"الصناعة": لا يمكن الحديث الآن عن الأسعار بعد رمضان

هل نشهد ارتفاعا لأسعار السلع بعد رمضان؟

1708262887849060600
متسوقون في منطقة وسط البلد - (أرشيفية)

أثار تلميح حكومي بأن الأسعار سترتفع بعد شهر رمضان، مخاوف مواطنين من أن ذلك يعطي ضوءا أخضر للتجار بفرض زيادات على السلع.


يأتي ذلك في ضوء التحذير الحكومي من الأثر التضخمي المحتمل على الأردن بسبب الارتفاعات الكبيرة في كُلف الشحن والتأمين، والتي يعكسها عادة التجار في إطارٍ "مشروع" على أسعار البضائع، على حد قولها.

اضافة اعلان


ولم يغب عن بال الأردنيين، أن زيادة الأسعار ستأتي في "فترة حرجة"، بعد شهر من الولائم والالتزامات الاجتماعية المنتهية بعيد الفطر ونفقاته، وتزامُن ذلك كله مع مصاريف المدارس والجامعات.


فضلا عن ارتفاع الأسعار "أصلا" في شهر رمضان من كل عام، وهو ما تفرضه طبيعة السوق وزيادة الطلب على السلع الرمضانية. وما يفاقم قلق الأردنيين، اقتران رفع الأسعار المتوقع باستمرار حرب الإبادة في قطاع غزة وتداعياتها الإقليمية، لا سيما وأن المؤشرات الحالية تقول إن الحرب مستمرة لفترة ليست بوجيزة.


وأدت الحرب على غزة وأحداث البحر الأحمر إلى ارتفاع كلف شاحنات النقل ارتفاعا مطردا بواقع (170-160%)  للشاحنات القادمة من جنوب شرق آسيا، و(60-%100) للشاحنات والكونتينرات الواردة من أميركا الشمالية وأوروبا، كما زادت رسوم تأمين البضائع المستوردة، وفق ما أعلنت الحكومة.


وكانت الحكومة اتخذت عددا من الإجراءات للتعامل مع الضغوط التضخمية المحتملة لتداعيات الحرب على غزة واضطرابات البحر الأحمر ومضيق باب المندب واستعدادا لرمضان، وذلك للفترة ما قبل وخلال الشهر الفضيل.


وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن دور الحكومة لا يقتصر على مرحلة شهر رمضان بل يجب أن يكون ممتدا على المدى البعيد. وأضاف لـ"الغد"، أن ما افترضته الحكومة من ضمان لاستقرار الأسعار حتى نهاية رمضان يعني أن الأسعار سوف ترتفع والأعباء والكلف المعيشية ستزيد على المواطنين.


وكان الخصاونة وجه "المؤسسة الاستهلاكية المدنية بتوفير مخزون وافر وكافٍ لكل المواد الأساسية، وأن تحافظ على أسعار هذه المواد الأساسية حتى نهاية شهر رمضان المبارك -على الأقل- بصرف النظر عن ما قد نتحمله من كُلف مرتبطة بذلك، سواء في المؤسسة الاستهلاكية المدنية أو العسكرية".


وتساءل الخبير الاقتصادي: "ماذا ستفعل الحكومة؟ هل ستجعل الأمور تذهب إلى هذه الخيارات؟".


وأكد أن "الحكومة لها مصلحة في رفع الأسعار؛ لأنها تأخذ نسبة من سعر السلعة (ضريبة مبيعات)؛ على سبيل المثال إذا كانت الضريبة على السلعة 16 % فإن للحكومة 16 % من السعر الذي بيعت به السلعة؛ لذلك فإن الحكومة وكأنها تتغاضى وتقول إنها ستدعم المواطن المحتاج وليس السلعة".

 

ورأى عايش أن قول الحكومة "سندعم المواطن المحتاج وليس السلعة" فيه إشارة لهذه السلعة بأن تتحرك في السوق بالسعر الذي يراه التاجر مناسبا، وأن الحكومة ليست لها ضوابط على الأسعار.


وكان الخصاونة صرح أن الحكومة لا تملك نوافذ تمويلية في سياق التزاماتها وقدراتها المالية والسياسة العامة للدولة التي لا تقدم دعومات عامة، بل تقدم دعما باتجاه المواطن المحتاج وليس دعما للسلع منذ أن انتقلت إلى تبني منهجية اقتصاد السوق والإصلاحات الهيكلية.
أما المختص بالاقتصاد السياسي زيان زوانة، فقال لـ"الغد" إن هذا النوع من الدعم "نراه في رفع الحكومة لمخصصات الدعم المجتمعي في ميزانية العام 2024، حيث تقدم الدعم للأسر الفقيرة من خلال صندوق التنمية والتشغيل وغيره من القنوات، وبذلك فإنها غير معنية مثلا بتخفيض الضريبة المباشرة على مجموعة سلع معينة".


