"يا ليتني ادخرت".. عبارة لا فائدة منها بعد فوات الأوان

1713707292573105900
تعبيرية عن الادخار

"اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب".. تحت مظلة هذا المثل المتوارث يميل كثير من الشباب الأردنيين إلى الإفراط في الاستهلاك حد الإسراف، من دون حكمة أو نظرة مستقبلية لادخار بعض من المال، إما لحفظه "لعثرات الزمن" أو استثماره لمشروع مستقبلي يدر الدخل.

اضافة اعلان


وربما تغشى "نشوة الشباب"، أعينهم في مقتبل العمر، فهم لا يرون في معظم الأحيان إلا أن يعيشوا لحظتهم من دون تفكير في المستقبل، كيف لا؟ وكل ما حولهم من ثقافات غربية سطحية مستوردة تشجعهم على ثلاثة أمور، الاستهلاك ثم الاستهلاك ثم الاستهلاك.


ورغم أن الإنفاق مستحب وأقرب للفطرة البشرية لدوام استمرار دوران عجلة الحياة وفتح أبواب الرزق، إلا أن بسط اليد كل البسط، يؤدي بصاحبها إلى نفق مسدود يتربص الفقر في نهايته.


وفي أغلب الأحيان، بعد مضي السنوات يستيقظ الشباب على هول ما اقترفوه من توسع في الإنفاق من دون إدراك، وحال بعضهم يقول "يا ليتني كنت فهمت.. يا ليتني كنت أفكر.. يا ليتني ادخرت".


وثمة إحصائيات رسمية تشير، إلى تراجع نسبة البالغين الذين يدخرون أموالهم بشكل رسمي في حساب من 9.35 % سجلت في العام 2017 إلى 4.35 % سجلت في العام 2022.


كما أن نسبة الأردنيين "15 سنة فأكثر"، والذين شملتهم الدراسة، ادخروا المال بأي شكل من الأشكال في الأردن ناهزت 14.7 % في العام 2022.


الشاب محمد البشير يقول: "أعمل منذ نحو 6 سنوات.. لم أنجح خلالها في ادخار أي مبلغ من دخلي بعد، ولم أخط بعد تجاه أي حياة مستقبلية كالزواج والسكن".


ويضيف محمد الذي عاش 26 ربيعا، "كان كامل الدخل في السنوات الماضية يذهب للمصروف الشخصي الخاص من النفقات اليومية التي تتضاعف من يوم لآخر" واستدرك كنت مفرطا إلى حد ما في مواكبة الموضة واقتناء الهواتف الذكية واستبدالها والخروج اليومي للتسوق والترفيه".


وواصل محمد: "في نهاية العام الماضي فكرت في الزواج، إلا أنني لم أجد في جيبي ما يمكنني من ذلك، لأستيقظ على حجم المشكلة التي أواجهها، وأهمية الادخار للمستقبل "ثم شققت لنفسي بعد ذلك مسارا استهلاكيا مختلفا وبات نحو ربع دخلي يذهب للادخار".


الثلاثيني عمر آل خليل بدوره يقول: "أواجه صعوبة في الادخار منذ أن بدأت أعمل قبل قرابة 9 سنوات، ذلك لصعوبة الظروف المعيشية وتنامي حجم التكاليف الحياتية ومساعدتي لأهلي".


محمد وعمر، مثالان من آلاف الشباب الذين يعيشون في بلد ارتفع فيه التضخم بنسبة 2.08 % خلال العام الماضي، وعانى بطالة تبلغ 22.4 % خلال العام ذاته.


وتابع عمر الذي يعمل مدرسا، أنه لم يكن يعير أي أهمية للادخار أو يفكر في ذلك في بداية سنوات عمله، إذ كان الهدف دائما هو الإيفاء بالمصاريف الشخصية ومساندة العائلة ماليا.


