الأسرى الأطفال يختبرون انتهاكات جسيمة من الإذلال والتعذيب

أسرى سجون الاحتلال.. عالم مخفي في أوجاعه وصرخاته غير المسموعة

أرشيفية
أرشيفية

"أسرى السجون الإسرائلية"، ذلك العالم الكبير والمخفي في آلامه وأوجاعه وصرخاته غير المسموعة، عاد للواجهة من جديد منذ بدء الحرب الشرسة والدامية على قطاع غزة. عيون الأسرى المحررين خلال الأيام الماضية كانت تسرد الكثير من التفاصيل المرعبة التي عاشوها داخل السجون وما يزال يعانيها الآلاف من ظلم وتعذيب بعيدا عن أعين العالم، أو حتى كلمة مواساة من أقرب الناس إليهم.

اضافة اعلان


ومنذ بداية الأحداث وعداد الأسرى في تزايد كبير للغاية، فمنذ السابع من أكتوبر وبدء عملية "طوفان الأقصى"، تضاعفت شراسة الاحتلال الصهيوني باعتقال آلاف من الأسرى الجدد، وفي كل لحظة يتزايد العدد من نساء ورجال وأطفال ويافعين، يقبعون خلف الأسوار المظلمة.


الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، الذين ظهرت شهاداتهم بعد تحريرهم وفق صفقة التبادل بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال، عدد كبير منهم أسماؤهم شبه منسية، ولا يذكرها إلا بعض من الأهل والأحباب، في وقت يعانون فيه أصعب الظروف غير الإنسانية.


الشعب الفلسطيني عانى من إجرام الأسر والسجون منذ بدايات الاحتلال الإسرائيلي، حتى باتت الأمثال الشعبية تواسي الأهل بالأمل بالفرج القريب وفك قيود الأسر، كتلك السيدة التي تواسي ابنها عند زيارته بين الحين والآخر "يما ما غايب إلا غايب اللحود"، و"الغريب بروح بس بده طولة روح"، ولكن طالت عقود الاحتلال وعدد الأسرى يزداد يوماً بعد آخر، وما يحدث الآن بعد طوفان الأقصى، هو أكبر دليل على شراسة الاعتداء واللجوء للأسر، في محاولة لكسر شوكة الشعب الذي لا يقهر.


أحكام خيالية لم تسجل في تاريخ الأسر، فهل يعقل أن يحكم على أحدهم بالسجن ما يزيد على 52 مؤبدا أو 20 مؤبدا، ولكن في سجون الاحتلال، كل شيء وارد، بل قد ينتهي المطاف ببعضهم من السجن إلى القبر.


وعلى سبيل المثال لا الحصر، يسمى الأسير نائل البرغوثي بعميد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ووفق موسوعة غينيس للعام 2009 يعد أقدم أسير في العالم، وأنهى من مدة حكمه 44 عاماً في السجون، وما يزال قيد الأسر، فيما حكم على الأسير عبد الله البرغوثي بالسجن 67 مؤبدا و5200 عام، وهي أرقام خيالية لا يتقبلها العقل البشري، كونها تنفي خروجه من السجن مهما طال عمره.


يطلق عليه الاحتلال "اعتقالا"، ولكنه في حقيقة الأمر موت مؤجل أحياناً، لا يأبه به السجان بحياة المسجون، يعيش أصعب الأيام وكأن اليوم مقداره ألف سنة من العذاب، وخاصة ممن يعانون من هول العزل الانفرادي، الذي يتحدث عنه المحررون بأنه أقسى ما يمكن أن يواجه الأسير، يغيب عنه تعاقب الليل والنهار، والهمسات وأحاديث أصحاب السجن، وإن فعلا تحرر، فإنه يعود لعائلته مثقلاً بالأوجاع والآلام، وربما "حي الجسد وميت الروح".


وفي المقابل، قد يكون هناك أسرى يعودون للحياة بقوة، وبكل شغف واستعداد لاستغلال كل يوم في الحرية، مقابل ساعات وسنوات الأسر تحت وطأة الاحتلال، وهو ما لمسه المتابعون لأحاديث الأسرى المحررين خلال الفترة الماضية، وبخاصة الأطفال منهم، الذين عادوا ببراءة لكنها شبه موؤودة، تبحث عما تبقى من الحياة.


