آلام غزة "تطفئ" احتفالات الميلاد وصلوات الكنائس تتجه نحو الدعاء

جانب من شجرة الميلاد في كنيسة تلاع العلي - (من المصدر)
جانب من شجرة الميلاد في كنيسة تلاع العلي - (من المصدر)

 على غير عادته، جاء عيد الميلاد المجيد لهذا العام بلا زينة ولا إضاءات، وغابت شجرة الميلاد المزينة عن الكنائس والشوارع، وخيم الصمت على مدن وشوارع الأردن كما هو الحال في دولة فلسطين ومدنها.

اضافة اعلان


الصمت بدا واضحا على الشوارع التي لم تتم إضاءتها بإنارة العيد ولم تتزين طرقاتها بالشجر والنجوم كعادتها، كذلك الحال في بيوت المسيحيين الذين قرروا الاحتفال بصمت في عيد الميلاد المجيد تضامنا مع أسر الشهداء والمفقودين في غزة وحزنا على شهدائها.


غابت شجرة الفحيص الضخمة التي كانت تضاء في كل عام احتفالا ببدء عيد المولد المسيح، ورافقها كذلك غياب الزينة على شرفات البيوت وأبواب المحلات التجارية وأرصفة الشوارع، وكذلك الحال في السلط ومادبا وعجلون والكرك وغيرها من المدن الأردنية.


في مدينة السلط، خلت شرفة أبو جريس غموه من شجرة الميلاد الكبيرة التي اعتاد عليها أهل الحي في ليالي الميلاد في كل عام، وتم استبدالها برفع علم فلسطين نصرة لأهل غزة وتضامنا معها.


واستجابة لقرار مجلس الكنائس، ولأن الأرنيين والفلسطينيين جسد واحد، كما يقول أبوجريس، اقتصر احتفاله وأسرته الممتدة في هذا العيد على إقامة الصلوات والطقوس الكنسية احتراما للضحايا البريئة في غزة وعموم فلسطين وصلة الأرحام والتضرع إلى الله أن ينصر أهل غزة ويحميهم وأن يعم السلام وتتوقف الدماء.


وفي خطوة استثنائية، قررت الجدة حنا حداد وأحفادها أن يستبدلوا هدايا الميلاد التي اعتادوا شراءها كل عيد، بجمع النقود والتبرع بها لأطفال غزة لشراء طعام وملابس تقيهم برد الشتاء.


لسان حال أبناء الطوائف المسيحية في الأردن في ليالي الميلاد، تتلخص بأنه لا يمكن الاحتفال والفرح وإخوتهم في غزة يستشهدون ويقصفون ويشردون من بيوتهم، مستذكرين جوهر الميلاد وتعاليمه السماوية التي تدعو للمحبة والسلام والشعور مع الآخرين ومساعدة المحتاج. "بينما ترتكب الإبادة الجماعية ضد أهالي غزة.. لا يمكننا الاحتفال بميلاد يسوع المسيح هذا العام بأي شكل من الأشكال. لا نشعر بالرغبة في الاحتفال".


وفي كنيسة قلب يسوع في تلاع العلي بالعاصمة عمان، كان نشيد "موطني" حاضرا قرب شجرة الميلاد المزينة بأعلام وكوفيات فلسطينية وأردنية.


وفي كنيسة المهد في بيت لحم التاريخية بالضفة الغربية زينة مختلفة هذا العام لعيد الميلاد، باستخدام الأنقاض بدلا من شجرة عيد الميلاد، استنكارا للهجمات الإسرائيلية على غزة.


وبدلا من تزيين شجرة عيد الميلاد هذا العام، اختارت الكنيسة زخرفة مصنوعة من الأنقاض ترمز إلى الدمار في غزة.


وتتضمن الزخرفة كومة مكونة من قطع خرسانية حول غصن زيتون، وفي وسط هذه الكومة توضع لعبة على هيئة طفل، لاستحضار مشهد طفل رضيع عالق تحت الأنقاض، وحول هذا الحطام تم ترتيب أغصان الأشجار المكسورة والأيقونات المختلفة والشموع.


ويظهر المشهد من كنيسة عيد الميلاد الإنجيلية اللوثرية دمية طفل ملفوفة بالكوفية الفلسطينية التقليدية وموضوعة بين الحطام والركام، حيث ترمز الكوفية إلى الهوية الفلسطينية والتاريخ والنضال، بينما تمثل الأنقاض الدمار في غزة.


من جهته، قرر مجلس الكنائس في الأردن وفلسطين بأن النشاطات التي تقام في الكنائس خلال العيد سيكون ريعها لصالح قطاع غزة وأهلها بحسب الأصول المعمول بها، وحثت بدورها الجميع للمبادرة بالتبرع من خلال القنوات الرسمية التي وفرتها بعض الكنائس للغرض ذاته.


وقال المجلس "جاء هذا القرار في ظل الظروف التي يمر بها الأهل في قطاع غزة وما يتعرضون له من عدوان إسرائيلي غاشم، وتعبيرا عن معاني التلاحم الوطني، داعيا الله إلى أن يجعل الأردن آمنا مطمئنا بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمين".


يطل الميلاد في هذا العام كما كل عام لأنه عيد يستذكر مولد السيد المسيح في مغارة بيت لحم ومن ثم كل الأحداث التي واكبت ذلك، وفق مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام الأب رفعت بدر الناطق باسم الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة.


أمام الصورة البراقة لجوهر عيد الميلاد، هناك صورة مؤلمة في أحداث الميلاد، بحسب بدر، وهي قيام هيروديس بقتل أطفال بيت لحم خوفا على كرسيه وعلى مملكته، ولذلك شرد العديد، ومنهم العائلة المقدسة اليسوع والسيدة مريم ويوسف، وأثناء هروبهم إلى مصر مرت من غزة وهناك استذكار لإقامة العائلة المقدسة في غزة أثناء تشردها.


ولليوم، هناك كنيسة تسمى كنيسة العائلة المقدسة في غزة، واليوم فيها أكثر من 700 نازح.


ويقول بدر "في هذه الظروف، يحتفل أبناء الطوائف المسيحية في الأردن بميلاد المسيح، والدعاء بأن ينتهي العدوان على غزة وأن يشعر الأطفال والنساء والمشردون بالأمان"، لافتا إلى أنه والتزاما بما اختاره به مجلس الكنائس في فلسطين والأردن، فإن احتفالات العيد تقتصر على الشعائر الدينية، وهذا هو جوهر العيد الأساسي.


ويشير بدر إلى أن العيد ليس تجاريا وليس زينة وبابا نويل ولا يقتصر على احتفالات بإضاءة الشجر في الشوارع، العيد هو احتفلات روحانية وشعائر دينية، لذلك يجد المؤمنون أنفسهم في هذه الأيام في كل من الأردن وفلسطين يعيشون الحدث بعمقة وأصالته وجوهره وبجذوره والصلاة من أجل السلام والعائلات المهجرة وكل من تشرد عن بيته بسبب العدوان الصارخ الذي ما يزال يضرب غزة وكذلك في عدد من المدن والقرى الفلسطينية.


ويقول بدر "نصلي إلى الله في هذا العيد لكي تصمت آلة الدمار والحرب والاحتلال ولكي ينبت من أرض السلام، السلام الذي تشتهيه الشعوب وتصلي من أجله ملايين البشر في هذه الأيام الميلادية لكي يأتي عيد الميلاد حاملا بشرى انتهاء العدوان وولادة سلام جديد للأرض المقدسة التي عاش بها السيد المسيح ولد في بيت لحم وهجر إلى غزة".