أمهات يقعن في فخ التفرقة والسيطرة.. والفتيات يدفعن الثمن

89789
89789
ربى الرياحي بألم وحرقة، تتحدث دارين (30 عاما) عن محاولاتها الدائمة لإرضاء والدتها وإثبات أنها مجتهدة ومتميزة لتكبر في عينيها، لكن ذلك لم يكن يحدث أبدا. تقول “لا أستطيع أن أتجاوز شعوري بأني غير مهمة.. كل النجاحات التي حققتها وما وصلت إليه من تميز في مجال العمل وحتى في حياتي الخاصة لم يكن كافيا بالنسبة لوالدتي”. تعود دارين سنوات للوراء، لتبين أنها ومنذ أن كانت طفلة نشأت على التفرقة بينها وبين أخيها فقط لأنه ذكر. إحساسها بأنها أقل منه في كل شيء دفعها لأن تغير من نفسها وتتصرف بعكس طبيعة الأنثى، فكانت تحاول أن تشبهه في لبسه وحركاته وحتى اهتماماته. كانت تلجأ لتلك التصرفات لتلفت انتباه والدتها، وتكسب حبها ورضاها كأخيها تماما، لكن ذلك كله من دون نتيجة. لذا كبرت دارين وفي داخلها الكثير من الندوب جراء المعاملة غير العادلة، حسب رأيها، التي جعلتها تشك في حب والدتها لها في مرحلة من المراحل. عقد نفسية وندوب وجروح تحفر في شخصية الكثير من البنات ممن عشن تجارب صعبة في بيوتهن نتيجة التربية غير المنصفة. قصص كثيرة خلف الجدران تكرس التفرقة والتمييز، تحملها الابنة معها العمر برمته، من دون وعي من الأهالي بأن عقل الصغير يختزن كل الذكريات والأحداث وكل موقف تعرض له، لتكون الآثار السلبية متصاعدة. التشابه الكبير في الملامح بين ريم علي (25 عاما) وبين والدتها، كان كفيلا بأن تعيش خلافات شبه يومية، لتثبت لها أنها ليست نسخة مصغرة وأن لها شخصيتها المستقلة وميولها وتوجهاتها وأفكارها الخاصة. تقول ريم، إنها منذ الطفولة كانت والدتها تريدها نسخة عنها في كل شيء، وذلك لأنها الوحيدة بين شقيقاتها التي تشبهها في الشكل، لافتة إلى أنها ورغم حبها الكبير لوالدتها وتعلقها بها، إلا أن هناك فروقات واضحة بينهما، وتحديدا في التفكير. ريم حاولت أن تصنع لذاتها شخصية تشبهها، وتحتفظ بتفاصيلها الخاصة التي تميزها عن غيرها وتمنحها الاستقلالية نوعا ما. وتبين أنها لطالما تأثرت بمواقف وأفكار والدتها، لكن ذلك لم يمنعها من أن تكون هي، وهذا بالفعل بدأ يشعرها بالراحة ويجعلها على طبيعتها وحقيقية أكثر مع نفسها. بينما سمر (31 عاما) تقف حائرة من تصرف صديقتها مع طفلتيها والتمييز بينهما. تقول “لا أجد أبدا مبررا للأم التي تفاضل ابنة على أخرى بناء على الجمال، وخاصة عندما تبدأ بالتغزل بابنتها الصغرى أمام أختها، متحدثة عن نعومتها وجمالها وذكائها وتفوقها من دون أي مراعاة لنفسية البنت الأخرى ومشاعرها”. ومثل هذه التصرفات، من وجهة نظر سمر، تتسبب حتما في فقدان الثقة للأبد والشعور الدائم بالنقص، وبالتالي وقوع الأم في فخ كهذا يضع علاقتها بابنتها معتدلة الجمال على المحك، وقد يؤدي ذلك في بعض الأحيان إلى خلق الجفاء بين الأختين من جهة وبين الأم وابنتها من جهة أخرى. في بعض البيوت، هناك بنات كبرن على أن الذكر أفضل من الأنثى وأن الجمال هو معيار الحب، إضافة إلى الانتقادات المحرجة التي تطال الشكل والوزن. وهذا سببه بعض الأمهات اللواتي يزرعن في بناتهن الخوف من الجنس الآخر ويجدن أن التربية الصحيحة تكون في تعليم البنت على الخضوع وخفض الصوت وليس من حقها أن تقول