هم ليسوا أرقاما تزداد وتنقص، وإنما تفاصيل حياة، تسلطت الأضواء عليهم مؤخراً بعد صفقات التبادل، ولكن كان اللافت فيها الأطفال، شهادتهم المرتجفة المرعبة يتحدثون عن أطفال آخرين وقاصرات في السجون يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب، فهل بالفعل هذا العالم منسي، وتذكره العالم بعد الأحداث الأخيرة؟


حصر عدد الأسرى المتواجدين الآن في أقبية سجون الاحتلال قد يكون من الصعب تحديده، كون هناك العديد من الشهادات التي تبين أسر عدد كبير من المدنيين في شمال غزة خلال الحرب الجارية الآن، خاصة أنه تم أسرهم خلال النزوح الى الشمال، ولا أحد يعلم عنهم شيئا حتى الآن، وفق رويات غزيين دقيقة.


وحتى لا يكون هذا الأسير "نسياً منسياً" في جب السجون، يحتفي العالم الحر، والفلسطينيون على وجه التحديد، بيوم الأسير الفلسطيني، الذي يعد يوماً تضامنياً مع الأسرى في السجون والمعتقلات الصهيونية، وذلك في 17 نيسان (أبريل) من كل عام منذ العام 1974، كما تأسست جمعية نادي الأسير الفلسطيني المستقلة، التي أسسها الأسرى أنفسهم من داخل السجون، وما تزال تناضل في سبيل نيل الأسرى حقوقهم "الإنسانية".


الأطفال الذين شهد العالم على خروجهم من الأسر خلال صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، وجوههم تحكي الكثير، الرعب المجبول بفرحة التحرر يظهر حجم الدمار الإنساني الذي يعانونه، وستمتد آثاره لسنوات طويلة. لذلك، يؤكد مستشار أول الطب الشرعي والخبير في حماية الأطفال في النزاعات المسلحة الدكتور هاني جهشان لـ"الغد"، أنه لطالما كان الأطفال (أقل من 18 سنة) الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني منسيين لا صوت لهم.


ووفق جهشان، فإن الإحصاءات تشير إلى أن جيش الاحتلال نفذ 880 حالة اعتقال منذ بداية العام الحالي، وجزء منها اعتقالات إدارية خارج النصوص القانونية، وإن ظهر على الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، مؤخرا، شهادات من هؤلاء الأطفال الذين تم تحريرهم بصفقات تبادل الأسرى، توثق تعرضهم للانتهاكات والإجراءات التنكيلية والانتقامية من الاحتلال، إلا أن هذه الانتهاكات كانت موجودة طي الكتمان وترتكب منذ عشرات السنين خلف أسوار السجون وأبوابها الموصدة وبتكتم إعلامي، لقد أوردت شهادات هؤلاء الأطفال مؤخرا عمليات اقتحام المهاجع وغياب الخصوصية وانتهاك الكرامة والتعدي على الأعراض، وشملت هذه الشهادات الإخلال وخرق مقومات الحياة الأساسية من طعام وعلاج وكساء ومياه وتدفئة.


ولم يرد في المراجع المسندة حول أوضاع الأطفال الفلسطينيين الموقوفين في سجون الكيان الصهيوني أي معلومات عن توفير الخدمات الاجتماعية والنفسية لهم أو توفير الرعاية الطبية المعيارية أو توفير ظروف بيئية إنسانية، كما يبين جهشان، بل تشير التقارير إلى تعرضهم لأشكال العنف الجسدي والنفسي والتعذيب كافة، بما في ذلك العنف والاستغلال الجنسي، وشمل التنكيل الجسدي استخدام الأصفاد المعدنية وتعتيم الرؤية بأربطة على العينين لفترات طويلة، ووضعهم بالتوقيف الانفرادي وحشرهم في أقفاص حديدية في مراكز التوقيف وخلال نقلهم بين مراكز التوقيف.


