"أن نبقى على قيد الحياة ونحيا بسلام".. أحلام الغزيين تتناثر في كل "قصف"

الدمار في غزة
الدمار في غزة

طفلة جريحة في غزة، لا تتجاوز العشرة أعوام تسأل أحد الأطباء القائمين على علاجها وسط عشرات الجرحى والشهداء، لتقول "عمو أحكيلي هذا حلم ولا حقيقة". 

اضافة اعلان


هي تعتقد أن ما حل بها وعائلتها والحي الذي تقطن به أحلام وكوابيس، ولكن الحقيقة المرّة أن ما يحدث واقع مرير، بل قد تكون الأحلام أكثر رحمة بطفولتها وحقها في الحياة.


"أحلام أهل غزة حتى فترة قريبة كانت روتين حيّاة.. ولكنها الآن باتت تنحصر في "البقاء على قيد الحياة"، والاستيقاظ صباحاً وتفقد الأهل والأحباب، و"هدنة أو وقف لشلال الدم الذي استنزف الدموع والمشاعر". ولكن من بين الركام تخرج الأحلام الوردية التي تنبعث من نفحات النصر.


"انهارت أحلام أهل غزة كما انهارت بيوتهم ومستشفياتهم ومدارسهم بفعل القصف الهمجي الصهيوني والتواطؤ الدولي.. أحلام الغزاوي اليوم فقط أن يبقى على قيد الحياة، وأن يتمكن من إخراج أفراد عائلته من تحت أنقاض الدمار في حال تم قصف المنزل، وأن يعثر على جثث أطفاله الشهداء كاملة غير مقطعة"، ذلك كان حديث أحد الغزيين في وصف الأحلام التي يعيشها أهل غزة يومياً.


ولكن، من بين كل ذلك الوجع يبعث الله ما يروي النفوس من آمال الأطفال والشباب الذين ما يزالون يتأملون أن تكون حياتهم في وطنهم، "وما دام الإنسان يحلم فإنه على قيد الحياة"، تلك المقولة كفيلة بأن تجعلهم يحلمون بالغد المُشرق، فكل نفق مظلم آخره نافذة ضوء.


في غزة، هناك أحلام بسيطة، قد لا تجاوز دفتراً وأقلام ألوان، و"فرشة التخت"، كما يصفها أحد أطفال غزة، وآخر يتمنى أن يعود إلى روتينه اليومي الصباحي، مروراً بساعات العمل، وفقرة الجلوس على مائدة الغداء، ومنهم من يحلم بأن يعود للجلوس لدقائق على شاطئ البحر "الغزي".


مقابلات يومية، ومقاطع فيديو مصورة كثيرة يتم عرضها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت منصة ومرجعا للعالم أجمع للاطلاع على ما يعانيه الشعب الفلسطيني في غزة بعد الحرب الوحشية عليه من قبل الاحتلال الإسرائيلي، تلك المقاطع تحوي المئات من الأحلام البسيطة التي يراها كثيرون أنها "عادية ومن أمور الحياة اليومية والمملة أحياناً، ولكنها لأهل غزة باتت أحلاما يتمنون العودة لها بعد زوال تلك الغمة.


"بحلم أرجع على مدرستي ومع أصحابي وألعب في ساحة المدرسة وأشوف معلميني وأوقف في الطابور"، هذا روتين يومي لأي طفل يحيى في كل بقعة في العالم، بيد أنها باتت لأطفال فلسطين أحلاما قد يراها بعضهم شبه مستحيلة لما يعيشونه اليوم من ويلات الحروب، التي دمرت بيوتهم وساحات مدارسهم، وملاعبهم وحدائقهم.


العدوان الوحشي الذي يستمر منذ أكثر من 60 يوما، واستمرار النزوح وترك تلك الأماكن التي كانت حتى فترة قريبة "آمنة"، غيرت من أحلام الغزيين يوماً بعد يوم، حيث بات الحلم الآن "البقاء آمناً في إحدى ساحات المساجد أو المدارس التابعة للأونروا، في حال كانت آمنة، بيد أن كل مكان في غزة بات غير آمن الآن.


أحد الشباب المتواجدين في ساحة إحدى المساجد، بدأ بالمسير بين الخيم البسيطة أو الزوايا التي يتواجد فيها النازحون الآمنون، وبدأ بسؤالهم "شو بتحلم تعمل بس تنتهي الحرب؟" فكانت إجاباتهم مختلفة وصادمة أحياناً، إذ أجاب أحدهم "أحلم أن أنام فقط بدون شيء"، فيما قال آخر "بدي أشوف عيلتي، من أول الحرب ما شفتهم واشتقت لأمي كثير".


