نقله نوعية في الاعتماد على الذات خلال ربع قرن

مشهد عام من مدينة عمان-(ارشيفية)
مشهد عام من مدينة عمان-(ارشيفية)

مع تزايد اعتماد الاقتصاد الوطني على الذات وتراجع اتكاليته على المنح والمساعدات بمعدل النصف خلال عقدين، أكد خبراء اقتصاديون أن الرؤية السباقة للملك عبدالله الثاني ودفعه نحو تطوير العملية الاقتصادية وتعزيز الانفتاح الاقتصادي والعلاقات الاقتصادية الأردنية الخارجية، أسهمت في إثراء التجربة الاقتصادية الأردنية وبناء اقتصاد فعال ومنتج.

اضافة اعلان


وأوضح هؤلاء الخبراء، في تصريحات خاصة لـ"الغد"، أن الملك عبدالله الثاني تنبه مبكرا إلى أهمية الانفكاك عن المساعدات والمنح والتقليل من الاعتماد التام عليها، لأنه لا يمكن ضمان استمرار تدفقها بشكل مستدام؛ حيث تخضع للظروف والمتغيرات الإقليمية والجيوساسية، إذ يمكن في مرحلة أن تتقلص وتلحق ضررا بالعملية الاقتصادية واستقرار الاقتصاد الأردني.


وشدد الخبراء على أن رؤية التحديث الاقتصادي التي تم إطلاقها خلال العام 2022، جاءت في إطار تعزيز الاعتماد على الذات وبناء قاعدة اقتصادية قوية، ما يؤكد أن هناك حرصا ملكيا نحو التحول إلى الاعتماد على الذات، مما سيزيد من حجم الفرص الاقتصادية وتخفيض معدلات البطالة وتقليل العجز في الموازنة وزيادة معدلات الاستثمار، بما يسمح بحركية اقتصادية تؤدي الى نتائج تراكمية على مستوى الإنجاز ومستوى تحسين النمو الاقتصادي.


وبغية تعزيز الاعتماد على الذات اقتصاديا، دعا هؤلاء إلى ضرورة العمل على وضع خطط واستراتيجيات مدروسة تفضي إلى خلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وزيادة معدلات النمو الاقتصادي وحجم الاستثمارات الداخلة إليه، إلى جانب ضرورة مراجعة النفقات الحكومية بشكل كامل للتعرف على نواحي الخلل التي لا تؤدي الى عملية اقتصادية أفضل.


ويضاف إلى ذلك وجوب تطوير الأنظمة والتشريعات، بحيث تلعب دورا في تحفيز العملية الاقتصادية وليس كبحها، إلى جانب أهمية مراجعة المنظومة الضريبية.


وفي المنظور التاريخي القريب، أخذ اعتماد الأردن على المنح والمساعدات الخارجية بالتراجع بقوة، مقارنة بالعقود السابقة التي كانت المملكة تعتمد فيها بشكل شبه كامل على المساعدات الخارجية التي ازدهرت بشكل كبير في سبعينيات وجزء من ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ وصلت نسبة المنح والمساعدات من الإيرادات المحلية إلى حوالي 93 % خلال الفترة 1972-1976، وخلال الفترة 1982-1986 بلغت حوالي 39 %، وذلك بحسب ما أظهر كتاب "الانتقال الكبير" الذي أصدره صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، بمناسبة اليوبيل الفضي لتولي الملك عبدالله الثاني الحكم.


ووفق الكتاب، تراجعت نسبة المساعدات والمنح الخارجية إلى الإيرادات المحلية من حوالي 23 % في السنوات الأولى من القرن، إلى حوالي 11 % في السنوات الأخيرة.


وأكد الخبير الاقتصادي حسام عايش، أن عملية التطوير الاقتصادي والانفتاح الاقتصادي، والعلاقات الاقتصادية الأردنية الخارجية الواسعة، بما فيها اتفاقيات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، واتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى التي قادها الملك عبدالله خلال سنوات حكمه، أثرت التجربة الاقتصادية الأردنية وسمحت له بأن يكون اقتصادا فعالا ومنتجا بذاته وأن يخرج من دائرة البدائية.


وأوضح عايش أن البيانات الخاصة بالمنح والمساعدات التي حصل عليها الأردن خلال العقدين الماضيين تظهر تقلصها بصورة كبيرة، ما يعبر في الدرجة الأولى عن تحول الاقتصاد الأردني نحو الاعتماد على الذات.


ولفت عايش إلى أن التوجيه الملكي بإطلاق رؤية التحديث الاقتصادي وما تتضمنه من مشاريع وخطط وإستراتيجيات لقطاعات مختلفة، يؤكد أن هناك حرصا ملكيا نحو التحول إلى الاعتماد على الذات، إذ إن تنفيذها سيزيد من قدرة الاقتصاد الوطني على ذاته وتعزيز موارده الذاتية، كما من المنتظر أن يزيد من  الفرص الاقتصادية التي يخلقها الاقتصاد بقدراته الذاتية؛ حيث إن كل ذلك سيؤدي إلى تخفيض معدلات البطالة أو تقليل العجز في الموازنة وضبط المديونية، بما يسمح بضمان حركية اقتصادية تقود لنتائج تراكمية على مستويي الإنجاز والارتقاء بمعدلات النمو الاقتصادي.