كما تشير تقارير منظمات الطفولة وحقوق الإنسان (تقرير لمؤسسة إنقاذ الطفل)، إلى أن الأطفال الفلسطينيين هم الوحيدون من أطفال العالم الذين تتم محاكمتهم في المحاكم العسكرية، وأوضحت هذه التقارير أيضا أن 86 % من الأطفال المحتجزين يتعرضون للضرب و69 % يتعرضون للتفتيش بإذلال ومهانة خلال خلع ملابسهم، وأن 42 % منهم أصيبوا أثناء الاعتقال بمقذوفات نارية وكسور في العظام. وكان يتم الاستجواب في كثير من الحالات دون حضور ولي الأمر، أو مقدم الرعاية، أو الباحث الاجتماعي، أو المحامي، ويتعرضون باستمرار للحرمان من النوم والطعام والماء، وغالبا ما يتم حجب الوصول لمحام أو مساعد قانوني، وغالبا أيضا ما يتم التحقيق معهم في أماكن مجهولة معتمة باستخدام الأصفاد والأربطة على العينين.


ويتحدث جهشان عن خطورة تلك التقديرات التي تشير إلى أن ما بين 500 و1,000 طفل يحتجزون في المعتقلات العسكرية للاحتلال كل عام خلال العقود الماضية، 97 % منهم ذكور، ومن الأطفال ذوي الإعاقة الذين يعانون من غياب التأهيل الجسدي لهم وعدم توفير معدات التأقلم من مساعدات المشي والعكازات، وما يثير الخوف حول تلك الانتهاكات أن الجريمة الرئيسية المزعومة لهذه الاعتقالات هي إلقاء الحجارة، التي يمكن أن تصل عقوبتها إلى السجن لمدة 20 عاما للأطفال الفلسطينيين.


عدا عن أن تلك التقارير تشير أيضا الى أن 60 % من الأطفال تم حبسهم انفراديا لفترة زمنية تتراوح بين يوم واحد وما يصل إلى 48 يوما، و70 % منهم عانوا من الجوع و68 % لم يتلقوا أي رعاية صحية و58 % منهم حرموا من الزيارات أو الاتصال بأسرهم أثناء احتجازهم، وهذا ما سبب لغالبية الأطفال المعتقلين المعاناة من الكوابيس والأرق ويجدون صعوبة في العودة لحياتهم الطبيعية عند إطلاق سراحهم، وغياب الأمل في مستقبل حياتهم.


مستشار أول الطب النفسي ومختص بالتثقيف النفسي في المجتمع العربي الدكتور وليد سرحان، يؤكد أن جميع الأسرى الفلسطينيين وليس فقط الأطفال في سجون الاحتلال، يمرون بصعوبات كبيرة جدا يصعب تخيلها من الإذلال والتعذيب والأحكام التعسفية، وما يزيد الأمر خطورة وتدهورا في صحة الأسرى هو تعمد الاحتلال أن يكون هناك مشاركة من أطباء نفسيين ومختصين في علم النفس بالتعذيب بصورة مرعبة.


ويؤكد سرحان، أن الأسرى بالفعل قابعون في غياهب النسيان، وحتى بعد خروجهم لا يقدم لهم أي نوع من الرعاية النفسية والاجتماعية وإعادة التأهيل اللازمة، مشيراً إلى ضرورة أن يكون الوقت قد حان للنظر الى موضوع الأسرى بشكل جديد ولا بد من تدخل عربي ودولي في هذا الأمر.


وما يؤكده سرحان هو مدى الأثر النفسي الشديد جداً الذي يتلقاه الأسرى، وخصوصاً الأطفال، بسبب العزل الانفرادي الذي يعد من أقسى أشكال التعذيب ويترك آثارا نفسية شديدة، خصوصا على الأطفال، وهذا ما يجعل التعافي بعد الإفراج، في حال تم، يتطلب الكثير من البرامج طويلة الأمد، وقد لا يكون الشفاء كاملا، خصوصاً في الحالات الشديدة.