كما أيد المحلل الاقتصادي الدكتور سامح العجلوني في حديثه لـ"الغد" هذا التوجه الحكومي؛ لأن فيه إفادة لفئة معينة وهم المحتاجون فعلا للدعم، أما في حال دعم السلعة فسيستفيد منها المستحق وغيره.


وردا على ذلك، قال الناطق الإعلامي باسم وزارة الصناعة والتجارة والتموين ينال البرماوي إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في الوقت الراهن للتعامل مع الضغوط التضخمية المحتملة أدت إلى استقرار أسعار المواد التموينية.


وأضاف البرماوي لـ"الغد": "أدت الإجراءات إلى استقرار أسعار الأغذية في المؤسستين الاستهلاكيتين المدنية والعسكرية وتثبيتها حتى نهاية رمضان".


وفيما يتعلق بمدى احتمالية ارتفاع الأسعار بعد رمضان، أوضح أنه ضمن المؤشرات الحالية، هناك استقرار في الأسعار، والإجراءات الحكومية ساهمت في الحد من ارتفاع كلف الشحن وعكس ذلك على أسعار السلع التموينية، لافتا إلى أنه "لا يمكن الحديث الآن عن الأسعار بعد رمضان؛ نظرا للأوضاع المحيطة والظروف الإقليمية المتغيرة".


وحول وجود مصلحة للحكومة برفع الأسعار، أكد البرماوي أن "هذا الكلام غير واقعي ولا يمت للحقيقة بصلة، بل إن الحكومة معنية بالحفاظ على استقرار الأسعار وعدم ترتيب أي أعباء إضافية على كاهل المواطن".


وأشار إلى أن جملة الإجراءات الحكومية أدت إلى انخفاضات كبيرة في أسعار العديد من السلع، وبواقع 500 سلعة في المؤسستين الاستهلاكيتين المدنية والعسكرية.


أقلية تؤثر على الأكثرية


وشدد عايش على ضرورة أن تتدخل الحكومة في ظل ظروف استثنائية كهذه، علما أنها في كل معضلة مشابهة، تعزو ارتفاع الأسعار لـ"الأقلية" من التجار، لكن هذه الفئة تؤثر على الأكثرية والجميع يشعر بنتائج زيادة الأسعار.


أما العجلوني، فرأى أنه لا يمكن القول إن الحكومة أعطت ضوءا أخضر للتجار ليرفعوا الأسعار، وإنما في حال لم تتدخل الحكومة بعد رمضان فستتدخل قوى السوق (العرض والطلب)، وفي النهاية يتحقق السعر التوازني بناء على قوى العرض والطلب، وجزء كبير يحكم القوة الأولى، وهو ما يتعلق بالتكاليف؛ لذا فإن الأسعار غالبا في حالة تزايد.


وأوضح أن الحكومة يمكنها ضبط الأسعار، لكن هذا له كلفة ويتطلب مبالغ طائلة من الخزينة؛ لأنه سيرتب شكلا من أشكال زيادة العجز في الموازنة عندما ترفع مخصصات شبكات الدعم السلعي، وإذا بقيت الحكومة مسيطرة على الأسعار منخفضة فهو يعني كلفة متزايدة وضغطا على الموازنة، وهذا له آثار لا تُحمد عُقباها.


فكرة جيدة


وحول الممرات الجديدة التي تحدثت عنها الحكومة، قال عايش إنه في حال إيجاد هذه الممرات البعيدة عن باب المندب، يُفترض أن الكلف إذا ارتفعت فسترتفع بنسب طفيفة والأسعار تبقى بمستوياتها الطبيعية.


وأضاف: "الواضح من تفسير مرحلة ما بعد رمضان، أن الأسعار سترتفع بشكل جوهري، فما فائدة الممرات البديلة إذا كانت النتيجة ارتفاع الأسعار في الأسواق؟".


أما العجلوني، فوصف المسارات الجديدة بأنها "فكرة جيدة"، لكن قابليتها للتطبيق قد تكون متدنية وفيها صعوبة، ومن غير المعروف فيما إذا كان هذا التوجه يقلل الكلف أم لا.


أدوات حكومية


وقال عايش إن عوامل ارتفاع الأسعار موجودة، خصوصا ما يحدث في باب المندب وتأثيره على كلف الشحن وسلاسل الإمداد وكلف التأمين التي ترفعها شركات الشحن، لكن للحكومة أدوات ووسائل داخلية ومحلية لمواجهة الارتفاع المتوقع في الأسعار.


وتابع عايش: على الحكومة أن تستمر بتخفيض الرسوم الجمركية ولا توقف ذلك بانتهاء الشهر الفضيل، ولا بد من مراجعة -ولو انتقائية- لضريبة المبيعات على سلع غذائية أساسية يشتريها محدودو الدخل، بحيث يتم تخفيض الضريبة عليها ولو بشكل مؤقت.


وشدد على ضرورة أن تكون للحكومة الإمكانية الحقيقية والفعلية لضبط الأسواق وحالة الفوضى في الأسعار، بحيث يكون هناك رادع فوري وحقيقي لمن يتاجر بأسعار خارج السياق المفروض.


