أفلام بطروحات مثيرة للجدل.. خدمة للمجتمع أم نشر للسلبيات؟

أفلام بطروحات مثيرة للجدل.. خدمة للمجتمع أم نشر للسلبيات؟
أفلام بطروحات مثيرة للجدل.. خدمة للمجتمع أم نشر للسلبيات؟
تغريد السعايدة 

“ما الرسالة التي يقدمها هذا الفيلم أو ذاك؟، هل يجسد الواقع بحذافيره ويخدم المجتمع، أم أنه يساعد على انتشار أفكار العنف بطريقة غير مباشرة؟”، وكيف يمكن تدارك تلك المخاطر الاجتماعية المتوقعة؟.. تلك بعض من أسئلة يتم طرحها ترتبط بأفلام عرضت وتحمل الكثير من الجدل.

يرافق تلك الأسئلة الكثير من الاستفسارات الفرعية الأخرى في سجالات تتم على مواقع التواصل الاجتماعي، حول الأفلام، أو المقاطع التي تُبث وأياً كان مصدرها، الأمر الذي قد يدفع كثيرين إلى المطالبة أحيانا بوقف أو منع عرض “أفلام” معينة. وفي الوقت الذي يرى فيها منتجون وفنانون ممن يدافعون عن وجهة نظرهم بأن نقل الصورة بكل تفاصيلها من الواقع إلى الأفلام يزيد من “واقعية الأحداث ويجذب الجمهور، وربما قد يجد بعضهم حلولاً لقضايا أو تسليط الضوء على فئة محددة في المجتمع تحتاج إلى الرعاية والدعم والاهتمام”. بيد أن الجانب الآخر من المشاهدين الذين ينقسمون ما بين مؤيد ومعارض، يعتقدون أن وجود تفاصيل مختلفة، قد يقرون بواقعيتها، لا يعني بالضرورة نقلها إلى السينما وشاشة التلفاز أو منصات العرض، كونها لا تفيد في سياق الأحداث، سوى أنها تلفت النظر والسمع لبعض المشاهد أو الكلام الذي يعتبر ضمن سياق العنف اللفظي والجسدي، والذي قد يرى فيه بعض الشباب واليافعين “مبرراً لتكراره على أرض الواقع”. ولكونها، بحسب وجهة نظر نسبة من المشاهدين، لا تقدم حلولا وعلاجا لمشاكل المجتمع المطروحة، يتساءل هؤلاء عن سبب إصرار بعض المنتجين للأفلام على تكرار عرض العنف بأشكاله من دون مبرر، أو بشكل مبالغ فيه. تؤكد الاختصاصية وخبيرة علم الاجتماع الدكتورة فاديا إبراهيم أن القاعدة الأساسية تقول إن الفن يجب أن يكون له دور في مُعالجة منظومة الظواهر الاجتماعية التي تظهر بالمجتمع من عنف وبطالة وتحرش وتهميش وغيرها من القضايا التي يجب أن يتناولها الفن سواء بالإيجاب أو بالسلب من أجل وضع تفسير للواقع الحقيقي. كما يجب أن يكون هناك تعاون حقيقي ومدروس بين علماء الاجتماع وعلماء التربية والقائمين على الفن والثقافة والإعلام من أجل تقديم المهم والمفيد والذي يخدم الإنسانية، كما تؤكد إبراهيم، ويكون هناك تفريق ما بين أن يكون العمل كفن أو قيمة مجردة، ولا يمكن ضبطه أو تقنينه لأن للفن مدارس عديدة بعضها مدارس تشاؤمية تنظر للمجتمع والحياة بسوداوية وأحياناً تظهر السخط والغضب والكراهية فتُبالغ في تشويه الواقع ومسخ شخصياته فتغض النظر عن قيم السلام والأمن والجمال في المجتمع وتنظر لنقطة سوداء في صفحة بيضاء. وقد يرى المقدمون لهذه العروض، وفق إبراهيم، أن هذه طريقة للبحث عن قيمة فنية حقيقية أو