لا. هذه الأخطاء وغيرها كفيلة بأن تشوه الكثير من المفاهيم لدى الفتيات تحديدا، لذلك لا بد من أن تكون الأم واعية لكل تصرفاتها تعرف تماما كيف تكون عادلة في تربيتها وأماً حقيقية مع بناتها تدرك أثر ما تزرعه في نفوسهن من ثقة وحب وأمان واحتواء. الاختصاصي التربوي الدكتور عايش نوايسة، يبين في حديثه لـ”الغد”، أن التربية الصحيحة والمبنية على المساواة ومنح الفرص للأبناء ذكورا وإناثا تصنع شخصيات ناجحة ومستقلة. كذلك الاهتمام بتوطيد العلاقة بين البنت وعائلتها أمر في غاية الأهمية وله دور كبير في رفع ثقتها بنفسها والنظر باحترام لإمكاناتها وصفاتها ومشاعرها. ويلفت إلى أن على الأهل، وخاصة الأمهات، أن يكونوا قدوة إيجابية لبناتهم، وأن يخلقوا لغة حوار معهن منذ الصغر، ما يجعل الفتاة معتادة على التحدث مع أمها وإخبارها بأسرارها، وبالتالي يكون باستطاعة الأم توجيهها وتقديم النصح لها. ويرى نوايسة أن إعطاء البنت مساحة لتخطئ وتتعلم نقطة مهمة في تقويتها، فالأخطاء من شأنها أن تمنحها دروسا تنفعها في حياتها، فهي ليست مثالية، فعندما تخطئ تدرك أن الأخطاء جزء طبيعي من الحياة، كما أن التربية الصحيحة تكون بعدم الإفراط بالتوجيه، لذا ينصح بالتوجيه غير المباشر بدلا من إلقاء الأوامر طوال الوقت. ووفق نوايسة، فإن كثرة الأوامر من شأنها أن تجعل الابن متمسكا برأيه أكثر والتحول لشخصية متمردة، لافتا الى أن الأمهات يقعن أحيانا في فخ المقارنة بين الذكور والإناث، فينسين أن كلا الطرفين بحاجة للحب والرعاية وأن ميلهم لطرف دون الآخر ومنح الذكور امتيازات أكثر أو حريات أكثر، من شأنه أن يشعر البنات بعدم التقدير والنقص. وحول ذلك، يرى الاستشاري النفسي الأسري د. أحمد سريوي، أن من أكثر الأخطاء التربوية التي قد تقع بها الأمهات هي المقارنة، الأمر الذي يولد الغيرة والكراهية بين الأبناء، وكذلك يؤدي إلى نقص الثقة لدى الفتاة التي يتم مقارنتها بالآخرين، خصوصاً لو كانت المقارنة فيما لا تستطيع تغييره مثل لون بشرتها أو شكل وجهها وغير ذلك. وقد يتطور الأمر في مرحلة المراهقة لتصاب باضطراب تشوه الجسد، حيث يتميز هذا الاضطراب بالنظرة الدونية لشكل الجسد واعتباره مشوها وغير جميل، وهو الأمر الذي قد يتسبب للفتاة بالانخراط بعلاقات غير صحيحة فقط لإشباع النقص الذي تعاني منه حول شكلها وجسدها. وينوه سريوي إلى أن الكلام وقعه على الإنسان قد يغير مجرى حياته، والأم هي القدوة لابنتها وهي السند، وهي الصديقة، فإن كانت العلاقة على غير ذلك ستعاني هذه الفتاة حتماً من مشاكل نفسية مستمرة قد تتطور فيما بعد إلى اضطرابات قد لا يكون علاجها بالأمر السهل. لذا، يؤكد سريوي ضرورة أن تكون الأم أكثر حرصا، تحديدا في طريقة انتقادها لابنتها أن تتم بشكل لائق من دون فظاظة وتلفظ للسلوك يمكن تعديله، واستخدام أسلوب “نعم ولكن”؛ حيث تبدأ بالمديح ثم تلفت الانتباه للخطأ من طرف خفي أن تحرص على ألا تتكلم معها بصوت مسموع منتقد أمام الناس وحتى أمام أخواتها حتى لا تؤذيها نفسيا أمام الآخرين، أو تفقدها الثقة بنفسها، وأن تستخدم أساليب الدعم النفسي والتحفيزي والكلام الإيجابي حينما تقوم الفتاة بعمل سلوك إيجابي تستحق الثواب عليه حتى يتكرر هذا السلوك. اقرأ أيضاً:  اضافة اعلان