العجلوني رأى أن الحكومة تحاول أن تجد حلولا وتدعم المواطن، وهذا يُحسب لها، خصوصا في ضوء الأوضاع الحالية في غزة والبحر الأحمر، والحرب الروسية الأوكرانية -على الرغم من أننا لم نلمس انعكاساتها كثيرا بقدر الأحداث في غزة، وتكاليف الشحن بسبب المشاكل في النقل البحري كردود فعل على إجراءات الحوثيين في اليمن.


ووافقه الرأي زوانة، الذي قال "إن إجراءات الحكومة جيدة حتى الآن، وتساهم في استقرار الأسعار بشكل معقول، علما أن عوامل رفع الأسعار ما تزال مستمرة باستمرار عدوان الكيان المحتل على أهلنا في غزة والضفة الغربية؛ أي أن العوامل خارجية وقدرة الحكومة في التأثير عليها غير موجودة؛ مثلها مثل حكومات بقية العالم".


وأضاف: "من المبكر الآن القفز لما يمكن أن تكون عليه الأسواق بعد رمضان؛ وذلك لديناميكية الأحداث، سواء ما يتعلق بعدوان الكيان المحتل (استمراره أو توقفه أو إنهاؤه)، وكيف ستتحرك الديناميكية في البحر الأحمر أو الضفة الغربية تبعا لذلك، والتداعيات على الجبهة الفلسطينية اللبنانية".


وهدفت الإجراءات الحكومية الأخيرة إلى المحافظة على المخزون الغذائي وانتظام سلال التوريد وضمان استقرار الأسعار وضبط السوق، وبخاصة قبل وخلال شهر رمضان المبارك واحتواء الضغوط التضخمية.

 

وشملت أبرز تلك الإجراءات وضع سقوف لأسعار الحاويات لغايات تخمين واحتساب الرسوم الجمركية لتخفيض التكاليف، بناء على طلب القطاع الخاص بما يبقيها على ما كانت عليه قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وتسريع إجراءات التخليص على السلع، خصوصا الغذائية.


كما أوعزت الحكومة للمؤسستين الاستهلاكيتين المدنية والعسكرية بتعزيز المخزون الغذائي من مختلف السلع وتثبيت أسعارها في أسواقهما لنهاية شهر رمضان.


كما قررت منع تصدير سلع غذائية أساسية؛ مثل السكر والأرز والزيوت النباتية للمحافظة على المخزون والتحوط على الكميات اللازمة للسوق المحلي، ووقف العمل ببعض الاشتراطات الإجرائية لاستيراد سلع غذائية لديمومتها في السوق المحلي؛ مثل اللحوم.


هوامش ربح

 

عايش دعا الحكومة إلى ضبط الأسعار وليس تحديدها، بمعنى وضع نسبة ربح للتجار بمعدل (10-15 %) فقط، في ضوء الظروف الحالية.


وفي السياق ذاته، أعرب العجلوني عن أمله بألا يكون "الجشع أو الاستغلال" الذي قد يلجأ له بعض التجار شعار المرحلة المقبلة، داعيا التجار إلى الشعور مع المواطنين والاكتفاء بهوامش الربح القليلة، خصوصا في هذه الأوضاع.


كما دعا عايش الحكومة إلى توجيه المستهلكين وزيادة وعيهم بأسعار المواد الأساسية التي يحتاجونها بكثرة، بحيث تعمل الحكومة على ترميز السلع وتعلن سعر كل سلعة ونسبة ضريبة المبيعات عليها، على أن يتم نشر هذه اللوائح في الأسواق أمام المستهلكين.


الزراعة أولا


من جانبه، شدد زوانة على ضرورة إسراع الحكومة في تنفيذ وتسهيل استراتيجية الأمن الغذائي؛ لأثرها على استقرار الأسعار داخليا، والحد من عوامل رفع السلع المستوردة من الخارج، خصوصا وأننا نملك مقومات حقيقية داعمة لتحقيق هذا الأمن؛ بالتركيز على قطاع الزراعة والصناعة الزراعية والغذائية.


وأضاف المختص بالاقتصاد السياسي أن ذلك يسهم في تعميق مفهوم الأمن بشموليته، إضافة لما يحققه من إمكانيات التصدير والحد من المستوردات، وتمكين القطاعين العام والخاص من تفعيل شراكتهما في خلق المزيد من فرص التشغيل، إذ إن البطالة تحدّ رئيس مقلق.


وفي هذا الصدد، دعا العجلوني المواطنين إلى عدم التخلي عن الزراعة؛ لا سيما وأن تحقيق الأمن الغذائي يخفف من تداعيات التضخم على المجتمع.


يشار إلى أن الأردن في المركز الـ6 عربيا و74 عالميا على مؤشر الأمن الغذائي للعام 2022، الذي نشرته مجلة "الإيكونوميست".

 

اقرأ المزيد : 

"المدنية" تخفض أسعار 500 سلعة