وأشار عايش إلى أن النظرة الملكية الثاقبة اقتصاديا، جعلت الاقتصاد الوطني مرنا وقادرا على تحمل الصدمات واستيعابها، على الرغم من حالات عدم اليقين المتعددة التي عايشها الاقتصاد الأردني خلال العقود الماضية، التي عرفت من الأزمات الكبرى التي شهدها العالم على مدار العقود الماضية، بداية من الحرب الأميركية على العراق، والربيع العربي، وأزمة اللجوء السوري، وجائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وأخيرا العدوان الإسرائيلي على غزة.


وبين أن الأزمات التي شهدها الإقليم كان لها تداعيات على الاقتصاد الوطني، خاصة أزمة اللجوء السوري والتي أثرت بشكل واضح عليه، وأدت إلى خلل في نتائج العملية الاقتصادية على مستوى الإيرادات والنفقات الحكومية، عدا عن المديونية وعجز الموازنة العامة، ما يعني أننا ما نزال بحاجة الى المنح والمساعدات لمعالجة هذه الاختلالات.


وبقصد تعزيز الاعتماد على الذات اقتصاديا، طالب عايش بضرورة مراجعة النفقات الحكومية بشكل كامل، للتعرف على نواحي الخلل التي لا تؤدي الى عملية اقتصادية أفضل، إضافة إلى ضرورة تطوير النفقات لكي تلعب دورا إيجابيا في العملية الاقتصادية، عوضا عن أن يكون دورها تقليديا أو تجميليا للموازنات الحكومية. 


ويضاف إلى ذلك وجوب تطوير الأنظمة والتشريعات، بحيث تلعب دورا في تحفيز العملية الاقتصادية وليس كبحها، إلى جانب أهمية مراجعة المنظومة الضريبية لكي تلعب دورا إيجابيا في دفع العملية الاقتصادية، إلى جانب تغيير سلم الأولويات الاقتصادية بالتركيز على المشاريع ذات العائد الاجتماعي الذي يشعر الناس بنتائجه ويدفعهم للمشاركة أكثر في العملية الاقتصادية.


بدوره، قال الخبير الاقتصادي ماهر المدادحة، إن جلالة الملك تنبه مبكرا إلى أهمية الانفكاك عن المساعدات والمنح والتقليل من الاعتماد التام عليها، لأنه لا يمكن ضمان استمرار تدفقها بشكل مستدام؛ حيث إنها تخضع للظروف والمتغيرات الإقليمية والجيوساسية، إذ يمكن في مرحلة أن تتقلص وتلحق الضرر بالعملية الاقتصادية.


وأكد المدادحة أن رؤية التحديث الاقتصادي التي أطلقها الملك عبدالله الثاني في العام 2022، جاءت في هذا الإطار، وهي تؤكد أن هناك رؤية ملكية لتعزيز الاعتماد على الذات، وبناء قاعدة اقتصادية محلية وتعزيز الموارد الذاتية للاقتصاد الوطني واستدامتها وجعل الاقتصاد الأردني خلاقا ومنتجا.


ويرى أن تسريع عملية الانتقال بالاقتصاد الوطني من حالة الاتكالية إلى الاعتماد على الذات، يستدعي العمل على وضع خطط واستراتيجيات مدروسة تفضي إلى خلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وزيادة معدلات النمو الاقتصادي وحجم الاستثمارات الداخلة إليه.


إلى ذلك، قال الخبير الاقتصادي موسى الساكت، إن لجلالة الملك رؤية سباقة تستشرف المستقبل وما قد يحمله من تطورات ومتغيرات، ما دفع جلالته في وقت مبكر إلى التفكير في إيجاد نهج اقتصادي وطني مستدام، وتوفير البيئة المناسبة للنماء الاقتصاد الوطني وفتح آفاق أمام قطاعاته المختلفة وبناء قدراتها، حيث وجه جلالته إلى التوسع في الانفتاح الاقتصادي، وتطوير التشريعات الناظمة للعملية الاقتصادية والضامنة لاستقطاب الاستثمارات، حيث إن كل ما سبق مكن الاقتصاد الأردني من التحرر من الاعتماد الكلي على المساعدات والمنح.


وأضاف الساكت، أن تفكير جلالة الملك منصب دائما على تحسين ظروف معيشة المواطنين، وأن يكون الأردن أفضل على الأصعدة كافة؛ حيث أدرك أن تحقيق ذلك يتطلب وجود اقتصاد مستدام ومتنام نابع من عملية اقتصادية حقيقية بعيدا عن أي تأثيرات أو صدامات للأزمات والكوارث.


وأشار الساكت إلى أن اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة التي دفع جلالة الملك إلى توقيعها وغيرها من الاتفاقيات التجارية، إضافة إلى تدشين صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، والتوسع في إقامة المدن الصناعية في مختلف محافظات المملكة، إضافة إلى الارتقاء بمنظومة السياحة في المملكة وغيرها من الإصلاحات، كلها تدلل على وجود رؤية ملكية مبكرة لتعزيز الاعتماد على الذات وبناء اقتصاد وطني منتج.


وأكد الساكت أن قيادة الاقتصاد الوطني إلى مرحلة الاعتماد على الذات بشكل كلي والبناء على الجهود الملكية التي بذلت في هذا الشأن، تتطلب العمل على تسريع وتيرة تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، إضافة إلى زيادة حجم النفقات الرأسمالية، حيث إن ذلك سيسهم في زيادة معدلات النمو الاقتصادي وتحسين مؤشرات الاقتصاد الوطني بما يمكننا من الاعتماد على الذات اقتصاديا.

 

اقرأ المزيد : 

الإيرادات والنفقات.. متى نعود للاعتماد على الذات 100 %