ويتحدث جشهان، كذلك، عن مجموعة من القواعد التي يجب أن يلتزم فيها العالم في النزاعات، إذ لا يمكن احتجاز المدنيين ما لم تكن هناك أسباب حتمية للأمن تبرر اعتقالهم، كما يجب معاملة المدنيين المحتجزين، بمن فيهم الأطفال، معاملة إنسانية واحترام كرامتهم، وحمايتهم من القتل والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.


كما أن هناك حقوقا رئيسية لأسرى الحرب، وفق جهشان، ولا يجب بأي شكل من الأشكال إهمالها للمحافظة على حياة الأسرى، والتي تغيب تماماً في سجون الاحتلال، والمتفق عليها في معظم الاتفاقيات الدولية، بما فيها دولة الاحتلال، وبالتالي فهي ملزمة قانونياً بالالتزام بأحكامها في جميع الأحوال، بيد أنها ترتكب انتهاكات صارخة للاتفاقية ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وبمقارنة شهادات الأطفال الأسرى الذين تحرروا من سجون الصهاينة مؤخرا، فإن ممارسات الاحتلال الصهيوني تجاه الأطفال الأسرى تشكل انتهاكا خطيرا للقانون الدولي الإنساني وللإعلان حقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل.


كل ذلك، لا بد من عواقب وخيمة له، كما يرى جهشان، وذلك من خلال آثار دائمة على نمو الأطفال ورفاههم وآفاقهم المستقبلية، وتؤثر على صحتهم البدنية والعقلية، ومهاراتهم المعرفية والعاطفية، وهويتهم الاجتماعية والثقافية، وآليات المرونة والتأقلم، وقد يعيقون أيضا قدرتهم على إعادة الاندماج في أسرهم أو مجتمعاتهم المحلية أو مجتمعهم، والمساهمة في السلام والتنمية، لذلك، من الأهمية بمكان حماية الأطفال من الاحتجاز والانتهاكات الجسيمة الأخرى في أوقات الحرب، وتزويدهم بالرعاية والمساعدة الكافية للتعافي من تجاربهم.


ويوضح جهشان، أن الوقاية الأولية لحماية الأطفال من الأسر والاحتجاز تتمثل بأن يمنع ارتكاب الأسر قبل وقوعه، هو أمر معقد ومتداخل مع مرجعيات عسكرية وسياسية، فترتفع نسبة وعدد أسر واحتجاز الأطفال الفلسطينيين وانتهاك حقوقهم، والوقاية الثانوية، ويقصد بها حماية الأطفال المحتجزين خلال فترة وجودهم في الأسر، لتوفير الاحتياجات الأساسية من رعاية طبية ونفسية واجتماعية وتأهيل ودعم قانوني وتوفير بيئة صحية آمنة، والتي تعد شبه غائبة ولا تقدم من قبل سجون الاحتلال، كما تتمثل الوقاية الثالثة بتوفير العلاج النفسي والطبي والتأهيل حال خروج الأطفال الموقفين من السجن.


الرعاية اللاحقة، بحسب جهشان، يجب أن تتم من خلال الخدمات والبرامج التي تقدم للأطفال الذين خرجوا من مراكز الاحتجاز أو السجون، بهدف دعم إعادة اندماجهم في المجتمع، وتعتمد على مبادئ حقوق الطفل، وتحترم كرامته ومصلحته الفضلى، وتعتبره شريكا فاعلا في عملية التغيير، وتراعي احتياجاته ومصالحه وقدراته الفردية، وتحميه من التمييز والاستغلال والعنف، من خلال التنسيق بين مختلف الجهات المعنية، الحكومية وغير الحكومية، والمنظمات المحلية والدولية، والمجتمع المدني والإعلام، والأسر والمجتمعات، والأطفال أنفسهم.

 

اقرأ أيضاً: 

أقدم أسيرة بسجون الاحتلال: زاد قمع "إسرائيل" للأسيرات بعد 7 أكتوبر

من هم الأسرى الأطفال المفرج عنهم من سجون الاحتلال؟

طفل محرر من سجون الاحتلال يتحدث عن أسير في زنزانته فقد الذاكرة من التعذيب- (فيديو)

بعد "مش متذكر".. حتى لا يصبح الأسير الفلسطيني أحمد مناصرة "مش قادر"