التميز والإبداع وجذب انتباه المشاهدين أو تحقيق المشاهدات والجوائز والأرباح، فالتعامل مع الفن وخصوصاً الدراما التلفزيونية أو السينمائية أمر في غاية الخطورة لأنه شعبوي يشاهده ملايين من الأشخاص وليس نخبويا كباقي الفنون مثل الرسم والنحت والفنون الأخرى فـ “الفن النخبوي نحن نختاره نبحث عنه ونذهب إليه، أما فنون الدراما والسينما هي من تختارنا تصل إلينا قبل أن نصل لها وتدخل بيوتنا ونشاهدها نحن وأطفالنا”. قبل عقد مضى كانت الإنتاجات السينمائية والتلفزيونية الأردنية خاضعة لكثير من المحددات، أما اليوم ومع الثورة الرقمية والتطور التكنولوجي والانفتاح العالمي وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي اختلف الأمر. وتعتقد إبراهيم أن ما حصل وسع مدارك الفرد العربي وأعطاه فرصة للانفتاح المطلق على الثقافات والعوالم الأخرى وأعطاه أيضاً الجرأة وعدم الخوف والتحرر من كل القيم والعادات الاجتماعية والإنسانية الموروثة أو المتعارف عليها، فـ “أصبحنا نشاهد ونسمع ما كنا لا نراه ولا نسمعه، ما كان ممنوعا في السابق أصبح مُباحا وطبيعيا في الحاضر، ما كان يمارس بالخفاء أصبح يُمارس في العلن دون خوف أو خجل”. الناقد السينمائي والصحفي المختص ناجح حسن يعتقد أن السينما والمواد المرئية وما ملكت من أدوات تعبير من نواحي اللغة السمعية والبصرية والدرامية، هي كفيلة بأن تطرح أمام المشاهد قضايا الواقع الذي يعيش فيه من تحديات وصِعاب والتي غالباً ما تتعلق بالعنف والجرأة في اللفظ والقول. ويرى حسن أن على صانعي المحتوى الفيلمي أن ينقلوا العنف بجرأة وواقعية ولكن مع مراعاة النص اللفظي الذي يصل للمشاهد من دون الاعتداء على ذائقته، إذ إن صناعة المحتوى السينمائي في أميركا، على سبيل المثال، يظهر مدى العنف، ولكن يتباين من مخرج إلى آخر، ويمكن أن يصل إلى حد كبير من الإساءة على الذائقة البصرية، ومنهم من يعتدل في ذلك، ولديهم من الفطنة ما يساعدهم على نقل الواقع بسلاسة وقبول جميع الأذواق، وهو التحدي الأكبر. وتشدد إبراهيم على أهمية أن بذل الجهود من أجل استيعاب هذا التطور والانفتاح مع المحافظة على خصوصية المجتمع، وجيل الشباب من مخرجين وممثلين والقائمين على الاعمال الفنية يجب تثمين جهودهم واستيعاب طاقاتهم وتوجيههم وأن يعلموا أن أعمالهم لا تمثلهم شخصياً بل تُمثل مجتمعا كاملا. “نحن مع الفن مع الإبداع ومع دعم الشباب لكن حذار من الاندفاع الزائد بما يأخذنا إلى أماكن أخرى ممكن أن تضر واقعنا”، كما تحذر إبراهيم من الانغماس بالظواهر السلبية والتي تنتشر بنسب قليلة في مجتمعاتنا وعدم إظهار الجوانب الإيجابية يصبح كل ما نشاهده سلبيا “يلوث أفكارنا وعيوننا ومسامعنا”. ويجب على الجهات المختصة والرسمية أن لا تقف بعيدة عن المشهد وتسعى من أجل تحقيق سلامة الفن والمجتمع والفرد ضمن منظومة متكاملة مدروسة ومتوازنة تضمن تحقيق