ويضيف: "في لحظة تأمل بالمستقبل بعد 4 سنوات من العمل، اتضح لي أنني متأخر في التخطيط له، واتجهت إلى الادخار حتى تمكنت خلال 3 أعوام من القيام بالخطوة المستقبلية الأولى، وتمثلت في إتمامي مرحلة الماجستير".


وواصل المدرس عمر، "على الرغم من تعقيد الأوضاع المعيشية مؤخرا، إلا أنني ما أزال حريصا على الادخار، خاصة وأنني قطعت شوطا طويلا في رحلة عمري ما يستوجب البحث عن الاستقرار والتخطيط للزواج".


أما الشابة نهى علي فتقول: "ارتفاع الأسعار وتعاظم المتطلبات الحياتية اليومية سواء لي أو لعائلتي، لا يسمح لي بممارسة ثقافة الادخار على الأقل في الوقت الحالي". 


وتضيف نهى التي تحمل شهادة البكالوريوس في الأعمال: "بعد موقع سكني خارج العاصمة عمان عن موقع عملي دفعني في ظل أزمة المواصلات العامة وظروفها، إلى اللجوء للبنوك للحصول على تمويل شراء سيارة تقلني إلى دوامي اليومي".


وقالت: "هذه الخطوة بددت أي فرصة للادخار".


إلى ذلك، يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك قاسم الحموري: "تراجع ميل الشباب والمواطنين عن الادخار، مرده إلى تعاظم الكلفة المعيشية وتآكل الأجور التي لم يطرأ عليها أي زيادة منذ سنوات طويلة، فدخل قطاع واسع من المواطنين، يكاد بصعوبة بالغة أن يغطي احتياجاتهم ومتطلباتهم المعيشية".


وأضاف الحموري "الحالة الاقتصادية الصعبة للمواطنين، تكرس قناعة لدى كثير من الشباب عن عدم قدرتهم على تحقيق أهدافهم من خلال الادخار كالزواج أو شراء مسكن وغيره، أدى إلى ردة فعل عكسية لدى الشباب تجاه الإسراف والحرص على عيش اللحظة واستبعاد المستقبل من المخططات".


كما عزا الحموري تقلص ثقافة الادخار، إلى التحولات الحياتية التي طرأت على المجتمع خلال العقد الأخير من انتشار الأجهزة الإلكترونية كالهواتف الذكية، فضلا عن التجارة الالكترونية، وتنامي ظاهرة الخروج إلى المطاعم والمقاهي بصورة كبيرة، إذ إن كل ذلك انعكس على النمط الاستهلاكي خاصة لدى الفئات الشابة وأن هذه الفئات أكثر ميلا لإرضاء رغباتها الاستهلاكية على حساب الادخار، مقارنة مع بقية فئات المجتمع.  


ولفت الحموري، إلى أن الواقع اليوم معاكس للموروث الشعبي الذي يحث دائما على التوفير والادخار "خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود"، الذي كان يتردد بين الناس، حيث إن ثقافة الادخار كانت حاضرة ومكرسة بصورة جيدة في المجتمع.


وبقصد تشجيع الشباب على اكتساب ثقافة الادخار دعا الحموري، إلى ضرورة ممارسة هذه الثقافة من خلال الحرص على الالتزام بادخار أي مبلغ شهريا مهما كان بسيطا على أن لا يقل عن 25 دينارا، إضافة إلى ضرورة اكتساب مهارة الترشيد الاستهلاكي والابتعاد عن محفزات التسوق الإلكتروني، إلى جانب ذلك، دعا الحكومة إلى وجوب تخفيض ضريبة المبيعات التي تعد مرتفعة بهدف تخفيف حدة الظروف المعيشية على الأسر والأفراد بما يمكنهم من تحسين ظروفهم، والسماح لهم بادخار شيء بسيط من دخلهم للحالات الطارئة على الأقل.

 

اقرأ المزيد : 

ميزانيات الأسر.. صعوبة الادخار تفاقم المعضلة في المناسبات