراعية والتكامل المطلوب إلى جانب توفير مصادر تمويل مناسبة للمزارعين وذلك بهدف توفير بيئة عمل جيدة تساعد على زيادة كميات المنتجات الزراعية وتعزيز مبدأ الاعتماد على الذات في تغطية احتياجات السوق المحلي.

ولفت إلى أن الاقتصاد الأردني يمتلك عددا من القطاعات الإنتاجية التي تتمتع منتجاتها بتنافسية عالية يمكنها أن تكون طرفا داعما في تعزيز مفهوم الأمن الغذائي على مستوى البلاد سيما في قطاع الصناعات الغذائية وقطاع صناعات الأسمدة وقطاع الزراعة والتي تعتبر أحد القطاعات الرائدة والقادرة على بناء جسور التكامل للوصول إلى أمن غذائي شامل ومستدام داعيا إلى الاستفادة من جهود توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري التي بذلها الاردن مؤخرا كإطلاق الشراكة الصناعية التكاملية بين كل من الإمارات ومصر والبحرين والأردن بهدف بدء مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة في عدد من القطاعات الصناعية وذلك لتعزيز التكامل الصناعي مع الدول العربية وبقية بلدان العالم.

بدوره، اعتبر وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن وضع الأمن الغذائي في الأردن مستقر رغم الخطر الذي يتهدد الأمن الغذائي في العالم والخطر الداهم الذي قد يطيح بسلة الغذاء العالمية نتيجة تسارع تأثيرات التغير المناخي التي ألحقت الضرر بالإنتاج الغذائي العالمي.

ونوه المصري إلى أن القطاعات التي تحقق الأمن الغذائي لدينا محليا وهي قطاعا الزراعة والصناعة يواجهان تحديات عدة في مقدمتها كلف الإنتاج العالية وندرة المياه وقدم الأساليب الزراعية المستخدمة محليا وعدم مواكبة العصر في توظيف الذكاء الصناعي في المجالات الزراعية والصناعات الغذائية.

وطالب المصري بضرورة الانخراط في مختلف أشكال التعاون الإقليمي التي تسعى لتحقيق التكامل الغذائي بين الدول لتفادي الأزمات المتعلقة بالتغير المناخي وتعطل سلاسل الإمداد وغيرها إضافة إلى أهمية تدشين محفظة مالية محلية لتحسين بيئة الاستثمار في القطاعات التي تساهم في تحقيق الأمن الغذائي.

إلى ذلك، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك قاسم الحموري رغم وجود جهود حكومية في مضمار الأمن الغذائي إلا أنها تبدو نمطية وغير كافية مقارنة مع إستراتيجية هذا الملف وسعي الأردن لأن يكون مركزا إقليميا للأمن الغذائي.

وأشار الحموري إلى أن الأمن الغذائي لدينا تتهدده تحديات عالمية يعيش العالم أجمع تحت وطأتها وتتمثل بالتغيير المناخي وما ينجم عنه من احتباس حراري وجفاف وفيضانات مدمرة أدت إلى تراجع الإنتاج الغذائي عالميا إلى جانب التحديات الداخلية المتمثلة في كلف الإنتاج الباهضة على قطاعي الزراعة والصناعة وعزوف المؤسسات التمويلية عن تقديم التسهيلات لهذين القطاعين لارتفاع مخاطر الاستثمار فيهما.

ومن أجل تعزيز قدرات الأمن الغذائي الوطنية دعا الحموري إلى أهمية إعادة هيكلة القطاع الزراعي والزراعات غير التقليدية إضافة إلى الاستغلال الأمثل للموارد المحلية التي تدخل في معادلة الإنتاج الغذائي وضرورة تطوير قدرات العاملين في القطاع الزراعي والتصنيع الغذائي وتدشين بنك للطعام للحد من إهدار الأطعمة والاستفادة منها.