الاستقرار والأمن والسلام في المجتمع، وتحمي أبناءنا من أي طروحات سلبية ممكن أن تؤثر على أفكارهم وسلوكياتهم، بحسب إبراهيم. ويقول أخصائي الصحة النفسية والعقلية والإدمان مالك الطريفي إن ما يراه الناس من تحريض على العنف بالأفلام ومسلسلات أو فيديوهات ذات طابع مليء بمشاهد الإجرام أو الانحراف لها آثار سلبية على المجتمع. ويعتقد الطريفي أن هناك الكثير من ضِعاف النفوس الذين يتلذذون بنشر مقاطع عنف أو اعتداء أو قتل وسلوكات منحرفة من أجل حصد التفاعل والمشاهدات وهم لا يعلمون حجم الأثر النفسي والمفاهيم الخاطئة التي تركوها في نفوس الآخرين، مستشهداً ببعض المقاطع العنيفة الدموية التي فيها تعد على حقوق الآخرين وسلب لحرياتهم، بأن حجم الآثار النفسية السلبية فيها على الشباب والفتيات وحتى الأطفال كبير جداً. ويذهب إلى أن المشاهد لا تغيب من عقول المراهقين، الذين يمكن أن يقلدوا ما يرونه بالأفلام أو المسلسلات التي يوجد فيها عنف يحفز السلوك العدواني ويزيد الميل نحو النزعة العدوانية. وينوه الطريفي بأن الشخص إذا شاهد مشهدا ما قد لا ينساه ويستسهل تقليده، ويدخله في اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والإحباط والقلق والشعور بعدم الأمان والخوف من المجتمع وذلك لأنه يوجد اختلافات شخصية في درجة تحمل هذه المشاهد تحديدا الدموية. ويمكن أن يكون التقليد، حسب ما يرى الطريفي متمثلا بالألفاظ التي تم بثها في المشهد، كما نرى على تطبيقات السوشال ميديا بأن الكثير من الشباب والفتيات يقومون بتقليد الكثير من الممثلين بعمل فيديوهات ونشرها، وهذا يعرض المجتمع للخطر. ويعتقد الطريفي أن من الأهمية بمكان أن تكون هناك زيادة للوعي بين الأطفال والشباب والفتيات بتوفير الأمان النفسي لهم ودعمهم وزيادة الطاقة الإيجابية لهم باللجوء إلى متابعة مسلسلات وفنون فيها معلومات ثقافية تفيد المجتمع وتحفزهم للوصول إلى أهدافهم بعيدا عن ارتكاب الجرائم والسلوكات العدوانية. ووفق حسن، من ناحية العنف أو القسوة أو مشاهد “التطاحن” لدى بعض شرائح المجتمع، والمبالغة بالمشاهد التي تتعلق بجرأة اللفظ، هو ما شاهدناه في بعض الأطروحات، خصوصاً في بعض المسارح التجارية، والتي يظهر بها “فُحش القول”، والجمهور يتفاعلون معها بشكل طبيعي، في حين أن الأفلام الأخيرة قوبلت بصد كبير. لذلك، على المخرج أن يوظف المشاهد كما يبين حسن، خاصة وأن هناك مبالغة في بعضها، وغدا الأمر بحاجة إلى الفطنة في استلهام الواقع سينمائياً، وتجسيد الواقع بحذافيره ليس من الضروري، والسينما الأردنية ما تزال تفتقر لكم من المنتجين بل هي محاولات لأفراد بجهود ذاتية، وقد يكون بدعم من مؤسسات خارجية بأشكال مختلفة، كون الأردن يفتقد بنية راسخة لصناعة الأفلام، و”نحن ما زلنا معتادين على البرامج التي تخضع للرقابة، بعيداً عن المنصات الجديدة”.

اقرأ المزيد : 

اضافة اعلان