"أعذار مزيفة" تضاعف الخطأ لتنهي علاقات إنسانية

"أعذار مزيفة" تضاعف الخطأ لتنهي علاقات إنسانية
"أعذار مزيفة" تضاعف الخطأ لتنهي علاقات إنسانية

آلاف الأعذار قد لا تكون كافية للأسف من الآخرين عند الإساءة لهم، بل ما قد يزيد من صعوبة الموقف وزيادة الفجوة بين الطرفين، عندما يكون "العذر أقبح من الذنب ذاته" أو تكون "الأعذار مزيفة"، ليكون البعد في هذه الحال أسلم.

اضافة اعلان


العلاقات الإنسانية، على اختلاف درجاتها، معقدة بكل تفاصيلها، ويحيطها الغموض في الكثير من الأحيان، وهو ما يسبب الكثير من المشاكل أحيانا، لاختلاف البشر وثقافاتهم وطريقة تفكيرهم، والحدود التي يضعونها لهم، عدا عن كيفية استقبالهم لردود أفعال من حولهم، والتي كذلك تصطدم بـ"الخبرات المتراكمة للفرد"، لذلك يبحث الناس عن الأعذار التي يمكن أن ترمم أي علاقة تعرضت "للخدش"، ولكن تكمن المشكلة إن كان هذا العذر "أقبح من الذنب"، كما يقال.


عدم الاعتراف بالخطأ، ومحاولة التملص من الأخطاء التي يرتكبها الفرد تجاه الآخرين، يحتمان على المخطئ أن يقدم أعذاره بدلا من قول الحقيقة أو الاعتذار بشكل مباشر، لتكون جملة "أنا آسف لقد أخطأت"، كفيلة بمسح تراكمات العتب وسوء الظن والحزن من مواقف البعض، بيد أن ما يقوم به الكثيرون اليوم هو تقديم العذر دون واقعية وبعيدا عن الحقيقة، والتي عادة ما تكون غير مقبولة، بل وأشد إيلاما من الذنب نفسه.


مي مسعود، تتحدث عن تجربتها في ذلك، فقد تعرضت من إحدى صديقاتها لموقف ما تزال آثاره السلبية تمنعها من عودة العلاقة الطبيعية بينهما إلى الآن، كونها ترى أن ما قدمته من أعذار كان أكثر صعوبة، وزاد من تعقيد الأمور بينهما، خاصة وأنها كانت بحاجة صديقتها إلى جانبها في أصعب الأيام التي مرت بها "بوفاة والدها"، ليكون عذر صديقتها أنها "مشغولة بتسليم مشروع بتلك الفترة".


وتستذكر مسعود ما بينهما من علاقة طويلة وممتدة وذكريات كثيرة، فبدورها كانت الوحيدة التي تقف بجانبها تاركة جميع مسؤولياتها لتقوم بدورها كصديقة، لكن وفي موقف جلل، كما وصفته مسعود، لم تجد هذه الصديقة وكان حضورها "عابراً ومتأخراً"، وأقل تعاطفا، في حين أن الصداقة تحتم عليها في مواقف معينة أن تكون أكثر قرباً منها لتأكيد مفهوم الصداقة.


لذا، تقول مسعود إنها كانت ستكون أكثر تفهماً وأقل غضباً لو وجدت من صديقتها سبباً مقنعاً أو حتى "اعترافا يتبعه اعتذار حقيقي ممزوج بالندم على الخطأ"، لفتح باب التسامح بينهما وعودة العلاقات كما كانت، ولكن ردة فعل صديقتها والهجوم والاعتذار بكلمة "مشغولة"، كانت سبباً في زيادة العلاقة سوءا وانقطاعاً على المدى البعيد.


هذا الموقف الذي حدث مع مسعود يتكرر بأشكال وأنماط مختلفة مع أفراد مختلفين في حياة كل إنسان، كتبرير الزوج في تقصير ما، فيكون عذره أكبر من ذنبه، أو حتى في العلاقات بين الوالدين مع الأبناء، أو العلاقات العاطفية والأصدقاء، وبدلا من الاعتراف بالخطأ، يبحث البعض عن حجج تبرر أفعالهم، قد تكون أشد سوءا عن الفعل المرتكب، لينطبق المثل "عذر أقبح من ذنب".


ومن جهته، يبين اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي، أن الاعتذار هو سيد الموقف ويحد من أي ألم يمكن أن يشعر به الشخص الذي يتعرض للإساءة، ويتساءل "لماذا لا يتوقف الفرد على كلمة أخطأت وآسف فقط؟"، ويتبعها بتبرير منطقي وحقيقي على ما أخطأ، حتى لا تكبر تلك الفجوة بينه وبين الشخص المقابل.


ويوضح خزاعي "أن آفة الاعتذار هي الأعذار، وآفة الأسف هي التبريرات"، فمن اعترف بذنبه واعتذر، فإنه أفضل الإجراءات عند أي خصام أو نزاع بين طرفين، وخصوصا إن كان أسفاً حقيقياً، وعدم الإقدام عليه مرة أخرى، ما يعني أنه على الفرد أن يعتذر بشكل واضح وعدم اللجوء لتبريرات تخفف من الفعل الخاطئ، التي قد يرافقها الإنكار عن الخطأ من باب "التبرير"، وأن الاعتذار الحقيقي كفيل بالقبول والصفح لأي خطأ، خاصة أن الاعتذار يحتاج إلى شجاعة وليس كل شخص قادر عليه.


وفي السياق ذاته، يقول اختصاصي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطارنة "إن الاعتراف بالذنب أو التقصير والاعتذار عنه يجعل الفرد المخطئ يعيش بسلام بأنه قدم اعتذاره بشكل واضح، ويعطي للطرف الآخر حقه، ويترك له حرية اختيار المسامحة والعفو أو الابتعاد، وهذا يعني أن النفس للطرفين أخذت حقها من المصافحة والاعتذار كذلك".


كما يؤكد مطارنة أنه بمجرد أن يعتذر الفرد عن خطئه، فهو يسامح نفسه ويزيل عنها ما علق بها من أثر الذنب وحِمله، أما من يبرر خطأه محاولا تخفيف الخطأ، فإنه بذلك يعزز من شعور الذنب وتفاقم المشكلة، على عكس ذلك عندما يعتذر فإنه يشعر بقمة السعادة والطمأنينة، فالاعتذار ينبع من شخص نبيل وشجاع وقادر على الاعتراف بما أخطأ به.


ووفق مطارنة، فإنه مهما كان الخطأ كبيرا، فإن الاعتذار كفيل بالتخفيف من شدته وحدة المواقف التي حدثت بين الأصدقاء أو الأقارب وأفراد الأسرة الواحدة، ويعبر الأسف إلى قلوب الآخرين الذي قد ينهي أي خلاف فيما بينهم.


ويعتقد مطارنة أن العلاقات الإنسانية بسيطة، وعلينا دائماً أن نضع أنفسنا مكان الآخرين، لنعلم مدى مشاعر الآخرين وحدودهم في التعامل، وأن كثرة التفكير في التفاصل والتعقيد، كما في وضع مبررات للدفاع عن الذات، تجعل الفعل أكبر والمشكلة أعمق، وأن كلمة "آسف" الحقيقية تفي بالغرض بالكثير من المواقف، وتحفظ الود وترمم العلاقات.

 

اقرأ أيضاً: 

أعذار نختلقها حين نفشل

اللجوء للأعذار لتبرير الأخطاء