أغلبهم شباب لا تتجاوز أعمارهم عشرين عاماً، يعانون من تبعات تلك الحرب الطاحنة، ولكنهم أرهقهم التعب والعناء مما عايشوه خلال هذه الفترة، لذا أجاب أحدهم "أول شيء أقوم به بعد الحرب أنه سيقوم بإطفاء الهاتف، وينام ثلاثة أيام متتابعة ومن ثم سيعرض نفسه على طبيب نفسي"، فيما قال آخر: "أتمنى أن أجد بيتا أنام فيه لأن بيتي انقصف".

 

وفي مقطع يظهر فيه أحد الغزيين يتحدث وبشكل "طريف" عن حلمه بأن يعود فقط لممارسة التمارين الرياضية الصباحية التي اعتاد أن يقوم بها مع أصدقائه، إذ إن الأمر لا يتوقف فقط على التمارين الرياضية الصباحية، وإنما بتلك التفاصيل البسيطة التي كان يعيشها مع أصدقائه، ويقول موجهاً حديثه للعالم: "ما تقوم به أنت اليوم في بيتك ومع عائلتك هو حلم وقد يكون بعيد المنال عن أهل غزة" وخاصة بعدما فقدت مئات العائلات أحباء وأصدقاء وأفرادا من أسرهم.


حتى كبار السن، لم يكونوا بمعزل عن تلك الأحلام، ففي جلسة في إحدى مدارس الأونروا، تحدثت سيدات عن أحلامهن لتبادر إحدى المسنّات بالقول "وقفوا إطلاق النار مشان الله، بدنا نعيش حرام عليكم"، لتقف إحدى الفتيات التي لم يتجاوز عمرها العشر سنوات تقريباً، وتقول إنها تحلم بأن تعود إلى بيتها ومدرستها سالمة غانمة.


وفي مقطعٍ آخر، كذلك ركز فيه مصور الفيديو على الأطفال مرة أخرى، وسألهم عن أحلامهم فيما بعد أو الآن لتكون هذه إجابات جميع أطفال غزة، وهم يركضون أمام أحد مراكز اللجوء بعد نزوحهم مع عائلاتهم: "بحلم أشوف أمي وآكل خبز، بحلم آكل شاورما، بحلم أرجع أشوف أبوي، بحلم آكل سكر، بحلم يرجع أخوي يعيش".


كما أجاب أحد الأطفال عن حلمه بأن يخرج جميع الأسرى من السجون بعد انتهاء الحرب، وآخر قال: أحلم أن أفتح قناة يوتيوب وأبث منها ما أريد، وطفل، على ما يبدو أنه ابن شهيد يقول: "أحلم أن يرجع أبوي يعيش لأني مشتاقله".


إحدى الفتيات اليافعات تقول بأنها: "تحلم بأن تعود مرة أخرى للجلوس عند البحر وتتناول الإفطار وتشرب الشاي وتبقى حتى مغيب الشمس".


ومنذ الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي على غزة، كان العالم قد احتفل باليوم العالمي للصحة النفسية تحت مجموعة من الشعارات والنداءات العالمية، والتي تتضمن التأكيد على أن "الصحة النفسية كحق عالمي من حقوق الإنسان من أجل تحسين المعارف وإذكاء الوعي والدفع قدما بالإجراءات التي تعزز وتحمي الصحة النفسية للجميع"، وذلك من خلال ضمان الحق في الحماية من المخاطر، والحصول على رعاية نوعية لما لها من أهمية في رفاهية المجتمعات.


بيد أن مختصين في مجال الرعاية الصحية النفسية، أكدوا في عدة محاور على أن ما يحدث في غزة من شأنه أن ينعكس على الصحة النفسية والسلوكية على سكان غزة بشكلٍ عام، والأطفال وجه التحديد، كونهم يتعرضون للعنف الكبير من خلال القصف الدائر على مدار اليوم، ومشاهدة الموت من حولهم، وفقدان عائلاتهم، ما سيكون له على المدى البعيد مخاطر نفسية كبيرة، من شأنها كذلك أن "تدمر طموحاتهم وأحلامهم".


هي مجموعة صغيرة من أحلام أهل غزة، لا يمكن حصرها، بيد أن جميعها تصب في حلم "السلام ،الأمان، والعيش بكرامة على أرضهم، وأن تعود السماء زرقاء كما كانت، وتضيئها النجوم ليلاً بدلاً من القنابل المضيئة، وأن يستيقظ أطفالهم على أصوات المنبه لا أصوات الانفجارات، والجري نحو ساحة المدرسة بعد سماع صوت الجرس للالتحاق بالطابور الصباحي وغناء النشيد الوطني ورفع العلم الفلسطيني.

 

اقرأ أيضاً: 

همجية العدوان تئد أحلام أطفال غزة في مهدها